المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي



كبريـ انثى ـاء
11 Oct 2009, 08:15 AM
يزداد شعور المرء بأهمية التاريخ وضرورة استنطاق حوادثه واستكناه أسراره كلما أدرك حجم التحديات الحضارية التي تشتد وطأتها عليه في لحظتها الآنية ، لاسيما ما يتعلق منها بمشكلات الهوية والانتماء ، ولهذا انبرى نفر من المؤرخين المحدثين لدراسة المخزون الثقافي في ذاكرة الأمة ، وتجميع جزئياته المتناثرة في بطون الكتب ،وشرحها وتحليلها وتعليلها وتصنيفها ، بقصد الوصول إلى تصور منطقي سليم للماضي ، عسى ولعل أن يفيد في فهم الحاضر بطريقة أفضل ، ومن ثم إيجاد حلول مناسبة لمشكلاته المتلاحقة ، ولم تكن المسألة هينة بطبيعة الحال ، فالطريق إلى الماضي ليس مفروشاً بالورود ، والإنسان لا يستطيع أنيرى بوضوح تام كل ما هو خلفه أثناء مشيه إلى الوراء ، ومن هنا فقد تعثر فريق من الباحثين ، فزلت أقدامهم وجمحت أقلامهم وفي مزالق الاستنتاجات الخاطئة وما أفرزته من أحكام متسرعة فحين غاب عنهم الخبر اليقين لجأوا إلى التأويل واستبدلوا الفلسفة وفرضياتها بالحقيقة وتجلياتها ، ولا مشاحة في مشروعية هذا المنهج لو كان معجوناً بنية صادقة ورؤية موضوعية .
لقد افترض هذا الفريق من المؤرخين المحدثين ، أن التاريخ الإسلامي لم يتحرر إلينا كاملاً غير منقوص ، بخيره وشره ، بنجاحاته وإخفاقاته ، وإنما هناك جوانب " مسكوت عنها " في التاريخ الإسلامي ، لم يشا الرواة والإخباريون والمؤرخون أن يتناقلوها في مروياتهم ومدوناتهم ، وإنما سكتوا عنها لأسباب سياسية ومذهبية ونفعية وما إليها وخلصوا من ذلك كله إلى القول بأن الأجيال المسلمة – السالفة منها والخالفة – قد تدارست التاريخ فيما بينها بطريقة تربوية تهذيبية ، هدفها رفع الروح المعنوية للأمة من خلال التركيز على الجوانب المشرقة نفي تاريخنا ، كقصص البطولات الفردية ، ومحاسن الخلفاء والملوك والقادة وأخبار الزهاد والصلحاء والمتقين ، وما أشبه ذلك وكان حقه – أي التاريخ- أن يدرس بطريقة علمية استقصائية ، تدون المناقب وتعترف بالمثالب ، ولا تجد أدنى حرج في الحكم على الشخصيات التاريخية أو الحكم لها ، فيما يعتقد أنه خطأ أو صواب ، بصرف النظر عن الاعتبار الديني أو السياسي لهذه الشخصيات التاريخية ، فما مدى هذه الدعوى ؟
الواقع أننا لا نستطيع الزعم بأن أسفار التاريخ الإسلامي الموجودة بأيدينا اليوم ، تمثل مرآة صادقة تعس جميع الحوادث التاريخية بكامل تفاصيلها ، كما أنه لا يمكن الادعاء أيضاً بأن من يطالع كتب التاريخ يستطيع أن يتبين نبض الحياة اليومية في أسواق وطرقات المدن الإسلامية في عصورها الماضية ، فالتاريخ ما هو إلا سجل شامل لحوادث السياسة والحرب في المقام الأول ،ومن ينعي على التاريخ انصرافه إلى تدوين أخبار الحكام والقادة وإهماله لطبقات المجتمع المنتجة من حرفيين وباعة ، فقد التبس في ذهنه مفهوم التاريخ ووظيفته الفلسفية ، فأرباب السياسة والحرب هم من ينتج التاريخ أصلاً ، إنهم يصنعونه ولا يصنعهم ، ولذا كان لزاماً على التاريخ أن يستقصي أخبار صانعيه ، أما أن نلزمه – أي التاريخ – بالصفق في الأسواق والمشي في الطرقات منقباً في مسالخ الجزارين ودكاكين الخياطين ، فكأنما نريد بذلك أن تبدل الأرض ير الأرض والسماوات ، ومع هذا كله ، فإننا لا نجرؤ على القول بأن الكتابات التاريخية استوعبت جميع الحوادث السياسية والعسكرية الكائنة في معظم فترات التاريخ الإسلامي ، فهل يعني هذا أن هناك جوانب محددة سكت عنها المؤرخون بالفعل .
إن تفسير هذا الأمر على نحو مقبول ، يتطلب أولاً اطراح عقلية المؤامرة وما تفرزه من شعارات مؤامراتية تقدح في أغلى ما يملكه المؤرخون المسلمون ، وهي الأمانة والخلق القويم ، فالافتراض بأن قدامى المؤرخين كانوا يمالئون السلطة القائمة ، فينشرون محاسنها ويغضون الطرف عن نقائصها ، وبالتالي فإن إنتاجهم التاريخي ليس سوى " تاريخ بلاط " أو تاريخ يكتبه المنتصرون ، فإنما هو افتراض تكذبه المصادر التاريخية ، إذ من المعلوم أن المصادر التاريخية المدونة تنقسم إلى قسمين هما : الحوليات التاريخية ، وكتب التراجم والطبقات ، ولو أننا تجاوزنا الادعاء بأن مصنفي الحوليات التاريخية ، كانوا إما موظفين في البلاط أو منقصين منه ، مما أدى إلى تلوين كتاباتهم بألوان المنفعة الشخصية وما إليها ، فإن جل مصنفي كتب التراجم والطبقات كانوا بخلاف ذلك تماماً ، فهم في الغالب من فقهاء ومحدثون ومفسرون ، اشتغلوا من كسب أيديهم وبالتالي فهم لا يشعرون بشئ من المديونية للسلطة القائمة ، ومع ذلك فلا نكاد نجد في مصنفاتهم ما يتناقض مع الحوليات التاريخية الرسمية .
وأما المطلب الثاني فإنه يلزمنا أن نتصور مدى قدرة المؤرخ على الإلمام بكامل تفاصيل الحوادث الواقعة في عصره ، أو في العصور التي سبقته ، في ظل الافتقار إلى تقنية المعلومات التي امتاز بها عصرنا، فلا غضاضة على المؤرخ والحالة هذه ألا يحيط بجزئيات الوقائع الكائنة في وقته ، وليس لنا أن ننتظر منه المزيد ويمكن أن نستشهد في هذا الصدد بمثال من التاريخ الإسلامي في الأندلس ،فقد أغفلت كتب التراجم والطبقات الأندلسية ، ترجمة الفقيه الأندلسي طالوت بن عبدالجبار المصافري ( ت ، ق 2 هـ / 8 م) فلم يذكره الخشني في كتابه "أخبار الفقهاء والمحدثين " وتبعه في ذلك الإهمال ابن الفرضي في كتابه " تاريخ علماء الأندلس " في حين أفاضت المؤلفات في تراجم زملاء طالوت المعاصرين له ،ممن هم دونه علماً وفقهاً ومكانة ، فل يعني هذا أن في المصادر المشار إليها أرادت طمس شخصية الفقيه طالوت الذي تورط في ثورة الفقهاء ضد الأمير الحكم " الربضي " بن هشام ؟ إنه لا يمكن تخريج المسألة على هذا النحو من الاستنتاجات الخاطئة ، لأن المصادر نفسها ترجمت لفقهاء آخرين شاركوه في الثورة ضد الأمير الحكم ، ومن بينهم الفقيه يحيى بن مضر القبسي ( ت 189 هـ / 805 م ) وبالتالي فإنه لا يسعنا إلا البحث عن مبررات أخرى لتفسير هذا النهج التصنيفي للتراجم الأندلسية لدى الخشني ومن ورائه ابن الفرضي ، مبتعدين عن رفع راية " المسكوت عنه " .
وأما المطلب الثالث فإنه يوجب علينا ألا نصادر على المؤرخ حقه في اختيار مروياته وتصنيفها وفرزها ، فيثبت ما يراه صواباً منها ويمحو مادون ذلك ، ولقد دلت الأبحاث العلمية الحديثة على أن عدداً من المؤرخين المتقدمين أسقطوا جملة من الروايات التي انتهت إليهم عن حوادث بعينها ، ونبهوا على ذلك في افتتاح كتبهم ، معللين مسلكهم هذا باستشناع الرواية ، أو ضعف طرقها ، وهذا يعني أنهم لم يتعمدوا طمس وجهات النظر المختلفة ، أو السكوت عنها لغرض سياسي أو مذهبي ، وإنما أشاروا إلى وجودها دون أن يجدوا أنفسهم ملزمين بإثباتها في مدوناتهم .
بقلم : د. خالد بن عبدالكريم البكر
الدعوة – العدد 1785 – 1422 هـ