بسم الله الرحمن الرحيم
من باب الفائدة عن معجزة الذباب
اردت ان أقتبس من بعض امهات المراجع عن ذلك
كتاب زاد المسير
فان قيل ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها
فالجواب أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا وجلده قد ذاب فأدنى شيء يمر به يؤذيه وفي ورق اليقطين خاصية وهو أنه إذا ترك على شيء لم يقربه ذباب فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه
كتاب تفسير الطبري
قال أبو جعفر : اختلف أهل التاويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الاية وفي تأويلها
فقال بعضهم بما : حدثني به موسى بن هرون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } وقوله : { أو كصيب من السماء } الآيات الثلاث قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال فأنزل الله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة } إلى قوله : { أولئك هم الخاسرون }
وقال آخرون بما : حدثني به أحمد بن إبراهيم قال حدثنا قراد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن : إذا امتلأوا من الدنيا ريا أخذهم الله عند ذلك قال : ثم تلا : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 )
حدثني المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا إسحق بن الحجاج قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس بنحوه إلا أنه قال : فإذا خلت آجالهم وانقطعت مدتهم صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت وتموت إذا رويت فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل إذا امتلئوا من الدنيا ريا أخذهم الله فأهلكهم فذلك قوله : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 )
وقال آخرون بما : حدثنا به بشربن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرمنه شيئا ما قل منه أو كثر إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها }
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة قال : لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها }
وقد ذهب كل قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية وفي المعنى الذي نزلت فيه مذهبا غيرأن أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحق ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس
وذلك أن الله جل ذكره أخبر عباده أنه لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها عقيب أمثال قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها فلأن يكون هذا القول أعني قوله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما } جوابا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة أحق وأولى من أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور
فإن قال قائل : إنما أوجب أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السور لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثال موافقة المعنى لما أخبر عنه : أنه لا يستحيي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت وبعضها تشبيها لها في الضعف والمهانة بالذباب وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة فيجوز أن يقال : إن الله لا يستحيي أن يضربه مثلا
فإن ذلك بخلاف ما ظن وذلك أن قول الله جل ثناؤه : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } إنما هو خبر منه جل ذكره أنه لايستحيي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها ابتلاء بذلك عباده واختبارا منه لهم ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به إضلالا منه به لقوم وهداية منه به لآخرين
كما حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { مثلا ما بعوضة } يعني الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ويهديهم الله بها ويضل بها الفاسقين يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ويعرفه الفاسقون فيكفرون به
حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله
حدثني القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
قال أبو جعفر : لا أنه جل ذكره قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحيي من ضرب المثل بها ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق
كما حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة قال : البعوضة أضعف ما خلق الله
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج بنحوه
خصها الله بالذكر في القلة فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقل الأمثال في الحق وأحقرها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع جوابا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النار والصيب من السماء على ما نعتهما به من نعتهما
فإن قال لنا قائل : وأين ذكر نكير المنافقين الأمثال التي وصفت الذي هذا الخبر جوابه فنعلم أن القول في ذلك ما قلت ؟
قيل : الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) وإن القوم الذين ضرب لهم الأمثال في الآيتين المقدمتين اللتين مثل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما : بموقد النار والصيب من السماء على ما وصف من ذلك قبل قوله : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } قد أنكروا المثل وقالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قيلهم ذلك وقبح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه وأنه ضلال وفسوق وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه
وأما تأويل قوله : { إن الله لا يستحيي } فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى { إن الله لا يستحيي } : إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهد على ذلك من قوله بقول الله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ، ) ويزعم أن معنى ذلك : وتستحي الناس والله أحق أن تستحيه فيقول : الاستحياء بمعنى الخشية والخشية بمعنى الاستحياء
وأما معنى قوله : { أن يضرب مثلا } فهو أن يبين ويصف كما قال جل ثناؤه : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } ( الروم : 28 ) بمعنى وصف لكم وكما قال الكميت :
( وذلك ضرب أخماس أريدت ... لأسداس عسى أن لا تكونا )
بمعنى : وصف أخماس
والمثل : الشبه يقال : هذا مثل هذا ومثله كما يقال : شبهه وشبهه ومنه قول كعب بن زهير :
( كانت مواعيدعرقوب لهامثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل )
يعني شبها فمعنى قوله إذا : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } : إن الله لا يخشى أن يصف شبها لماشبه به
وأما ما التي مع أمثل فإنها بمعنى الذي لأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة في الصغر والقلة فما فوقها مثلا
فإن قال لنا قائل : فإن كان القول في ذلك ما قلت فما وجه نصب البعوضة وقد علمت أن تأويل الكلام ما تأولت : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة ؟ فالبعوضة على قولك في محل الرفع ؟ فأنى أتاها النصب ؟
قيل : أتاها النصب من وجهين : أحدهما أن ما لما كانت في محل نصب بقوله يضرب وكانت البعوضة لها صلة عربت بتعريبها فألزمت إعرابها كما قال حسان بن ثابت :
( وكفى بنا فضلاعلى من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا )
فعربت غير بإعراب من والعرب تفعل ذلك خاصة في من و ما تعرب صلاتهما بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة أحيانا ونكرة أحيانا
وأما الوجه الآخر فأن يكون معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين البعوضة إلى ما فوقها ثم حذف ذكر بين و إلى إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في ما الثانية دلالة عليهما كما قالت العرب : مطرنا ما زبالة فالثعلبية و له عشرون ما ناقة فجملا و هي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون : ما بين قرنها إلى قدمها وكذلك يقولون في كل ما حسن فيه من الكلام دخول : ما بين كذا إلى كذا ينصبون الأول والثاني ليدل النصب فيهما على المحذوف من الكلام فكذلك ذلك في قوله : { ما بعوضة فما فوقها }
وقد زعم بعض أهل العربية أن ما التي مع المثل صلة في الكلام بمعنى التطول وأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا بعوضة فما فوقها فعلى هذا التأويل يجب أن تكون بعوضة منصوبة ب يضرب وأن تكون ما الثانية التي في فما فوقها معطوفة على البعوضة لا على ما
وأما تأويل قوله { فما فوقها } : فما هو أعظم منها عندي لما ذكرنا قبل من قول قتادة و ابن جريج : أن البعوضة أضعف خلق الله فإذ كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه فما فوقها في العظم والكبر إذ كانت البعوضة نهاية في الضعف والقلة وقيل في تأويل قوله { فما فوقها } في الصغر والقلة كما يقال في الرجل يذكره الذاكر فيصفه باللؤم والشح فيقول السامع : نعم وفوق ذاك يعني فوق الذي وصفت في الشح واللؤم وهذا قول خلاف تأويل أهل العلم الذين ترتضى معرفتهم بتأويل القران
فقد تبين إذا بما وصفنا أن معنى الكلام : إن الله لايستحي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة
فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائز في ما إلا ما قلنا من أن تكون اسما لا صلة بمعنى التطول
القول في تأويل قوله : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : { فأما الذين آمنوا } فأما الذين صدقوا الله ورسوله وقوله : { فيعلمون أنه الحق من ربهم } يعني : فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله لما ضربه له مثل
كما حدثني به المثنى قال : حدثنا إسحق بن الحجاج قال : حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } أن هذا المثل الحق من ربهم وأنه كلام الله ومن عنده
وكما حدثنا بشربن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه الحق من الله { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا }
قال أبو جعفر : وقوله { وأما الذين كفروا } يعني الذين جحدوا آيات الله وأنكروا ما عرفوا وستروا ما علموا أنه حق وذلك صفة المنافقين وإياهم عنى الله جل وعز ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم بهذه الاية فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي : حدثنا به محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح
عن مجاهد : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } الآية قال : يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ويهديهم الله بها ويضل بها الفاسقون يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ويعرفه الفاسقون فيكفرون به
وتأويل قوله : { ماذا أراد الله بهذا مثلا } ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا فذا الذي مع ما في معنى الذي وأراد صلته وهذا إشارة إلى المثل
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل وعز : { يضل به كثيرا } يضل الله به كثيرا من خلقه والهاء في به من ذكر المثل وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدأ ومعنى الكلام : أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر : كما حدثني موسى بن هرون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { يضل به كثيرا } يعني المنافقين { ويهدي به كثيرا } يعني المؤمنين فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله لما ضربه له وأنه لما ضربه له موافق فذلك إضلال الله إياهم به و { يهدي به } يعني المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به وذلك هداية من الله لهم به وقد زعم بعضهم أن ذلك خبر عن المنافقين كأنهم قالوا : ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله فقال الله : { وما يضل به إلا الفاسقين } وفيما في سورة المدثر من قول الله : { وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } ( المدثر : 31 ) ماينبىء عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ أعني قوله : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا }
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وما يضل به إلا الفاسقين }
وتأويل ذلك ما : حدثني به موسى بن هرون قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { وما يضل به إلا الفاسقين } هم المنافقون
وحدثنا بشربن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد عن قتادة : { وما يضل به إلا الفاسقين } فسقوا فأضلهم الله على فسقهم
حدثني المثنى قال : حدثنا إسحق قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس : { وما يضل به إلا الفاسقين } هم أهل النفاق
قال أبو جعفر : وأصل الفسق في كلام العرب : الخروج عن الشيء يقال منه : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ومن ذلك سميت الفأرة فويسفة لخروجها عن جحرها فكذلك المنافق والكافر سميا فاسقين لخروجهما عن طاعة ربهما ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس : { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } ( الكهف : 50 ) يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره كما حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني ابن إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس في قوله : { بما كانوا يفسقون } ( البقرة : 59 ) أي بما بعدوا عن أمري
فمعنى قوله : { وما يضل به إلا الفاسقين } وما يضل الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق إلا الخارجين عن طاعته والتاركين اتباع أمره من أهل الكفر به من أهل الكتاب وأهل الضلال من أهل النفاق
من كتاب تفسير الطبري الجزء 1 صفحة 213
كتاب تفسير القرطبي
قوله تعالى : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين }
قوله تعالى : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } قال ابن عباس في رواية ابن صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } وقوله : { أو كصيب من السماء } قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت قالوا : أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد أي شيء يصنع ؟ فأنزل الله الآية وقال الحسن و قتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله فأنزل الله الآية
و { يستحيي } أصله يستحي عينه ولامه حرفا علة أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت واسم الفاعل على هذا : مستحيى والجمع مستحيون ومستحيين وقرأ ابن محيصن يستحى بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة وروي عن ابن كثير وهي لغة تميم وبكر بن وائل نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت فحذفت إحداهما للالتقاء واسم الفاعل مستح والجمع مستحون ومستحين قاله الجوهري واختلف المتأولون في معنى يستحي في هذه الآية فقيل : لا يخشى ورجحه الطبري وفي التنزيل : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } بمعنى تستحي وقال غيره : لا يترك وقيل : لا يمتنع وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح وهذا محال على الله تعالى وفي صحيح مسلم عن ام سلمة رضي الله عنها قالت :
[ جاءت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق ] المعنى لا يأمر بالحياء فيه ولا يمتنع من ذكره
قوله تعالى : { أن يضرب مثلا ما } يضرب معناه يبين و أن مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من مثلا منصوب بيضرب بعوضة في نصبها أربعة أوجه :
الأول : تكو ن ما زائدة و بعوضة بدلا من قوله مثلا
الثاني : تكون ما نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : مثلا و بعوضة نعت لما فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل قاله الفراء والزجاج وثعلب
الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار والمعني أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فحذفت بين واعربت بإعرابها والفاء بمعنى إلى أي إلى ما فوقها وهذا قول الكسائي و الفراء أيضا وأنشد ابو العباس :
( يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ... ولا حبال محب واصل تصل )
أراد ما بين قرن فلما أسقط بين نصب
الرابع : أن يكو ن يضرب بمعنى يجعل فتكون بعوضة المفعول الثاني وقرأ الضحاك وإبراهيم بن ابي عبلة ورؤبة بن العجاج بعوضة بالرفع وهي لغة تميم قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن ما اسم بمنزلة الذي و بعوضة رفع على إضمار المبتدأ مبتدأ ومثله قراءة بعضهم : { تماما على الذي أحسن } أي على الذي هو أحسن وحكي سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا أي هو قائل قال النحاس : والحذف في ما أقبح منه في الذي لأن الذي إنما له وجه واحد والاسم معه أطول ويقال : إن معنى ضربت له مثلا مثلت له مثلا وهذه الأبنية على ضرب واحد وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع والبعوضة : فعولة من بعض إذا قطع اللحم يقال : بضع وبعض بمعنى وقد بعضته تبعيضا أي جزأته فتبعض والبعوض : البق الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها قاله الجوهري وغيره
قوله تعالى : { فما فوقها } قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ومن جعل ما الأولى صلة وائدة فـ ما الثانية عطف عليها وقال الكسائي و أبو عبيدة وغيرهما : معنى فما فوقها ـ والله أعلم ـ ما دونها أي إنها فوقها في الصغر قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك أي هو أقصر مما ترى وقال قتادة و ابن جريج : المعنى في الكبر والضمير في أنه عائد على المثل أي إن المثل حق والحق خلاف الباطل والحق : واحد الحقوق والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه يقال : هذه حقتي أي حقي
قوله تعالى : { وأما الذين كفروا } لغة بني تميم وبني عامر في أما أيما يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف وعلى هذا ينشد بيت عمر بن ابي ربيعة :
( رأت رجلا إيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر )
قوله تعالى : { فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا } اختلف النحويون في ماذا فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء اراد الله فيكون في موضع نصب بـ أراد قال ابن كيسان : وهو الجيد وقيل : ما اسم تام في موضع رفع بالابتداء و ذا بمعنى الذي وهو خبر الابتداء ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام و مثلا منصوب على القطع التقدير : أراد مثلا قاله ثعلب وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال
قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } قيل : هو من قول الكافرين أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلاله وإلى هدى وقيل : بل هو خبر من الله تعالى وهو أشبه لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا أي يوفق ويخذل وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى قالوا : ومعنى { يضل به كثيرا } التسمية هنا أي يسميه ضالا كما يقال : فسقت فلانا يعني سميته فاسقا لأن الله تعالى لا يضل أحدا هذا طريقهم في الإضلال وهو خلاف أقاويل المفسرين وهو غير محتمل في اللغة لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ولا يقال : اضله إذا سماه ضالا ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم ولا خلاف أن قوله
{ وما يضل به إلا الفاسقين } أنه من قول الله تعالى و الفاسقين نصب بوقوع الفعل عليهم والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه تعالى : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء قال فقيل : يا عزير أعرض عن هذا ! لتعرضن عن هذا أو لأمحونك من النبوة إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون والضلال أصله الهلاك يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ومنه قوله تعالى : { أإذا ضللنا في الأرض } وقد تقدم في الفاتحة والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها والفأرة من جحرها والفويسقة : الفأرة وفي الحديث :
[ خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ] روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم وفي رواية العقرب مكان الحية فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب ان شاء الله تعالى وفسق الرجل يفسق أيضا ـ عن الأخفش ـ فسقا وفسوقا أبي فجر فأما قوله تعالى : { ففسق عن أمر ربه } فمعناه خرج وزعم ابن الإعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق قال : وهذا عجب وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس و الجوهري
قلت : وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الزاهر له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :
( يذهبن في نجد وغورا غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا )
والفسيق : الدائم الفسق ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث يريد : يأيها الفاسق ويأيها الخبيث والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله تعالى فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان
كتاب صحيح البخاري
3142 - حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني عتبة بن مسلم قال أخبرني عبيد بن حنين قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول
Y قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء )
[ 5445 ]
[ ش ( فليغمسه ) فليغطه وليدخله فيه . ( داء ) سبب المرض . ( شفاء ) سبب الشفاء من ذلك الداء الذي في إحدى الجناحين ]
كتاب البيان والتبيين
وقال الحسن بن هانىء
عجبت لهورن الإمام وما الذي ... يروي ويرجو فيك يا خلقة السلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا ملك يقضي الحقوق على ثبق
وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق
كتاب أدب الكاتب
وتقول ( وقع في الشراب ذُبَابٌ ) ولا تقول ذبابة والجميع القليل أذِبَّة والكثير ذِبَّان مثل قولهم غراب وأغْرِبَةٌ وللجمع الكثير غِرْبَان وهي ( آخِرَةُ الرَّحْلِ والسَّرْج ) ولا يقال مؤخرة
كتاب مدارج السالكين
وقوله وكراهة مشاركة الفساق يعنى أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم : ما الذي زهدك في الدنيا قال : قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها
إذا لم أترك الماء اتقاء تركت لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
كتاب مجمع الأمثال
333 - إذا جاءَتِ السَّنَةُ جاءَ مَعَهَا أَعْوَانُهَا
يعني الجراد والذباب والأمراض يعني إذا قَحِطَ الناسُ اجتمع البلايا والمحن
كتاب مجمع الأمثال
1680 - رَأْسٌ لِشَوْرٍ ما يُطارُ نُعرَتُهُ
شَوْر : اسم رجل والنُّعَرة : ذباب يتعرض للحمير وسائر الدواب فيدخل أنفها
يضرب لمن أصَرَّ على جَهْله فلا يزجره زجر ناص
كتاب خزانة الأدب
ذكر سلامة الاختراع وقده باختراع سالم الف ... يبدو بترويسه من رأس كل كمي
هذا النوع أعني سلامة الاختراع هو أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق إليه كقول عنترة في وصف الذباب
وخلا الذباب بها فليس بنازح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
هذا المعنى إذا تأمله المتأدب وتخيله في فكره يجده غريبا في بابه فإنه قال إن هذا الذباب لما خلا بهذه الروضة التي أعاد الضمير إليها في قوله بها صار هزجا مترنما يحك ذراعه بذراعه من الطرب الذي اعتراه فشبهه عنترة برجل أجذم قاعد يقدح زنادا بذراعيه والأجذم المقطوع اليد والتقدير في البيت قدح الأجذم المكب على الزناد انتهى