المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أخطائنا التاريخية (من بويع قبل الاحتلام في تاريخ الإسلام)



كبريـ انثى ـاء
11 Oct 2009, 07:41 AM
من أخطائنا التاريخية

(من بويع قبل الاحتلام في تاريخ الإسلام)

أ. د. عبد الحليم عويس(*)

لجينيات - كان الأديب الوزير لسان الدين بن الخطيب من أعظم مؤرخي عصره وأدبائه، لكن قَدَرَه الذي كتبه الله عليه أن يظهر الرجل ويلمع في عصر صديقه عبد الرحمن بن خلدون المتوفَّى سنة 808 هـ، وكأنهما كانا مدرسة واحدة؛ فكلاهما عشق التاريخ والأدب والفكر، وكلاهما ركب موجة السباق إلى المناصب الكبرى في تلك الدويلات الطائفية الهزيلة التي حكمت بلاد المغرب العربي (الشمال الإفريقي) في وقت كان الإسلام في الأندلس (إسبانيا) قد حوصر في آخر القلاع الباقية بعد أن سقطت مدن الأندلس في يد الصليبيين من حكام (قشتالة وأرجون) بمساعدة أوروبا الصليبية، فلم تبق إلا مدينة غرناطة ووادي آش.

كانت غرناطة هي آخر ما بقي من إسبانيا الإسلامية التي كانت تمتد من جبل طارق وجزيرة طريف جنوباً مجاورة للمغرب الأقصى (المملكة المغربية)، وتنتهي عند جبال البرانس (البرتات) متوغلة أحياناً في بلاد الغال (فرنسا) في الشمال.

ومع هذا الانكسار والانحسار في جزيرة الأندلس الإسلامية لم يعتبر أشقاؤها ومجاوروها في الشمال الإفريقي، فاشتدَّ التطاحن بين دويلاته الطائفية التي ورثت دولة الموحدين الكبرى (بعد هزيمتها أمام النصارى في موقعة العقاب 609هـ) وهي التي كانت تحكم المغرب والأندلس معاً، ومن ثم تأجج الصراع بين من خلفوها وخانوها، وهم بنو مرين في المغرب الأقصى، وبنو حفص في تونس، وبين زيان (عبد الواد) في الجزائر، والتي كانت بدورها تعاني أمراض الغروب.

وهناك مملكة غرناطة المتداعية في الأندلس.

وفي هذه الممالك الثلاث في المغرب بالإضافة إلى غرناطة الأندلس راح صاحبنا الطموح المؤرخ الأديب الوزير لسان الدين بن الخطيب (معاصر ابن خلدون وصديقه) يركب موجة التنافس بين هذه القوى، ويتقلب بين الوزارة هنا والحجابة هناك، دون أن يستوعب المسكين درس التاريخ (مع أنه مؤرخ، فقد علمنا التاريخ أن هذا اللون من الجري اللاهث وراء المناصب البراقة عاقبته وخيمة، فكل حاكم يريد ممن يختارهم ويمكنهم من المناصب والأموال أن يكونوا (ملك يمينه) و (ألا يشركوا به أحداً) وأن يكونوا دائماً معه وفي خندقه؛ سواء كان على الحق أو على الباطل، والويل لهم إن فكروا في الذهاب إلى خصومه.

إن الخبير الواعي يَدْرُسُ التاريخ ويتعلم منه، ومن ثم فإن عليه عندما يرى نُذُر الخطر تقترب منه في بلاط سيده ووليِّ نعمته أن يتنحَّى عن المناصب بالجملة، زاهداً فيها، ملتمساً أيَّ عذر، شاقاً طريقاً جديداً لنفسه، لا سيما إذا كان يملك مهارات فكرية عالية مثل ابن الخطيب وابن خلدون.

لكن ابن الخطيب فشل في استيعاب هذه الرؤية، بينما استوعبها أفضل استيعاب من بعده صديقه (ابن خلدون)، ولعلَّ ابن خلدون استوعبها - أكثر - بعد استفادته من درس ابن الخطيب القاسي عندما دفع ابن الخطيب ثمناً فادحاً لعدم استفادته من درس التاريخ في التعامل مع الحكام ونيرانهم التي قد تشعرك بالدفء أحياناً، لكنها لا تلبث أن تحرقك!

فعندما اقترب الخطر من (ابن خلدون) سارع إلى هجر المناصب، لاجئاً إلى (قلعة بني سلامة) في الجزائر، زاهداً في السياسة، معتكفاً للبحث والإبداع، فنجح في كتابة (مقدمة ابن خلدون) التي أصبحت ملء السمع والبصر، وترجمت إلى معظم لغات العالم، وقدَّمت للبشرية وللعقل الإنساني عِلمين جديدين لم يُسبق إليهما ابن خلدون، وهما: علم الاجتماع (العمران) وعلم (فلسفة التاريخ).

والمهم أن (ابن خلدون) عرف كيف يسبح في محيط فتن عصر الطوائف الذي يشبه عصرنا، وعرف كيف يهبط من فوق مسرح الأحداث - في اللحظة الضرورية - قبل أن يُنزله أحد، أو يتمكن من رقبته أحد، في عصر كعصرنا كانت الدماء الإسلامية فيه رخيصة، وكان الموت - بأسوأ الطرق - أقرب إلى الإنسان من شراك نَعله، ربَّما لمجرد شبهات ووشايات ولأتفه الأسباب!

وبينما نجح ابن خلدون وترك بلاد المغرب كلها - بعــد ذلك - ولجأ إلى مصر في عصرها المملوكي العظيم؛ حيث وجد الكرامة والعزّة والمنصب الديني الرفيع في حدود السعادة البشرية التي لا تخلو - عادة - من المنغصات؛ بينما نجح ابن خلدون هذا النجاح وأتمَّ موسوعته التاريخية العظيمة المسماة: (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر، ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر) بأجزائها الكثيرة؛ إذا بنا نجد صاحبنا (ابن الخطيب) على الطرف الآخر يعالجُ أزمته بطريقة مختلفة تماماً لا تليق بثقافته، فلقد هرب من قضاء الله إلى قضاء الله، فخرج هارباً من سلطان غرناطة بالأندلس محمد الخامس، إلى سلطان الدولة المرينيَّة أبي فارس عبد العزيز بتلمسان الجزائرية، وكان طبيعياً أن يحسن السلطان استقباله، ويقبل حمايته له، ويرفض - من ثم - المحاولات الدبلوماسية التي جرت لتسليمه إلى سلطان غرناطة.

وقد ظن ابن الخطيب أن الأمور قد صَفَت له، لكنه فوجئ بموت السلطان أبي فارس، وتولِّي ابنه (أبي زيَّان محمد السعيد) للأمور بعده، وهو فتى صغير في الرابعة عشرة من عمره، فاجتهد ابن الخطيب في كسب ودّ الوصي عليه وهو الوزير أبو بكر بن غازي، فتعهد له بالحماية والكفاية والأمان باسمه، وباسم مليكه الصغير.

لكن الريح جاءت بما لا تشتهي السفن، فوقع انقلاب خلع الأمير والوصي بقيادة أبي العباس المستنصر سنة (776هـ) الذي كان حريصاً على علاقته بغرناطة، وكان يرى أنه لتدعيم هذه العلاقة عليه أن يبدأ عهده بالتضحية بوزيرهم الهارب اللاجئ (ابن الخطيب) فسرعان ما أمر بسجنه بفاس ثم كلَّفَ من قام بخنقه حتى الموت في إحدى الليالي!

وهكذا اتضح الفرق بين المنهجين: منهج الزهد في المناصب عندما يصبح المناخ فاسداً لا يحقق الأمن، ومنهج الإصرار على البقاء في حمى الأمراء والملوك حتى لو كان المناخ فاسداً، ونذر العواصف تبدو قوية وواضحة.

وكانت نتيجة المنهجين - كما رأينا - درساً يجب الاستفادة منه؛ ليس للمتكالبين على الوزارة وحدهم، ولكن للمتكالبين على الحكم أيضاً.

فكم رأينا من حاكم وصل ظلمه إلى كل بيت، وعمَّ الفساد بسببه - وبسبب بطانته - كل أركان الحياة، فلم ينج منه الفرد، ولا الأسرة، ولا المجتمع، ولا الديــن، ولا أهــل الـدين ولا العلم ولا مؤسساته أو أهله، ولا الاقتصاد، ولا الفكر والثقافة. لقد عمَّ ظلمه وطمََّ وأصبحت الأرض كلها تشكو إلى الله فساده، وتبتهل إلى ربها أن يعطيها الإذن لتخسف به وبداره وببطانته الشريرة، لكنَّ تدخل العناية الإلهية قد يتأخر حتى يصطلح الناس مع الله، وحتى يأخذوا بالأسباب الممكنة، وحتى يتخلصوا من الظلم فيما بينهم.

بيدَ أن هذا الحاكم الطاغية الفاسد المفسد - مع كل هذا - لا يشعر بشيء من هذا الذي يحيط به؛ فهو طاغية من هؤلاء الذين {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: ٧].

ولنتابع درس ابن الخطيب المسكين لنصل إلى الدرس الأعظم في قصته، وفي منهجه المتخبط والذي يعالج فيه صاحبه الخطأ بالخطأ، بل ربما بخطأ أكبر منه.

فعندما استقرَّ ابن الخطيب بعد هروبه من غرناطة لاجئاً إلى دولة بني مرين التي كان ملكها فتى صغيراً لم يبلغ الحلم بعد، حيث أكرم هذا الملك الفتى ووزيره الوصيّ عليه وفادة ابن الخطيب وأحسنا إليه، وهنا عاد حنين ابن الخطيب إلى منهجه في النفاق السياسي؛ لعلَّ أسهمه ترتفع في مهجره الجديد ويجد فضلة في كأس المناصب، ويفرض مكانته بقوة في بيت الحكم المريني.

ومن الطريف أن مدة إقامة ابن الخطيب في مقره الجديد لم تزد على عامين فقط كانا هما مرحلة الاستقرار بعد الفرار من غرناطة.

لكن منهجه الذي أشرنا إليه دفع به إلى أن يفكر في تأليف كتاب يبدو النفاق ظاهراً من عنوانه، يقدمه هدية للملك الفتى أبي زياد محمد السعيد؛ لكي يقول له: إن توليتك الحكــم - مع أنك لم تبلغ سن الحلم - شرعية، وأن لك سوابق أخرى في التاريخ الإسلامي، سكت عليها علماء الإسلام، والسكوت علامة الرضا (مع أن سكوت هؤلاء العلماء قد يكون خوف الفتنة والمفسدة)، والمهم أن ابن الخطيب كتب كتاباً عنوانه: (أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام). وعنوان الكتاب كما نرى واضح النفاق، وهو لم يكتب تقريراً مجرداً للوقائع، بل كتب تطويعاً للوقائع وتوجيهاً لها لخدمة الملك الفتى أبي زيان المريني.

لكن الزمن لم يمهل الملك ولا الوصي ولا ابن الخطيب، حين وقع الانقلاب الذي قام به أبو العباس المستنصر المريني بعد سنتين فقط من لجوء ابن خلدون للمغرب، فأقيل مليكه الفتى ووزيره الوصى، أما ابن الخطيب فسجن وقتل خلال شهور، دون أن يجني أية ثمرة من وراء كتابه، بل لعلّ كتابه هذا كان شؤماً عليه وعلى من أكرموا وفادته.

إن ابن الخطيب كان يعلم جيداً أن الإسلام والبلوغ والعقل الذي يمكِّن صاحبه من سياسة الرعية والرجولة والكفاية والعدالة والعلم المؤدي إلى الاجتهاد والحرية والشجاعة والكفاءة الجسدية وسلامة الحواس؛ شروط أساسية للولاية - أية ولاية - فكيف جاز له هذا التبرير السمج لظاهرة خبيثة تعدّ من أخطائنا التاريخية، وفيها - كما نرى من شروط الحاكم في الإسلام - مخالفة واضحة للشريعة الإسلامية؟

ولقد وَكَلَ الله (ابن الخطيب) إلى الأسباب الفاسدة التي أراد أن يتعلق بها، فقتل في سنته خنقاً، ولو تعلَّق بأسباب الله الصحيحة لحفظه الله كما حفظ صديقه ابن خلدون وغيره.

لقد بلغ هذا الخطأ الكبير في حضارتنا إلى درجة أن دولة الأدارسة، (وهي دولة سنّية تعظم آل البيت كشأن جميع المسلمين السنَّة).. هذه الدولة المغربية التي ظهرت في القرن الثاني الهجرى انتظر أهلها بعد موت مؤسسها (إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي) (ت 175هـ) حتى تضع زوجته التي كانت حاملاً، فلما ولدت ذكراً احتفل شيوخ القبائل والعامة جميعاً بيوم ميلاده وبيوم توليته معاً، فأصبح (عيد العرش هو عيد الفرش)! وسمّوه إدريس على اسم أبيه.

فانظر إلى أمة فيها ألوف من أهل العلم والدين والعقل تهبط إلى هذا المستوى، وتولي عليها ولداً في الأسبوع الأول من ميلاده، فهذا الملك الطفل الإدريسي ليس (ممن بويع قبل الاحتلام) - كما يقول ابن الخطيب - بل (ممن بويع قبل الفطام)!

ومن نماذج (من بويعوا قبل الاحتلام من الملوك المحسوبين على تاريخ الإسلام) هشام المؤيد بن الحكم المستنصر الفاطمي الإسماعيلي الذي ولي سنة 366 هـ وله من العمر (10 سنوات)، والحاكم بأمر الله الفاطمي مدعي الألوهية وإمام الديانة الدرزية، وقد ولي سنة 375 هـ وهـو ابن (١١ سنة)، والآمر بأحكام الله ابن المستعلي الــذي ولــي ســنة 495 هـ وهو ابن (٥ سنوات)، والفائز بنصر الله الذي ولي سنة 549 هـ وهو ابن (٥ سنوات)، والعاضد لدين الله آخر الحكام الفاطميين الإسماعيلية الباطنية والذي ولي سنة 546 هـ وهو ابن (٩ سنوات)، والخليفة العباسي المقتدر بالله أبو الفضل المولود سنة (285هـ) والذي ولي وهو ابن 13 سنة، ومن المماليك العادل ابن سلامش بن بيبرس الذي ولي وهو ابن (٧ سنوات)، والعادل الثاني ابن الكامل الذي ولي وسنُّه (12 سنة)، وأمير حاجي حفيد الناصر محمد بن قلاوون ولي وسنُّه (12 سنة)، والناصر فرح خليفة برقوق ولي سنة 803 وعمره (13 سنة).

وهكذا شُوِّه تاريخنا بهذه الظاهرة السياسية الخبيثة، وقليل من هؤلاء الحكام الفتيان من قدَّم شيئاً له شأن يفيد الأمة، وبعضهم ظهر فيهم الخبل والحمق كالحاكم بأمر الله (المدعي للألوهية).

وقد أفرزت هذه الظاهرة الخبيثة بعض الاتجاهات السياسية الأخرى، فما دام أمر الحكم هيّناً ورخيصاً بهذا الشكل؛ فلماذا لا يسود بعض المجانين والسكارى أيضاً؟!
بل لماذا لا يسود المعتوهون المصطنعون و(الثائرون) الذين لا ولاء لهم، إلا لمن يشبع نهمهم في المــال، أو فــي الشهــرة، أو في عالم الغرائز الدنيا؟!

ولم تعد البيعة قبل الاحتلام وقفاً على العمر الزمني؛ فهناك حكام يعيشون مرحلة (ما قبل الاحتلام) وهم في الخمسين، أو أكثر من ذلك، فالمراهقة الفكرية تسيطر على نظام حكمهم وعلى سلوكهم، فقد يكون اهتمامهم بمشكلات بعض الرياضيين والفنانين أكبر من اهتمامهم مائة مرة بشأن جامعات بلادهم العاجزة وتخلُّف البحث العلمي فيها، فضلاً عن عدم مبالاتهم بجيوش العاطلين والعوانس والمقهورين الذين لا يجدون أمناً ولا خبزاً ولا قمحاً ولا سكناً ولا عمــلاً.

إن بعضهــم يكــاد يفقــد كل رشده وتــوازنــه - فــرحاً أو حزناً - تجاوباً مع مباراة رياضية، لكن إحساسه يموت عندما تحل الكوارث بمن حوله من البشر، حتى لو اقترب الخطر من بلاده التي مكنته بعض الظروف منها وسيحاسبه الله على الأمانة التي وضعت في يده.

إن ظاهرة (من بويع قبل الاحتلام) العُمْري أو العقلي يجب أن تخضع للدراسة الفاحصة لقادة تاريخنا، ولسوف نكتشف أن الطفولة والمراهقة العقلية والنفسية كانت أكثر انتشاراً وأكثر خطراً على حضارتنا، ربما من ظاهرة (من بويع قبل الاحتلام) بالنسبة للسن والعمر الزماني.

لقد سيطرت على حكــــــام كثيرين - عبر التاريخ - عصابات مارقة من بطانة السوء المنتفعين وعبيد المصالح الشخصية والسلطة، وقد أفقدوا الحاكم رشده وقدرته على رؤية الأمور على حقيقتها وإبصار ظروف شعبه وأمته بالمنظار الموضوعي المستقل، ولم تكد تمضي على حكمه بضع سنوات حتى يصبح هؤلاء هم عينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، وعقله الذي يفكر به!

وكثيراً ما يقع الانفصال شبه الكامل بينه وبين شعبه؛ نتيجة نفاق هذه البطانة وأكاذيبها وتقاريرها المزيفة، وتفخيمها لشخص الحاكم وبطولاته الوهمية حتى يتصور في لحظة أنه (المعصوم) وأنه يستحق أن يكون (مقدساً) شبيها بالحاكم بأمر الله الفاطمي مدّعي الألوهية، أو قريباً من مستواه!

وهذا يؤكد لنا أن (من بويع قبل الاحتلام) تعبير ينطبق على المستويين معاً: العمر الزمني، والعمر العقلي، ولهذا كانت شروط الولاية في الإسلام صارمة، فلا بُدّ في الحاكم من صدق الإسلام، والبلوغ، والعقل بالمعنى الصحيح للعقل، وحبذا أن يكون كمال الدين والعقل في الحاكم ممكِّناً له من أن يقترب من درجة الاجتهاد، وقد أجاز الفقهاء للحاكم إذا كان قد ملك أدوات الاجتهاد أن يجتهد في أحكام الشريعة متساوياً مع غيره من المجتهدين بصفته فقيهاً مجتهداً لا بصفته حاكماً.

وقــد اجتهد الخليفتــان أبــو بكر وعمر - رضي الله عنهما - لأهليتهما للاجتهاد، فقادا الأمة إلى الخير العميم والنصر العظيم والتمكين في الأرض.

أما هؤلاء الذين يحكمون دون مؤهلات، ويعيشون حياة «ما قبل الاحتلام» وهم في قمة الحكم؛ فقد جلبوا للأمة الشرّ كله.

ونحن لا نملك إلا أن نقول فيهم: لقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما اعتبر توسيد الأمر إلى غير أهله - أي لأمثالهم - من علامات يوم القيامة.

ونقول لهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وسامح الله (لسان الدين بن الخطيب) على زلَّته عندما كتب كتابه الذي يبرّر فيه حكم أمثالكم، وسماه (أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام)، فلم ينفعه نفاقُه، ومات مسجوناً مخنوقاً في السنة نفسها التي أنهي فيها كتابه.

ونقول أخيراً: هذه خلاصة من خلاصات درس التاريخ الذي يؤكد لنا دائماً صدق ما أمرنا به القرآن الكريم في كثير من آياته؛ أن نتقي الله وحده، وأن نكون مع الصادقين، وأن نؤمن إيماناً كاملاً بأن العاقبة للمتقين.

----------------
(*) أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، ورئيس تحرير مجلة (التبيان) القاهرة.