المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خيارات التنمية



رياض الفراشات
10 Jul 2009, 10:59 AM
ـ خيارات التنمية:
د.منير الحمش




من خلال التطور الحاصل في النظرية الاقتصادية، ومن خلال التجارب السابقة والحالية في مختلف البلدان. فإننا نجد أن هناك ثلاثة خيارات مطروحة أمام المخططين وراسمي السياسة الاقتصادية لتحقيق التنمية وهي:‏

1 ـ خيار الليبرالية الاقتصادية الجديدة.‏

2 ـ خيار التنمية الاشتراكية.‏

3 ـ خيار الطريق الثالث.‏

4 ـ الخيار المقترح: أبعد من الطريق الثالث ـ الخيار الرابع.‏

أولاً ـ خيار الليبرالية الاقتصادية الجديدة أو اقتصاد حرية السوق:‏

وينطلق هذا الخيار من الافتراضات التالية:‏

الافتراض الأول: إن السوق قادرة على العمل بكفاءة من أجل تجاوز مشكلة الاقتصاد الوطني، وأن بالإمكان الاعتماد على آليات السوق في توجيه الاقتصاد والارتقاء بالنمو الاقتصادي، والاستغناء عن تدخل الدولة بالشأن الاقتصادي. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن المنافسة الكاملة والمصالح الخاصة تقود بالضرورة إلى تحقيق المصالح العامة. وأن الأسعار التي تحددها قوى السوق، وفق قانون العرض والطلب تعكس التكاليف النسبية والمنفعة الاجتماعية.‏

الافتراض الثاني: إن القطاع الخاص (الرأسمالية المحلية) جاهز وقادر على قيادة الاقتصاد الوطني، والاستثمار في القطاعات المنتجة المؤدية إلى تحقيق نمو سريع، وأنه بالإمكان بل (يجب) الاستغناء عن القطاع العام (المنتج والتجاري والخدمي) توفيراً للخسائر التي يتعرض لها. عن طريق أحد أوجه الخصخصة. البيع أو فصل الإدارة عن الملكية أو التأجير أو الاستثمار من قبل الغير. المهم أن يتم التخلي عن القطاع العام.‏

الافتراض الثالث أن رأس المال الأجنبي، سوف يتدفق بغزارة، لمجرد أن نعلن عن انحياز الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرية السوق، كذلك الإعلان عن الانفتاح التجاري والخصخصة والتوقيع على واحدة أو أكثر من الشراكات الإقليمية المعروضة علينا.‏

الافتراض الرابع: أن الاندماج بالاقتصاد العالمي (أي الاقتصاد الرأسمالي العالمي) وتعريض المنتجات الوطنية للمنافسة. لن يؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني، بل ستؤدي المنافسة مع البضائع الأجنبية، إلى الارتقاء بجودة المنتجات الوطنية، وطرد ما هو غير قادر على الصمود في وجه المنافسة مع البضائع الأجنبية، إلى الارتقاء بجودة المنتجات الوطنية، وطرد ما هو غير قادر على الصمود في وجه المنافسة، والتحفيز لإنتاج منتجات تتصف بقدرتها التنافسية.‏

الافتراض الخامس: أن المشكلة في الاقتصاد السوري، هي مشكلة تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وخسائر القطاع العام، وانخفاض إنتاج النفط، وارتفاع مخصصات الدعم التمويني وارتفاع معدلات البطالة... الخ.‏

لقد تجسدت سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، في برامج وسياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي طبقتها معظم الدولة النامية المدينة تحت ضغط البنك والصندوق الدوليين، وبهدف جدولة ديونها والحصول على قروض جديدة. وتتمحور برامج الإصلاح والتكيف فيما يأتي:‏

1 ـ سياسات مالية تهدف إلى تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة، عن طريق تخفيض الإنفاق العام وزيادة إيرادات الضرائب. وينصب تخفيض الإنفاق العام بوجه أساسي على إلغاء الدعم المقدم للسلع الأساسية والضرورية، وتجميد الأجور والرواتب. وتخفيض مخصصات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي.‏

2 ـ سياسات نقدية انكماشية تهدف إلى الحد من الائتمان، ورفع أسعار الفوائد المصرفية وتخفيض عرض النقود بهدف تخفيض معدلات التضخم.‏

3 ـ سياسات سعرية تستهدف تحرير الأسعار وإطلاق قوى السوق ورفع أسعار المحروقات.‏

4 ـ سياسات تتعلق بتحرير المعاملات التجارية الخارجية بإلغاء القيود على الاستيرادات وتخفض مستوى حماية المنتجات المحلية.‏

5 ـ سياسات الخصخصة التي تتمثل في بيع مؤسسات القطاع العام وإنهاء دور الدولة الإنتاجي.‏

6 ـ سياسات تشجيع رأس المال المحلي والأجنبي بتقديم الإعفاءات المختلفة والتسهيلات.‏

وهذا يعني:‏

1 ـ تقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد وإضعافها وتهميشها.‏

2 ـ إعطاء قوة السوق وآلياته الدور الأساسي في تسيير الاقتصاد الوطني.‏

3 ـ إعادة بناء الرأسمالية المحلية، واعتبارها ركيزة العمل الاقتصادي.‏

4 ـ إدماج الاقتصادي الوطني بالاقتصادي العالمي، وتبعيته لآليات التطور الليبرالي.‏

ومن الواضح أن هذه السياسات ستؤدي في الأجل القصير، إلى وقف أو إعاقة النمو الاقتصادي وستدخل الاقتصاد في دوامة الركود، وتؤدي إلى تقليص فرص العمل الجديدة وزيادة البطالة، وغالباً ما تقع نتائج هذه السياسات السلبية على عاتق أصحاب الدخل المحدود والفئات المتوسطة الدخل، ومن ثم ستزداد رقعة الفقر اتساعاً كما ستزداد التفاوتات في توزيع الدخل والثروة.‏

ويعترف أصحاب النظرية الليبرالية الاقتصادية الجديدة على ذلك بالقول، إن هذه النتائج السلبية ستحصل فعلاً ولكنها ستحصل في الأجل القصير فقط، وان النتائج الإيجابية سوف يحصل عليها المجتمع في الأجل الطويل، إلا أن ذلك يظل في عالم الاحتمالات أما في الواقع، فإن النتائج السلبية م إفقار وبطالة سوف تتراكم على المدى الطويل، وسوف تحدث تشوهات تعرقل مسيرة التنمية، خاصة من خلال تراجع خدمات التعليم والصحة. كما أن هذه النتائج سيكون لها آثار اجتماعية ونفسية خطيرة سوف تؤثر على التمسك الاجتماعي والأسري من جراء تزايد التفاوتات في توزيع الدخل والثروة وانقسام المجتمع إلى أقلية غنية وأكثرية غنية مع انحسار محسوس للطبقة المتوسطة.‏

وتثير سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة الكثير من الشكوك حول مدى قدرة السوق الحرة على تحقيق النمو الاقتصادي وبالتالي التنمية. فهذه السياسات تفترض أن قوى السوق يمكن أن تعمل بكفاءة وتحقق النمو الاقتصادي، وأن كل ما تحتاجه لتحقيق ذلك إزالة القيود الحكومية عن طريقها، وأن الرأسمالية المحلية قادرة على قيادة الاقتصاد الوطني، وأنه بمجرد إزالة القيود عن حركة رأس المال سوف تنهال علينا الاستثمارات الخارجية ولذا فهي تنادي أيضاً بالاندماج بالاقتصاد العالمي لأن تعريض منتجاتنا الوطنية للمنافسة من شأنه تنشيط الأوضاع الاقتصادية المحلية.‏

لقد أظهرت الوقائع الاقتصادية، فشل اقتصادات حرية السوق، وأظهرت هذه الوقائع بوجه خاص:‏

1 ـ عجز آليات السوق عن تحقيق أسعار عادلة أو ملائمة، لأنها تقود إلى الاحتكار.‏

2 ـ عجز حرية السوق عن توليد استجابات مناسبة من جانب المتعاملين معها.‏

3 ـ عجز حرية السوق عن تخصيص وتحريك الموارد من استخدام آخر بمرونة كافية.‏

لقد فشلت الليبرالية الاقتصادية الجديدة في إزالة الاختلال الداخلي (عجز الموازنة العامة والتباين بين الادخار والاستثمار) وكذلك الاختلال الخارجي (عجز موازين المدفوعات) في أغلب الدول التي اضطرت إلى الأخذ بها. لا بل انخفضت معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات نمو الإنتاجية وزاد معدل إفلاس المؤسسات وارتفعت معدلات البطالة.‏

أما على الصعيد العالمي فقد أدت السياسات الليبرالية المتطرفة إلى استفحال أزمة الديون الخارجية، وفرض نظام أسعار الصرف واضطراب أسواق النقد الدولية، وبروز نزعة الحماية والكتل الاقتصادية الإقليمية شبه المنغلقة واندلاع (الحروب) النقدية والتجارية الضاربة.‏

وكانت بلدان العالم الثالث، كما هي دائماً، الضحية الأولى لسياسات الليبرالية الاقتصادية، فقد قادت هذه السياسات إلى تردي أوضاع هذه البلدان بعد وقوعها في فخ القروض الخارجية، وبعد أن حاصرها الدائنون وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليجبروها على التكيف مع الأوضاع المضطربة للاقتصاد العالمي. من أجل ضمان استرداد الديون، وإعادة تشكيل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان على نحو يكفل للدول الصناعية المتقدمة الدائنة، إعادة أساليب السيطرة المباشرة على اقتصادات بلدان العالم الثالث، وهي الأساليب الاستعمارية القديمة.‏

وهي في سبيلها إلى ذلك، فإنها تعيد فشل التنمية وتراكم الديون على بلدان العالم الثالث إلى أربعة أسباب:‏

1 ـ الضعف المزمن في البنية الاقتصادية.‏

2 ـ الفساد السياسي الذي تمارسه النخب الحاكمة.‏

3 ـ هروب رأس المال المحلي إلى الخارج.‏

4 ـ الإنفاق الباهظ على مشتريات الأسلحة وتأسيس جيوش لا لزوم لها.‏

إلا أننا نقول، مع قناعتنا بوجاهة هذه العوامل والذرائع التي تحاول الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة تبرير فشل التنمية في دول العالم الثالث بسببها، إلا أننا نرى أن السبب الرئيسي في هذا الفشل يعود إلى طبيعة النموذج المفروض للتنمية وعلى البضائع والتوصيات المقدمة من الدول الصناعية والمؤسسات الدولية، والأسباب التي يروج لها ما هي إلا نتائج لتطبيق نموذج التنمية المفروض وجوهره (توافق واشنطن) وما (بعد توافق واشنطن) ولعل (كارثة) ما يدعى النمو الآسيوية، خير شاهد على ذلك، فقد حققت دول جنوب شرق آسيا وهي تايوان وكوريا وماليزيا وأندونيسيا، نجاحاً بدا، لفترة من الزمن، باهراً لفت أنظار العالم، وبدأت العديد من الدول النامية تتطلع إلى اقتداء أثرها. لكن هذا النجاح الباهر لم يستمر طويلاً، وإذ تمخض بين عشية وضحاها عن انهيار مفاجئ في عام 1997، وقاد إلى كارثة نسفت أسطورة النمور الآسيوية. فما الذي حدث؟ الذي حدث يمكن وصفه باختصار في الفقرات التالية:‏

1 ـ انسحاب هائل لرؤوس الأموال (لأن شروط الاستثمار كانت تسمح بحرية حركة الأموال ضمن السياسة المالية والنقدية المرسومة من قبل الصندوق والبنك الدوليين).‏

2 ـ هبوط مفاجئ في العملات وأسعار البورصات (من خلال عمليات المضاربة التي كانت تسمح بها الأسواق المالية).‏

3 ـ تحولت رؤوس الأموال الهاربة إلى الدول الصناعية الكبرى، ونجم عن ذلك تدعيم اقتصادات تلك الدول في مقابل إضعاف اقتصادات (النمور).‏

4 ـ اضطرت دول النمور الآسيوية إلى العودة إلى صندوق النقد الدولي بحثاً عن قروض ضخمة جديدة، فأصر على اتخاذ المزيد من إجراءات حرية السوق، وخصخصة شركات القطاع العام وإعادة هيكلية الاقتصاد بالتمسك ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والتثبيت الهيكلي المقرر.‏

5 ـ عاد رأس المال الهارب من جديد، ولكن ليس للاستثمار، بل لشراء المؤسسات الصناعية المعروضة للبيع بأبخس الأثمان.‏

إن هذا النزيف الهائل والمفاجئ للثروات، قضى تماماً على أهم مرتكزات السياسة الاقتصادية اللبيرالية الجديدة وأسقط أهم حججها التي تتمحور حول:‏

1 ـ إن حرية التجارة تحقق المساواة بين الدول وتجلب الازدهار إلى الدول الفقيرة.‏

2 ـ إن حرية حركة الأموال يمكن أن تقود إلى جذب رؤوس الأموال للاستثمار في المشروعات المنتجة.‏

ثانياً ـ خيار التنمية الاشتراكية:‏

كانت الاشتراكية، قبل ماركس، يغلب عليها الطابع الفلسفي ـ الأخلاقي، ثم جاء ماركس ليقيم نظريته على قواعد النقد الجذري للرأسمالية، وزود الفكر الاشتراكي بنظرية اقتصادية مطورة، ووضع الاشتراكية في إطار التفسير الشامل للتاريخ.‏

وتقوم النظرية الاقتصادية للاشتراكية على فكرة أساسية هي أنها لو تركت الرأسمالية لآلياتها الخاصة، فإنها ستكون اقتصادياً غير فعالة، وغير قادرة على إعادة إنتاج ذاتها على المدى الطويل. لهذا لابد من تجاوز الرأسمالية. إن إعادة إنتاج النظام الاقتصادي في ظل الرأسمالية. لا يميل إطلاقاً نحو تحقيق توازن عام ما، بل ينتقل من لا توازن إلى لا توازن آخر في صورة غير متوقعة، فالرأسمالية هي مرادف لعدم الاستقرار الدائم، بسبب تنافس الرساميل الذي يلغي احتمال إقامة توازن عام.‏

وقد سعت الاشتراكية (بأطيافها المختلفة) إلى مواجهة قيود الرأسمالية حتى يمكن ملاءمتها لتصبح إنسانية، أو للتخلص منها كلية.‏

وبالنسبة للماركسية ينظر إلى الاشتراكية من خلال قدرتها على توليد مجتمع يستطيع أن يخلق قدراً أعظم من الثروة أكثر من الرأسمالية وتوزيع الثروة بطريقة أكثر مراعاة للمساواة.‏

وقد تبلور التوجه الاشتراكي في دور "النموذج السوفياتي" بسيطرة الدولة على نحو كامل على وسائل الإنتاج. والملكية الاجتماعية، والتخطيط المركزي الشام الذي تناول جميع قضايا الاستثمار والإنتاج والتسويق والخدمات الاجتماعية المختلفة، واستطاع الاتحاد السوفياتي من خلال هذا النموذج بناء قاعدة إنتاجية وعسكرية هامة وضعته في مواجهة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، في أتون الحرب الباردة وسباق التسلح، والمنافسة الاقتصادية الدولية، وفي الستينات من القرن الماضي نظر إليه على أن بإمكانه تحقيق تفوق اقتصادي على الولايات المتحدة في غضون ثلاثين سنة قادمة.‏

لكن ما حصل بعد ذلك، ومنذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، بدأ اقتصاد الاتحاد السوفياتي يتخلف على نحو خطير، بدلاً من أن يحقق التفوق على اقتصاد الولايات المتحدة.‏

لقد وقع الاتحاد السوفياتي أسيراً للجمود الفكري، ودبت بأرجائه بوادر الخمود والتكاسل وانسداد المبادرات الفردية والفساد والبيروقراطية والتآكل، إلى أن انهار نهائياً في بداية التسعينات، تحت وطأة أزمة اقتصادية ـ اجتماعية ـ سياسية حادة، انتهت بتفككه، ليعلن بعد ذلك فشل نموذجه الاشتراكي، ذلك الفشل الذي اعتمد عليه الليبراليون الاقتصاديون الجدد ليعلنوا انتصار النموذج الرأسمالي اقتصادياً وانتصاراً للولايات المتحدة، كزعيمة للرأسمالية ـ سياسياً واقتصادياً، فضلاً عن قوتها العسكرية.‏

حاولت بعض البلدان النامية، ومنها سورية، الاسترشاد بالنموذج السوفياتي، إلا أنها، ولأسباب عديدة مختلفة، لم تستطع أن تتبنى نموذجاً مشابهاً للنموذج السوفياتي، كما أنها لم تستطع أن تحقق التنمية المنشودة. وعلى أي حال فإن إخفاقها في تحقيق التنمية كان سابقاً لانهيار الاتحاد السوفياتي، إلا أن هذا الانهيار، أحدث تأثيراً سليباً على (التوجهات الاشتراكية) التي كانت ترفع شعاراتها كأهداف، كما شجع دعاة الليبرالية الاقتصادية على الاندفاع في تفسير إخفاق التنمية بأنه بسبب التوجهات الاشتراكية وتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي والاجتماعي.‏

ثالثاً ـ الخيار الثالث الطريق الثالث:‏

ظهر (الطريق الثالث) كمصطلح عندما صاغه مجموعة من مستشاري الرئيس الأمريكي كلينتون عام 1992، كمحاولة لإنهاء الحقبة الريغانية التي تمثل الليبرالية الاقتصادية الجديدة جوهرها، وقدم البرنامج الجديد على أنه "طريق ثالث بين أولئك الذين يدعون أن الحكومة هي العدو، وأولئك الذين يرون أن الحكومة هي الإجابة".‏

وقد التقى طرح (كلينتون) مع ما طرحه (بلير) رئيس الوزراء البريطاني، عندما تبنى نظرية الطريق الثالث التي نصحه بها صديقه المنظر الاقتصادي (أنتوني جيدنز) الذي طالب باقتصاد مختلط جديد. ليميزه عن الاقتصاد المختلط المعروف الذي كانت الأسواق فيه تحت سيطرة الدولة. أما الجديد فيعمل على التوفيق بين القطاعين العام والخاص، باستخدام ديناميكية السوق، ولكن مع مراعاة الصالح العام.‏

ويمكن أن نستخلص (الطريق الثالث) لدى منظري كل من كلينتون وبلير وسياساتهما بما يلي:‏

1 ـ التسليم بالرأسمالية والأسواق كأساس للمجتمع.‏

2 ـ الجمع بين الاستقرار الاجتماعي والديناميكية الاقتصادية، والتركيز على التعليم وتجنب الضرائب المرتفعة، وعدم المغالاة في قوة النقابات والبيروقراطية.‏

3 ـ اعتبار كل إنسان نفسه، على أنه (منظم) مسؤول عن مصيره في عالم الأسواق، وأن مخاطر سوق العمل، تقع عليه.‏

4 ـ يستتبع هذا تغييراً هيكلياً تتحول بموجبه معونات الدولة الاجتماعية إلى دعم للقدرة على التوظيف ومساعدة الأفراد على الحصول على مؤهلات العمل.‏

5 ـ تقع على الأفراد مسؤولية الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يعني التحول في دور الحكومة من توفير للتوظيف أو الضمان الاجتماعي إلى تقديم المساعدة، ونقل مخاطر سوق العمل إلى الفرد، وهذا عكس ما كانت تقوم به الديموقراطية الاجتماعية التقليدية. كما أن هذا يعني أن الفرد في المجتمع يُمنح (الفرصة) من أجل الانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية على نحو ما، بدلاً من (الحق) الذي يجب أن يتمتع به في ظل نظام العدالة الاجتماعية والتوظيف.‏

6 ـ المشاركة بين الحكومة والأعمال والمجتمع المدني، وهي تعني أن ما يمكن القيام به، يتم التوصل إليه بالتفاوض بدلاً من استخدام سلطة الدولة.‏

وإذ يُعلن المنظر البريطاني للطريق الثالث (جيدنز) موت الاشتراكية، كنظرية اقتصادية، فإن أحد الخطوط الرئيسية للتقسيم بين اليسار واليمين قد اختفى، على الأقل في المستقبل المنظور. كما أنه يرى أنه لم يعد هنا بدائل للرأسمالية، وأن المناقشات الدائرة تتعلق بـ: "إلى أي مدى، وبأي الطرق ينبغي أن نسيطر على الرأسمالية وننظمها" لذا فهو يدعو إلى أخذ فكرة "الوسط النشط" أو "الوسط التقدمي" على نحو جدي. ويطالب بتجديد الديموقراطية الاجتماعية. وأن ذلك يمثل "يسار الوسط" لأن العدالة الاجتماعية وسياسات الانعتاق تظلان في صلبها.‏

وانطلاقاً من الاهتمام المركزي بالعدالة الاجتماعية، فإن الطريق الثالث يركز على المشاركة الجماعية الاجتماعية الأوسع، ويقترح أن يكون شعار السياسة الجديدة.‏

أولاً ـ "لا حقوق دون مسؤوليات".‏

ثانياً ـ "لا سلطة دون ديموقراطية".‏

أما القضايا الأخرى لسياسات الطريق الثالث فهي تشمل استجابات العولمة، والتغير العلمي والتكنولوجي، والعلاقة مع العالم الطبيعي.‏

لقد جاء الطريق الثلاث محصلة لحوارات المفكرين والسياسيين في أوروبا والولايات المتحدة، كرد فعل على انهيار الاتحاد السوفياتي، وفشل تطبيق الجامد للماركسية (خاصة ما يتعلق بالتخطيط المركزي وهيمنة الدولة على الحياة الاقتصادية بأكملها والديموقراطية) وكذلك كرد فعل على فشل اقتصاد حرية السوق، بعد أن تبين أن إطلاق الرأسمالية بلا حدود من شأنه أن يقود إلى كوارث في المجتمع الذي تسيطر عليه، إلى جانب ما تخلفه الرأسمالية المتوحشة من اضطرابات وفوضى على الصعيد العالمي. من هنا جاءت الدعوة إلى الطرق الثالث في الغرب للتعبير عن روح العصر، وعن الخبرة التاريخية التي اكتسبها المجتمعات الصناعية المتقدمة خلال القرن العشرين، فهي إذ لا تستطيع أن تتخلى عن الرأسمالية، فإنها تريد أيضاً لها البقاء والاستمرار، وبما يكفل لها ذلك هو تطعيمها ببعض الأبعاد الاجتماعية. فالطريق الثالث، لا يتراجع عن اقتصاد السوق الحرة، ولكنه لا يريد للرأسمالية أن تتمادى في ممارساتها إلى الحد الذي يوصل الإنسانية إلى الدمار.‏

إن "الطريق الثالث" يأتي استجابة لمقتضيات التطور في الدول الصناعية الرأسمالية، وانسجاماً مع الهيكلية والاجتماعية في تلك الدول، كما أنه يأتي تطوراً هادئاً ليتلاءم مع التطورات والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، بما ينسجم مع متطلبات هذه التطورات والمتغيرات.‏

رابعاً ـ الخيار المقترح: أبعد من الطريق الثالث ـ الخيار الرابع:‏

ينطلق خيارنا المقترح من الافتراضات التالية:‏

1 ـ إن المسألة في بلد كسورية، شأنها شأن بلدان العالم الثالث التي فشلت في تحقيق التنمية، وفقاً للمفاهيم والممارسات التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عن المسألة هي مسألة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، وليست مسألة نمو، فهي تتجاوز (اقتصاد التنمية) إلى مفهوم أوسع يتصل بدعم الاقتصاد السياسي للتنمية. الذي يتصل بدوره بالمشروع النهضوي الشامل للمجتمع.‏

2 ـ من خلال هذا المفهوم، لا يمكن التعويل على قوى السوق وآلياته في تحقيق ذلك الهدف.‏

3 ـ إن الطريق الاشتراكي، وفق النموذج السوفياتي، الذي يقوم على الملكية العامة واحتكار الدولة للعمل الاقتصادي والتخطيط المركزي، قد فشل تحت وطأة الجمود الفكري والبيروقراطية والفساد.‏

4 ـ إن الطريق الثالث، وفقاً لما تبنته الاشتراكية الديموقراطية العالمية في أوروبا والولايات المتحدة، ما هو سوى تكريس للرأسمالية، وينطلق من قاعدة المرحلة التي بلغتها الرأسمالية العالمية في تطورها المعاصر نحو العولمة، وهذا الطريق غير معني بمسألة التنمية، بل يسعى إلى تسليم عملية التطور الاقتصادي إلى القوى التي أطلقتها قوى العولمة.‏

لذا فإن رسم ملامح الطريق إلى التنمية الحقيقية في سورية، وغيرها من بلدان العالم الثالث، يجب أن ينطلق من أمرين:‏

الأول: التحرر من القيود الرأسمالية العالمية، لأن منافعها تعود إلى الطرف الأقوى على حساب الطرف الضعيف، فتزيد القوي قوة، والغني غنى، وتزيد الضعيف ضعفاً، والفقير فقراً. ويصح ذلك على العلاقات داخل الدولة، وفي العلاقات الدولية.‏

والثاني: الانطلاق من مفهوم الاعتماد على النفس، وإعادة الاعتبار إليه، وإعادته إلى النسق المجتمعي بدلاً من النطاق الفردي، دون الانعزال، ودون الوقوع في فخ التبعية.‏

من هذا المنطلق، فإن التنمية كما نراها، هي عملية تحرر إنساني تشمل تحرر الفرد من الفقر والجهل والقهر والاستغلال، كما تشمل تحرير المجتمع من ذل الاعتماد على الخارج، وتخليصه من قيود التبعية، بما تحمله من الاستغلال وتقييد للحرية والإرادة الوطنية، ومن هشاشة أمام الصعوبات الخارجية.‏

ومن هنا نجد، أن البشر هم هدف التنمية ووسيلتها، لذا لابد من أن تهتم التنمية بإشباع الحاجات الإنسانية للسكان، وإشراكهم في اتخاذ القرارات المؤثرة في حياتهم وحياة أجيالهم المقبلة، من خلال الحفاظ على التنمية واحترام توازناتها، وتطوير قاعدة الموارد الطبيعية، وبذلك تكون التنمية مستمرة ومتواصلة وتتوافر بذلك إعادة البناء والتجديد الذاتي.. بمعنى السعي إلى تلبية حاجات الحاضر بدون الإضرار بالقدرة على تلبية حاجات الأجيال القادمة.‏

إن أهداف التنمية على هذا النحو تتطلب إجراء تغييرات جوهرية في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع، وهذه التغيرات من الواضح أنها لن تتحقق بفعل آليات وقوى السوق التلقائية، فهي لن تكون إلا نتاج فعل إرادي وتخطيط محكم.‏

وبهذا المعنى، فإن على الدولة أن تتدخل من خلال سياسات حكمية وخطط رشيدة لتحقيق هذه الأهداف. التي سيقف دونها مصالح قوى عاتية (داخلية وخارجية) تحاول أن تسد عليها الطريق وتمنع تقدمها نحو تحقيق هذه الأهداف. لذا فإن مدى النجاح في تحقيقها يتوقف على مدى الإسهام من قبل جميع قوى الجميع في الجهد التنموي.‏

ويتطلب هذا الخيار عدداً من العوامل المساعدة لنجاحه ولعل أهمها:‏

1 ـ إعادة الاعتبار لوظيفة التخطيط، واستخدامها على نحو علمي وعملي.‏

2 ـ الأخذ بنظر الاعتبار التطوير الحاصل في مجال التكنولوجيا والاتصالات والمعلوماتية. في إطار إقامة مجتمع المعرفة.‏

3 ـ النظر إلى أساليب الإدارة وأدواتها نظرة عصرية، توصلاً إلى إقامة الأسس الصحيحة للحكم الرشيد الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان، والذي يقوم على آليات العمل من خلال المؤسسات التي يعبر من خلالها المواطن والمجموعات من مصالحهم، ويمارسون حقوقهم القانونية، ويوفون بالتزاماتهم، ويحلون خلافاتهم من خلال سلامة إجراءات القانون والمقاضاة. ولهذا فإن الحكم الرشيد المطلوب هو الذي يتسم بالمشاركة والشفافية والمساءلة والمحاسبة. ويكون فعالاً وعادلاً ويعزز سيادة القانون. ويكفل وضع الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أساس توافق آراء واسع النطاق في مجتمع تسمع فيه أصوات أكثر الفئات ضعفاً وفقراً ويكون لها دور في صنع القرارات المتعلقة بتوزيع موارد التنمية وفي رسم مستقبلهم.‏

وعلى هذا فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي ندعو إليها، في ظل التطورات والتغيرات الحاصلة على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي، لها أبعاد ثلاثة:‏

البعد الأول ـ داخلي:‏

يستهدف إقامة مجتمع ديموقراطي عادل يضمن أوسع مشاركة شعبية، من خلال العمل المؤسساتي، في إدارة شؤون المجتمع بما يعني إتاحة الفرصة لجميع المواطنين من الإسهام في بناء المجتمع والتعبير عن مصالحهم. ويتطلب ذلك:‏

1 ـ سياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي متنام، وتوزيع عادل للدخول والثروات.‏

2 ـ المزاوجة ما بين آليات السوق والتخطيط مما يفترض تحديد أوضح لدور الدولة، ليس بهدف تقليص هذا الدور أو زيادته، إنما بهدف تفعيله.‏

3 ـ ما دام البشر هم محور التنمية، فلا بد أن تشمل برامج التنمية، تأمين مستقبل أفضل لهؤلاء البشر، ويأتي هدف مكافحة الفقر أو التخفيف من حدته، والقضاء على الفروق في توزيع الدخل والثروة، وعلى البطالة والجهل في مقدمة أهداف التنمية.‏

4 ـ إن النظر إلى التنمية من منظور التنمية الإنسانية، يعني أساساً توسيع الخيارات الإنسانية، وتنطوي هذه العملية على:‏

أ ـ تكوين وتعزيز قدرات الإنسان من خلال تنمية الموارد البشرية:‏

الصحة والتغذية الجيدتين والتعليم بما فيه اكتساب المهارات.‏

ب ـ توفير فرص استخدام هذه القدرات.‏

ج ـ التشديد على تعزيز القدرات الإنسانية التي تعكس حرية الناس في تحقيق مختلف الأغراض التي يرون أنها تعزز من قدراتهم ومشاركتهم في صنع مستقبلهم.‏

د ـ التنمية حق من حقوق الإنسان، والتنمية وحقوق الإنسان يدعم كل منها الآخر. فالتنمية إذ تحسن قدرات البشر، فإنها تخلق لديهم القدرة على ممارسة الحرية، كما أن حقوق الإنسان، ومنها الحق في التنمية، بتوفيرها الهياكل الضرورية، فإنها تخلق الفرص لممارسة جريئة للحرية، والحرية بدورها هي الضامن وهي الهدف للتنمية.‏

هـ ـ تتضمن عملية توسيع الخيارات الإنسانية، اكتساب المعرفة، واكتساب المعرفة له قيمة في حد ذاته، وهو أيضاً وسيلة مهمة لبناء قدرة الإنسان، وقد أصبحت المعرفة أحد العناصر الرئيسية للإنتاج، كما أنها المحور الرئيسي للإنتاجية ورأس المال البشري. فهناك تكامل مهم بين اكتساب المعرفة والقوة الإنتاجية للمجتمع. بينما قلة المعرفة وجمودها، يعني الركود وتضاؤل فرص التنمية. وقد أصبحت فجوة المعرفة، وليس فجوة الدخل، هي المحور الرئيسي لقدرات الدول في عالمنا المعاصر.‏

وتكتسب المعرفة بالتعليم والتدريب والخبرة العملية إلى جانب البحث العلمي وتوطين التكنولوجيا وإنتاجها.‏

ويتضمن هذا الهدف محو الأمية والقضاء على الجهل، والارتقاء بالبحث العلمي، وإعادة هيكلية قطاع التربية والتعليم، والاهتمام ببرامجه والانتقال من التعليم بالتلقيم إلى التعليم المنفتح والحواري الذي يساعد على بناء شخصية الطالب، وينمي لديه روح البحث العلمي وطلب المعرفة.‏

قد يساعد القطاع الخاص في قطاع التربية والتعليم، لكن المهمة الأساسية في ذلك تقع على الدولة، لذا لابد من إعادة الاعتبار لدور الدولة في هذا المجال الحيوي من أجل بناء مجتمع المعرفة.‏

ولابد من إيلاء جهد خاص لصحة المواطن، وتقديم خدمة أفضل في هذا المجال، وهنا أيضاً لابد من التأكيد على دور الدولة، وإعادة الاعتبار لهذا الدور، مع إعطاء القطاع الخاص دوراً في ذلك يتناسب مع إمكاناته وقدراته على الإسهام في هذه الخدمة.‏

البعد الثاني ـ البعد القومي للتنمية:‏

ثمة حقيقة يجب أن لا تغيب عن أية خطة تنموية في أي بلد عربي، ألا وهي أن خطة جدية للتنمية القطرية، يجب أن يكون لها بعد قومي، لقد كان العمل الاقتصادي المشترك يطلق كشعار سياسي للأنظمة العربية، ولقد كان حلماً يراود المواطن العربي، إلا أنه أصبح الآن ضرورة، ذلك أن أي بلد عربي لا يستطيع بمفرده، على نحو كاف، أن يحقق تقدماً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً مبنياً على تنوع مصادر الدخل، واكتساب القدرات التنافسية في حقول الصناعة والمعرفة المتراكمة. كما أن البلدان العربية مجتمعة تستطيع أن تجني فوائد حجم ونطاق وتنوع اقتصاداتها، وإن تيسير فرص الاستثمار، وإن عمل العرب مجتمعين، فإن ذلك سيمكنهم من مواجهة العديد من التحديات قد لا يستطيع أي بلد عربي بمفرده أن يواجهها.‏

والعمل العربي المشترك ضرورة الآن لإظهار العرب كتلة اقتصادية واحدة معتبرة، تستطيع أن تفاوض الكتل الاقتصادية الأخرى وتقف إلى جانبها على مستوى النّديّة والمساواة، فضلاً عن أن هناك العديد من القضايا التي يعجز أي بلد عربي عن مواجهتها لوحده، ونخص بالذكر قضايا نقل التكنولوجيا وتوطينها، والاتصالات، وقضايا البيئة ومشكلة المياه والطاقة وغير ذلك.‏

البعد الثالث ـ العولمة الاقتصادية والتنمية:‏

إن فهمنا لعلاقة التنمية بالعولمة الاقتصادية. ينطلق أساساً من مفهوم التنمية، الذي هو بالأساس مفهوم نقدي للرأسمالية القائمة، وللعلاقات الاقتصادية الدولية الجائرة القائمة، والتي تريد الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، استمرارها، كونها قائمة أصلاً لتحقيق مصالح تلك الدول، والإضرار بمصالح بلدان وشعوب العالم الثالث والرابع. لذا فإن هدف بناء نظام وطني متمركز على الذات، يعتبر هدفاً محورياً، وإن استراتيجية تحقيقه تفرض فك الارتباط، وليس الالتحاق أو الاندماج بالاقتصاد العالمي المعولم.‏

إلا أن هذا لا يعني بحال من الأحوال، العزلة عن العالم، بل يعني بالوضوح كله إخضاع العلاقات مع الخارج لمقتضيات البناء الداخلي وليس العكس.‏

والمعرفة جيداً، أن التغيرات في الاقتصاد العالمي، ومعدل تكرارها، تتزايد مع تزايد انفتاح الاقتصادات الوطنية على بعضها، وتزايد حركية عوامل الإنتاج في ظل العولمة. فكلما كان الاقتصاد معرضاَ لتقلبات في المتغيرات الخارجية، التي لا سلطان لمتخذ القرار الوطني عليها، وكلما كانت القوة التي تتمتع بها هذه المتغيرات في التأثير في المتغيرات الداخلي في الاقتصاد الوطني كبيرة، قل احتمال تحقيق أهداف التنمية الوطنية.‏

والمسألة هنا تتعلق بازدياد درجة الشك من جراء انكشاف الاقتصاد الوطني. كما يتعلق بتبعية الاقتصاد أو هشاشته وحساسيته للتغيرات القادمة من الخارج. كما أنه يتعلق بما يتخذ من إجراءات احتياطية أو احترازية أو قانونية لمواجهة الصدمات، كما أنها قد تشكل أداة لتوفير قدر من الحماية الفردية للصناعات الناشئة، أو المتعثرة، والمراد إعادة تأصيلها. لتمكينها من مواجهة المنافسة الخارجية.‏

وعندما نؤكد على استقلالية عملية التنمية، فهذا لا عيني الاستغناء عن التجارة الخارجية، ولا منع رأس المال الأجنبي من الاستثمار في الداخل، أو الانفتاح على العالم الخارجي. إن هذا المفهوم لاستقلالية التنمية أمر مرفوض لذا لابد من توضيح المقصود بتعبير "التنمية المستقلة" فهي إذ تسعى إلى تحقيق التنمية بالاعتماد على الذات، فإنها تسعى لأن يكون انفتاحها لصالح عملية التنمية. الأمر الذي يمكن تحققه عندما تخدم عملية الانفتاح متطلبات وحاجات الاقتصاد الوطني، وليس أهداف ومصالح الأطراف الخارجية.‏

ففي مجال الثقافة مثلاً، يجب الانفتاح على العالم والفكر والفن الرفيع، والانغلاق ما أمكن على الابتذال والصراعات الغربية، وقيم السوق، فالانفتاح الثقافي يجب أن يكون قائماً على الانفتاح على الثقافة الحديثة بالحوار، ونقل وتوطين الإنساني منها، وإشاعة أجواء الإبداع والابتكار بين المواطنين. وعدم استيراد نماذج منحلة من الثقافة الأجنبية لا تحوي أي قيمة ثقافية أو فنية والتي تتصف بالابتذال والسطحية.‏

وفي المجال الاقتصادي، يجب التخفيف من الاندماج بالاقتصاد العالمي وتالياً التخفيف من هذه التبعية له.‏

إننا لا نستطيع تجاهل ما يجري في العالم، كما لا يمكن الانكفاء والانعزال عنه، إلاَّ أن الاندفاع على طريق العولمة، والاندماج في السوق الرأسمالي المعولم، يقود إلى كوارث اقتصادية لا يستطيع اقتصادنا تحملها. والخيار المقبول هنا هو التعامل مع واقع العلاقات الاقتصادية الدولية التي أفرزتها العولمة، دون أن نضطر إلى الوقوع في شراكها.‏

عن المنافسة غير المتكافئة، التي ستتولد من الاندماج بالاقتصاد العامي، ستجر الصناعات الوطنية إلى كارثة محققة، وستؤدي إلى البطالة، وما يمكن دعوته بالتصنيع العكسي أو نفي التصنيع، كما أن التبعية الاقتصادية التي ستزداد حدتها ستؤدي إلى تغليب مصالح الخارج على المصالح الوطنية. كما ستؤدي إلى فقدان الحصانة تجاه أزمات واضطرابات الاقتصاد العالمي. إضافة إلى ما ستؤدي إليه العولمة غير المنضبطة من تفاوتات صارخة في توزيع الدخل وفساد إداري وأخلاقي سيوقعنا في شراك التفكك الاجتماعي الذي سيزداد خطورة مع الترويج لثقافة السوق والاستهلاك.‏

إننا بحاجة إلى "بوصلة وطنية" شديدة الحساسية لدى الإدارة الاقتصادية من أجل امتلاك معايير دقيقة توجه عملية التعامل مع العولمة وتحدياتها، الأمر الذي يستلزم على نحو خاص مايلي:‏

1 ـ توفير الحد الأدنى من قوى الدفع الذاتي في التنمية، وكذلك تأمين قدر كبير من الاعتماد الجماعي على الذات في الإطار العربي الإقليمي وفي إطار التعاون مع الدول النامية الأخرى.‏

2 ـ تنمية القدرة على مقاومة الصدمات الخارجية.‏

3 ـ تركيز الجهود للارتقاء في جودة الصناعات الوطنية وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية والعمل على تنويع الصادرات.‏

4 ـ تطوير القدرات التكنولوجية الذاتية.‏

5 ـ العمل على توفير المناخ الاستثماري الصحي والسليم. لتمكين رأس المال الوطني على المساهمة في التنمية. وجذب رأس المال العربي والأجنبي للاستثمار في المجالات المنتجة التي تخدم عملية التنمية.‏

كبريـ انثى ـاء
11 Jul 2009, 12:27 AM
الله يعطيك ألف عافية

سلمت أناملك وبارك الله فيك

راجية عفو ربها
02 Oct 2010, 04:51 PM
مشكووووووووووووووووووووووور والله يعطيك العاااااافية

محمد المفلح
03 Jan 2012, 09:56 PM
ممتاز جزيت خيرا على الفائدة تحياتي

محمد المفلح
03 Jan 2012, 09:58 PM
تحياتي موضوع رائع و السلام عليكم و رحمة الله

محمد المفلح
03 Jan 2012, 09:59 PM
تحياتي و شكرا و الله يعطيك العافية