المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عرض لبعض المشكلات النفسية التي تواجه الموهوبين والمتفوقين



n-n-h-n
18 Oct 2009, 02:49 PM
عرض لبعض المشكلات النفسية التي تواجه الموهوبين والمتفوقين

أ- مشكلات راجعة إلى سمات و خصائص شخصية المتفوق و الموهوب :- الشعور بالاختلاف ، والعزلة عن الآخرين ، و صعوبة تكوين علاقات مشبعة و صداقات مع الأقران ، و تصنع التوسط أو العادية :و من بين أهم المشكلات هي مشاعر الاختلاف و صعوبة تكوين علاقات اجتماعية مثمرة مع الأقران ، حيث يتميز الموهوبون و المتفوقون بالتفرد و الاختلاف عن أقرانهم ، و تبدو مظاهر هذا الاختلاف واضحة منذ سنوات العمر الأولى حيث يكون معدل نموهم العقلي المعرفي أسرع من أقرانهم و يتمثل هذا في قدرتهم المبكرة على الكلام و اكتساب اللغة و رغبتهم في تعلم القراءة منذ سن صغيرة ، و حبهم للاستطلاع و شغفهم بالمعرفة الذي يدفعهم إلى كثرة طرح التساؤلات، و تعدد مجالات اهتماماتهم و تتنوع ميولهم عمن هم في مثل عمرهم الزمني ، و يمثل نضجهم الأخلاقي المبكر مظهرا هاما من مظاهر الاختلاف ،فنجد أحكامهم الخلقية المعقدة الصارمة و كذلك نظامهم القيمي الخاص .
و يتأثر الموهوب و المتفوق منذ وقت مبكر بهذا الاختلاف بينه و أقرانه فهو لا يجد من بينهم من يشاركه ألعابه المفضلة التي يغلب عليها التعقيد و التي تخضع لقوانين محددة و التي يشبع من خلالها ميله إلى التنظيم و الترتيب Systematization and Order حيث يميل إلى تنظيم الأشياء و الأشخاص حسب رؤيته ، و لهذا ينجذب بشدة نحو الأطفال الأكبر سناً و الذين قد ينظروا له كطفل صغير و يرفضون اللعب معه مفضلين عليه أقرانهم ، و قد يدفعه هذا إلى اللعب بمفرده و الميل للعزلة و الوحدة (Douglas, 1998 p:1)
و تمثل مرحلة المراهقة تحدياً للطلاب الموهوبين و المتفوقين حيث تمثل الحاجة إلى الأقران و الرغبة في الامتزاج و التآلف مع الجماعة إحدى الحاجات الأساسية الملحة بالنسبة للمراهق الموهوب و المتفوق ، و حيث يصبح الصراع بين الحاجة القوية إلى الاستقلالية و الإنجاز من جهة ، و الحاجة إلى مسايرة الأقران و الحصول على رضاهم و تجنب رفضهم و نبذهم من جهة أخرى أعقد مشكلاته الاجتماعية ، و تبدو أهمية جماعة الأقران البالغة بالنسبة للمراهق في أن انتمائه إليها و شعوره بالولاء نحوها و الإذعان لرأيها و الخضوع لقوانينها يشبع لديه الحاجة إلى الانتماء و الشعور بالأمان و التي تعد من الحاجات النفسية الاجتماعية الأساسية في هذه المرحلة، فضلا عن دورها في علمية تشكيل الهوية حيث يمثل الأقران نماذج الدور التي يحتذيها المراهق و يتمثل بها ، و تصبح المسايرة و النزعة إلى الاختلاف أمرا غير مقبولا في هذه المرحلة التي وصفها اريكسون بأنها تتميز بـ "تقنين الفردية Standardization of Individuality "عدم تحمل الاختلافات Intolerance of Differences" و بهذا تشكل مواهب المراهق و مقدراته نوعا من الإعاقة الاجتماعية Cross&Coleman,1993,p38 – 40) )
و يحذر الباحثون من أثر ضغوط الأقران المتزايدة على الموهوب و المتفوق الذي قد يلجأ إلى التضحية بمواهبه و قدراته و يميل إلى الإنجاز بأقل مما تسمح به قدراته ، و يبدو التناقض بين طاقاته و إمكاناته و بين مستوى أدائه الفعلي واضحا (ماجدة السيد عبيد , 2000 ص:204 – 205 ) .
و قد تؤدي تلك الصعوبات البالغة في التوافق مع الأقران إلى الشعور بالعزلة و الوحدة و الانطواء ، و ذلك إذا ما فشل الموهوب و المتفوق باستخدام استراتيجيات التوافق المختلفة في كسب ودهم و رضاهم ، فتصبح العزلة و الوحدة نتيجة حتمية لرفض الأقران . و يرى بورتر (Porter,1999) أن الوحدة النفسية التي يشعر بها المرء حينذاك يكون لها آثار سلبية وخيمة أكثر تدميراً من انخفاض التحصيل و ضياع المواهب و القدرات ، حيث يحرم الموهوب و المتفوق من الطمأنينة و الشعور بالأمان و لا يجد الدعم و المساندة الاجتماعية الكافية لمواجهة ضغوط الحياة اليومية حينما يفتقر إلى الأصدقاء ، فالألفة مع الآخرين و الصدقات الحميمة أمور ضرورية للنمو النفسي الاجتماعي السوي .
- النزعة الكمالية ، و التوقعات العالية التي يضعها المتفوق لنفسه و ما يترتب عليها من ضغوط و قلق و خوف زائد من الفشل ، و تجنب مواجهة الضغوط Copout و مماطلة و تلكؤ Procrastination ، و حساسية للنقد :المتفوقين و الموهوبين مدفوعون و حريصون على تحقيق مستويات فائقة من الإنجاز، أن النزعة الكمالية أو المثالية قد تشكل عقبة أمام تقدمهم و نجاحهم في حياتهم الدراسية و المهنية . و يرى هاماشيك Hamacheck أن الكماليين الأسوياء أو أولئك الذين يدركون حدود إمكاناتهم ، و يتقبلون نقاط ضعفهم ، و يضعون لأنفسهم أهدافا واقعية مناسبة ، و يتقبلون أخطاءهم و يتفهمون أنها جزء من عملية التعلم ، و يشعرون بالرضا عن أنفسهم عندما يبذلون قصارى جهدهم بصرف النظر عن كون إنجازهم مثالياً أو كاملاً يكونون أكثر استمتاعاً بعملهم و شعوراً بالسعادة.
أما الكماليون العصابيون أو أولئك الذين يطالبون ذواتهم بتحقيق توقعات عالية جداً أو مثالية ، و بلوغ أهداف مستحيلة تفوق مقدراتهم ، فإن ذلك يقودهم إلى الشعور المستمر بالفشل و ربما العجز ، و من ثم انخفاض تقدير الذات لديهم . و قد ينزع بعض المتفوقين و الموهوبين نتيجة لذلك إلى استخدام استراتيجيات غير مناسبة من مثل تجنب مواجهة الضغوط Copoutأو التقليل منها ، و التي تتمثل في مجموعة من السلوكيات ، كالمماطلة و التلكؤ Procrastination ، و الميل إلى بذل القليل من الجهد في نهاية الوقت المطلوب فيه إنجاز المهمة المكلفين بها ، و تجنب المخاطرة ، و تفضيل المقررات و الأنشطة مضمونة النجاح ، و الأقل تحدياً و احتياجاً لبذل الجهد نظراً لخوفهم المرضى من الفشل و حساسيتهم العالية للنقد . ربما فضل لعب دور المهرج داخل الصف لجذب انتباه الآخرين و الحصول على القبول الاجتماعي منهم عن طريق أنماط سلوكية بعيدة تماماً عن الإنجاز الأكاديمي .
- عدم تفهم المحيطين بالمتفوقين والموهوبين لدوافعهم و احتياجاتهم ، و الشعور بالذنب و اهتزاز مفهوم الذات :يتمتع المتفوقين و الموهوبين بطاقات غير محدودة و حيوية فائقة Very Energetic و مستوى وفير من النشاط، و لديهم دوافع قوية للتعلم و العمل Highly Motivated ، و هم قادرون على الانهماك و الانغماس في العمل لفترات طويلة و قد لا يحتاجون سوى إلى ساعات محدودة من النوم ، كما يتمتعون بيقظة عقلية و فضول متزايد ، و شغف بالاستطلاع و الاستكشاف و التجريب .
و غالباً ما يخلق فضول الأطفال المتفوقين عقلياً و حركتهم الدءوبة و تساؤلاتهم المستمرة حالة من الارتباك و عدم الارتياح لدى المتعاملين معهم و يسبب لهم المتاعب ، و ربما نظروا إلى هؤلاء الأطفال على أنهم عابثون غير منضبطين و فوضويين ، و مثيرون للمتاعب أو ينقصهم التركيز و أنه يجب ردعهم و تعليمهم كيف يتصرفون و يسلكون على شاكلة بقية الأطفال ، مما يؤثر سلبياً على ذواتهم و يشعرهم بالتعاسة و الذنب , و يزداد الطين بله عندما يلتبس الأمر على البعض من الآباء و المعلمين فيخلطون بين تلك الطاقة و الحيوية لدى الطفل المتفوق ، و اضطراب الانتباه المصحوب بفرط النشاط لدى بعض الأطفال المضطربين ، مما يترتب عيه انشغالهم بجانب الاضطراب في السلوك و البحث عن علاجه بدلاً من الاهتمام بجوانب موهبة الطفل و البحث عن سبل تنميتها .
و تتطلب هذه المشكلة تفهم المحيطين بالطفل المتفوق لدوافعه القوية الداخلية للعمل و النشاط ، و إشباعها بدلاً من كفها و إحباطها ، و تهيئة الأنشطة التي تستحث اهتماماته و تستوعب طاقاته ، و تتيح له إظهارها و التعبير عنها .
- الشعور بالسأم و الملل من المهام الروتينية ، و عدم الاكتراث بالأعراف و النظم المقيدة لحرياتهم :
يعانى المتفوقين و الموهوبين من الشعور بالسأم و الضيق داخل بيوتهم و صفوفهم و من أداء المهام و التكليفات الروتينية و البسيطة التي ينفرون منها عادة ، فهم يستمتعون أكثر بالمهام الصعبة و المعقدة التي تتحدى استعداداتهم ، و التي تكفل لهم قدراً عالياً من الحرية و الاستقلالية في التفكير و العمل . كما يشعرون بالضجر و الملل خلال العملية التعليمية المعتادة لأنهم يتعلمون بسرعة أكبر من أقرانهم ، و لديهم المقدرة على تجاوز الخطوات المعتادة في تسلسل التفكير العادي ، و على القفز إلى معالجة التفصيلات الدقيقة للموضوع المطروح ، و التفكير فيما وراء الأشياء قبل أن يكمل معظم أقرانهم الإلمام بالقواعد التي يعدها المعلم جزءاً أساسياً يجب إتقانه قبل الانتقال إلى هذه التفصيلات . و غالباً ما ينجزون أعمالهم المدرسية في نصف الوقت و ربما أقل من ذلك، لذا فهم يشعرون بوطأة الانتظار و السأم و الملل عندما يجبرهم المعلم على التقيد بما يعمله الآخرون من الطلاب المتوسطين .كما يلاحظ أن المتفوقين أقل اكتراثاً بالأعراف ، و انصياعا للتعليمات الصارمة و النظم الجامدة ، و يقاومون ما يفرض عليهم من نظم تقيد حرياتهم ، أو من تدخلات الآخرين في أعمالهم و شئونهم . و تتضاعف مشكلاتهم في هذا الصدد عندما يعنى المعلم بالضبط و الربط داخل غرفة الصف أكثر من إتاحة قدر من المرونة و الحرية لتلاميذه ، و بفرض المسايرة و الاتباعية أكثر من تشجيع الاختلاف و الابتداعية ، و بالاعتناء بالاحتياجات الجماعية (للتلاميذ كمجموعة) أكثر من الاعتناء بالاحتياجات الفردية (المجموعة كأفراد) ، و بتكريس اهتمامه على التلاميذ المتوسطين من دون المتفوقين و الموهوبين.
- مشاعر الهم و التشاؤم و الاكتئاب الناجمة عن حساسيتهم غير العادية تجاه مشكلات المجتمع و العالم ، و الشعور بالمسؤولية الأخلاقية نحو الآخرين ، بالعجز عن التأثير و التحكم فيما يجري حولهم من أحداث صارمة :يتمتع الأطفال المتفوقين و الموهوبين بمستوى متقدم من النمو العقلي و اللغوي ، و بالحساسية المرهفة و قوة المشاعر والعواطف ، و لديهم نظام قيمي و أخلاقي يطورونه مبكراً ، فهم يتبنون مُثلاً و مبادئ رفيعة ، و ينفتحون على تجارب الآخرين و يعايشون معاناتهم و يتعاطفون معهم ، و ينغمسون بعمق في المعاني و الدلالات ، و يفكرون كما لو كانوا ناضجين في قضايا عميقة ، و فيما يجرى حولهم من أحداث ، و فيما يتهدد العالم من مخاطر و مشكلات ، و يشعرون بالمسئولية الأخلاقية تجاه تغيير العالم إلى الأفضل، و يتساءلون كثيراً عن جدوى النظم و القوانين القائمة، و يحسون بالتناقض و عدم الاتساق بين المبادئ و المثاليات من جانب و الواقع أو السلوك من جانب آخر .

و يشعرون أيضا بالعجز عن التأثير و التحكم فيما حولهم – كأطفال – و عن تحمل التناقضات في الواقع الذي يعيشونه بحكم تكوينهم النفسي و عدم نضوجهم الانفعالي مما يصيبهم بالحيرة و الهم و الحزن ، و التشاؤم و القلق و ربما المشاعر الاكتئابية .

و تستعرض ليندا سيلفرمان (Silverman,1993) أمثلة لبعض أفكار و مشاعر الأطفال المتفوقين ممن تعاملت معهم عن قرب ، و تقتطف تأكيداً لذلك بعضاً من استجابات طفل المتفوق في العاشرة من عمره على اختبار إسقاطي لتكملة الجمل حيث يقول "أحلم ... بعالم أفضل يسوده الحب و العطف و الرعاية ، و أتمنى لو أنني .... أمتلك المقدرة على جعل العالم أكثر أمناً و حباً للسلام ، إن ما يشعرني بالحزن حقاً .... هو أن الناس قد أصبحوا لا يهتمون بعضهم البعض ، أنني قلق بشأن ........ ما يمكن أن يؤول إليه مصير العالم لو لم يكف الناس و الدول عن مقاتلة بعضهم البعض" .
كما تجسد ليندا سيلفرمان مشاعر اهتمام الطفل المتفوق بالآخرين و تعاطفه معهم ، و حرصه الشديد على سيادة معايير الإنصاف و العدالة و المساواة بين الناس .