المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدولة الحفصية من النشوء حتى نهاية حكم المستنصر ج-4



رياض الفراشات
02 Jan 2010, 05:43 AM
الدولة الحفصية من النشوء حتى نهاية حكم المستنصر



(1228-1277)




القسم الرابع




الدكتور أنيس القيسي



...... تابع



ثالثــا: الخليفة أبو عبد الله المستنصر (1249-1277)


اثر وفاة الأمير أبي زكريا، خلفه ابنه وولي عهده أبو عبد الله محمد، الذي كان يبلغ من العمر 22 سنة، واستمر بالحكم إلى أن بلغ الخمسين. وهو من أم ذات أصل مسيحي تدعى (عطْف). وكان أبو عبد الله يحمل لقب (أمير) مثل أبيه، ولقب (سلطان) أيضا، لكنه اتخذ لقب (خليفة) بعد سنتين من توليه العرش، أي في سنة 1253، وأصبح (أمير المؤمنين) بإسم (المستنصر بالله). فما هي الظروف والعوامل التي أهلته لاتخاذ هذا اللقب؟

في المشرق كانت الخلافة العباسية التي أصابها الضعف تعيش سنواتها الأخيرة تحت تأثير الخطر المغولي المتفاقم، وكانت الدولة الأيوبية في مصر قد انقرضت منذ مدة قليلة، وذلك في سنة 1250، في حين كان الصليبيون لا يزالون يقاتلون المسلمين بقيادة الملك لويس التاسع. أما في المغرب فقد بلغت الخلافة المؤمنية (الموحدية) آخر مرحلة من مراحل انهيارها منذ أن فتك بها المرينيون في شمالي المغرب، بينما سقطت الأندلس بأيدي القشتاليين، وذلك بين سنتي 1246-1248. إذن، لم يكن هناك أي خوف من رد فعل خارجي. أما في الداخل، فقد كانت مشاعر الناس مستعدة لقبول هذه الخلافة الجديدة.

السياسة الداخلية
منذ السنوات الأولى من توليه الحكم تخلى المستنصر عما كان يمتاز به والده من تواضع وبساطة. فقد تظاهر بمظاهر عظماء الملوك، إذ قام بانجازات كبرى في القصبة بالعاصمة، واحدث بساتين غنّاء ذات فوارات في ضواحي تونس، وحديقة صيد بالقرب من بنزرت. وأحاط نفسه بجميع من كانوا موجودين في افريقية من علماء ذائعي الصيت وشعراء ومولعين بالأدب، وجلب إلى بلاطه عددا كبيرا من الأدباء الأندلسيين الذين فروا من سياسة الاسترداد، فتوافدوا إلى شمالي أفريقيا أو اتجهوا إلى المشرق. ومما لا شك فيه إن كثيرا من العائلات الموحدية لم تكن تحبذ هذا الانزلاق نحو العادات المتأنقة ونحو البذخ والأدب بشكل لا يتماشى مع المذهب الموحدي، ولم تكن راضية عن تلك السياسة التي أعطت الأولوية للعنصر المنافس، أي الأندلسيين. ولكن ذلك التقدم المادي والثقافي قد عاد بالفائدة على اقتصاد البلاد ونفوذها السياسي، وذلك بتكثيف التعاملات وتركيز هيبة الأسرة المالكة على أسس متينة.





بسط الهيمنة في شمالي أفريقيا ووصول بيعة الحجاز ومصر
منذ الإعلان عن وفاة أبي زكريا خرجت مدينة سبتة عن طاعة الدولة الحفصية، وتبعتها مدينة طنجة بعد مدة قصيرة، وألغى أمير غرناطة اسم السلطان الحفصي من خطبة الجمعة. أما الزيانيون في تلمسان والمرينيون في فاس فقد استمروا بتقديم الولاء. وفي سنة 1254 أوفد إليه أبو يحيى بن عبد الحق المريني سفارة للتأكيد على تلك التبعية التي استمرت حتى في عهد أخيه وخليفته أبو يوسف يعقوب. ولكن الأهم من ذلك كله إن الخلافة الحفصية بعد مدة ليست بالطويلة بدأت مرحلة جديدة من حياتها، وذلك بقبول بيعة قسم من المشرق الإسلامي، ولو بصورة مؤقتة.

ففي شهر شباط 1258 سقطت الخلافة العباسية في بغداد تحت ضربات المغول، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الخلافة الموحدية تلفظ أنفاسها الأخيرة في المغرب الأقصى، وبذا أصبح العالم الإسلامي يشكو من فقدان منصب الخلافة. وكان افتقار الأمة الإسلامية إلى رئيس روحي أعلى يمثل في نظر المسلمين حالة غير طبيعية. والواقع إن المشرق الإسلامي لم تكن لديه أية وسيلة لو ضع حد لتلك الحالة، وذلك لن مصر التي كادت أن تكون الوحيدة التي نجت من الاجتياح المغولي، هي وشبه الجزيرة العربية، كانت تعيش في حالة اضطرابات مستمرة، وكان سلطانها المملوكي نور الدين علي ابعد من أن يشكل سلطة قوية.

في ظل هذه الأحوال اتجه شريف مكة إلى المستنصر الذي كانت سلطته العليا تشع على جزء كبير من بلاد المغرب، فقرر الاعتراف به خليفةً للمسلمين، وكان ذلك في سنة 1259. وبعد ذلك بنحو سنة ونصف السنة، في أواخر سنة 1260، تلقى المستنصر رسالة رسمية من مصر تبلغه بالانتصار العظيم الذي أحرزه المماليك على المغول في معركة عين جالوت بفلسطين في 3 أيلول 1260، وتلقبه بأمير المؤمنين. وعلى الرغم من إن الظاهر بيبرس الذي استولى على الحكم بعد اغتياله قطز اثر المعركة كان قد استدعى آخر الفارين من البيت العباسي، وهو المستنصر أيضا، وأحيى لقب الخلافة، وبسط الحماية المصرية على العتبات المقدسة في الحجاز، إلا إن ذلك لم يمنع الأمير الحفصي، هو ومن بعده، من حمل لقب (الخليفة) والتصرف بهذا اللقب الذي، سنرى لاحقا، كان أقوى الأسلحة لمواجهة لحملة الصليبية الثامنة التي شنها الملك الفرنسي لويس التاسع على تونس، التي تعد ابرز الأحداث التي شهدها عصر الخليفة الحفصي المستنصر.