**** * * الجغرافيـا التاريخيـة للعمـران في دولة الإمـارات العـربية المتحـدة
منتديات الوزير التعليمية Arabic Minister Forums, Educational and Networking - Alwazer
  • شبكة
  • منتديات
  • ديوانية
  • منتدى
  • اخبار
  • اسلام
  • تفسير
  • دراسات
  • برامج
  • مقالات
  • قصص
  • علمية
  • ايقونات
  • دليل
  • حواء
  • مطبخ
  • عالم حواء
  • العاب
  • موسوعة
  • برمجيات
  • اطفال
  • شعر
  • دروس
  • توبيكات
  • صحة
  • قنوات
  • بلدان
  • نكت
  • الثقافة الجنسية
  • مشاهير
  • أسرة
  • جن
  • فيديو
  • معاني
  • متفرقات


  • الجودة الشاملة | قضية | شخصية | تخطيط | موارد بشرية | مبتعث | إدارة مدرسية | خطة مدير | خطة | التربية الإسلامية | اللغة العربية | علم | رياضيات | كيمياء | اجتماعيات | E | صفوف أولية | رياض أطفال | نشاط مدرسي | موهبة | برنامج | مطويات | خطة مدير تشغيلية |

    الموضوع: الجغرافيـا التاريخيـة للعمـران في دولة الإمـارات العـربية المتحـدة

    الجغرافيـا التاريخيـة للعمـران في دولة الإمـارات العـربية المتحـدة على الرغم من أن الأبحـاث الخاصة بالتاريـخ القديم لدولة الإمـارات محدودة عموماً ، إلا أن النتائج الأثرية الخاصة بالعمران القديم محدودة


    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
    النتائج 1 إلى 3 من 4
    1. #1
      رَئِيّسْ مَجّلِسْ اَلوُّزَرَاءْ
      الصورة الرمزية رياض الفراشات
      الحالة : رياض الفراشات غير متواجد حالياً
      رقم العضوية : 119087
      تاريخ التسجيل : 9/10/2008
      مجموع المشاركات: 17,019
      مجموع المواضيع: 9591
      البلد: المملكة العربية السعودية KSA
      المدينة: الشرقية
      المؤهل التعليمي: بكالوريوس جامعي Bachelor
      الوظيفة: إدارية تربوية
      نوع المتصفح: موزيلا فايرفوكس FireFox
      نوع الجوال: آيفون i Phone
      الخبرة في الانترنت: سنة واحدة
      أوصلني إلى المنتدى: أخي Brother
      الجنس: أنثى Women

      alwazer

      الجغرافيـا التاريخيـة للعمـران في دولة الإمـارات العـربية المتحـدة


      على الرغم من أن الأبحـاث الخاصة بالتاريـخ القديم لدولة الإمـارات محدودة عموماً ، إلا أن النتائج الأثرية الخاصة بالعمران القديم محدودة للغـاية ، ومع ذلك فهي كافية لتأكيد أنّ المنطقة عـرفت الاستقرار والحضارة منذ زمن موغل في القدم . وتفتـرض " كـاي Kay " أن السكان قد عمروا أرض الإمـارات خلال فترة مناخيـة رطبـة والتي استمرت ما بين 9000-6000 سنة سـبقت ، ويدل على ذلك العـديد من الآثـار التي وُجدت عند حضيض المناطق الجبلية . وهناك دلائل على بداية ارتباط العمـران القديم بالسواحل في العصور الحجرية والمعدنية ، على الرغم من تذبذب خط الساحل الذي قضى على كثير من الآثـار الدالة على ذلك ، ومعظم المحال كانت محال صيد ترجع لحوالي 6000-7000 سـنة مضت ، وبعد هذا التاريخ وحوالي 2000-3000 سنة مضت كان سطح البحر أكثر ارتفاعاً عنه الآن بحوالي متر واحـد ، وامتدت الكثبان الرملية على طول خط الساحل ، وبين الكثبان والبحر انتشرت اللاجونات والخلجان ، التي ملأتهـا الرواسب وتمثلها السبخات الحالية . وقد وفرت هذه اللاجونات موانئ ومرافئ لقوارب الصيد ، وزودت السكان بالغذاء البحري ، كذلك كانت غنية بأشجار المانجروف ، وهي مصدر مهم للوقود والخشب اللازم للبناء ، كذلك زودّت الإنسان بأنواع الحياة البرية التي كانت غنية بها .
      أمـا سكان المناطق الداخلية فقد أثر توافر الماء في اختيار مواضع العمران ، وهكذا حظيت مواضع ، مثل الواحات ومقدمات جبـل حفيت ، بمراكـز عمرانية سكنت منذ أكثر من 5000 سنة ، وفي هذه المواضع توجد أقدم المقابر الأثرية . وهنا بالداخل اختلفت القاعـدة الاقتصادية للعمران عنها في المناطق الساحلة حيث مجتمع الصيد ، وكان لسكان الداخل تركيبهم الاجتماعي لخاص بهـم ، وروابطهم التجارية ، وعرفوا الزراعة ، ويؤكد ذلك آثار منطقة هيلي شمالي مدينة العين التي ترجع للألف الثالثة ق.م. حيث عرفوا زراعـة الحبوب ، وهو ما يغير الآراء السابقة عن معرفة الزراعة في شبه الجزيرة العربيـة التي اعتـاد الأثريون استثناءها من هـذا النشاط .
      وقـد كان العمران القديم معاصراً له في بعض مناطق الخليج العربي الأخرى ، ولاسيما في البحرين ، حيث قامت مملكة بحـرية قديمة هي " ديلمون " منذ حوالي 5000 سنة مضت . وقد ارتبط العمران أساسـاً بالجزء الشمالي من البحرين دائماً . ومراكز العمران مثل هيلي تثبت أنها بنيت من اللبن ، وكانت جودة في التنظيم ، بل إن بعضها قد احتوى على " المجلس " الذي لا يزال ملمحاً عمرانيـاً معاصراً حتى الآن في مباني الإمـارات ( أحد المنازل في محلة هيلي القديمة وصلت مساحته إلى 250 متراً مربعـاً ، وتكون من 9 غرف – راجع دائرة الآثار والسياحة – العين ص 8 ) ، كذلك بالمنازل شرفات ، ودرج يؤدي إلى السطح . ومقابر جبل حفيت ترجع إلى 3000 سنة ق.م. وهي أدلة على عمران العصر الحجري وكانت مقابرهم تلالية مما يدل على تأثرهم بالسومريين . وقد عملت مراكز العمران في الإمارات كمراكز تجارية مهمة ربطت بين السند وفارس وميزوبوتاميا ، وقد برع السكان في ركوب البحر كذلك ، ويرى بعضهم أن منطقة أم النار (قرب أبوظبي الحالية ) ربما تكون إحدى المحطات التجارية القديمة ، التي كان يحمل إليها النحاس قديماً من جبال عُمان على ظهور الجمال ، ويلاحظ أن آثار الجمال في مستوطنة أم النار أقدم الآثار الدالـة على استئناس الجمل في المعالم ، وكانت منازل أم النار من الحجارة وترجع إلى حوالي 4500 سـنة مضت .
      وتدل الدلائل الاركيولوجية على وجـود مواضع بالمنطقة الشرقية من الإمارات عرفت استخدام المعدن منذ سنة 2000ق.م. إضافة إلى وجود دلائل على تحول السكان للبداوة بسبب تدهور مستوى الماء في الآبـار ، وزحف الرمال ، وواكب ذلك استئناس الجمل فعضد ذلك الحياة البدوية . ولذلك فالآثار المنتمية للألف الثاني ق.م مثل التي وجدت في القطارة قرب مدينة العين ، والقصيص قرب دبـي ، كانت أقل دقة من سـابقتها ، وتشمل البقايا الأثرية لهذه المدة صناعات معدنية نحاسيـة ، وأدوات ، مثل فأس برونزية ، ترجع من حيث العمر إلى حوالي الألف الثاني ق.م. في منطقة هيلي .وتشير الدلائل كذلك إلى وجود محلة عمرانية مهمة في موضع " شمل " في إمـارة رأس الخيمة ، وهي دليل نادر من أدلة العمران في الألف الثانية ق.م. والمحلـة مستطيلة الشكل ، وهناك دلائل على شغل الموضع الاستراتيجي ، ويطل على واد خصب . وبالقرب من شمل كان يمتد الطريق التجاري الذي يصل إلى ميناء مهم قريب هو جلفار (Julfar ) ( قرب رأس الخيمة الحالية ) . وقد اكتشف العلماء في الموضع أدلة على ارتفاع معدل وفيات الأطفال من ناحية ، وعلى انخفاض أمد الحياة لدى الإناث عنه لدى الذكور على عكس الحال في الوقت الحالي في العالم أجمع ، وقد دعم العمران معرفة نظام الأفلاج في منطقة جبال الحجر ، ويعتقد أنه عرف عن إيران خـلال الألف الثاني ق.م. حيث عـرفة سكان جبال البـرز في إيـران .
      وكلمـة " فلج " مشتقة من اللغة السامية ومعناها التفرع والانقسـام . ومن الآثار التي ترجع إلى العصر الحديد قرية قديمـة في منطقة الرملية قرب العين ، حيث وجد هناك مستويان للعمران يرجعان عموماً إلى ما بين 1695ق.م. – 600ق.م. كذلك وجدت في الهيلي آثارٌ ترجع إلى النصف الأول من الألف ق.م. ذات منازل جيدة حتى إنهـا تبدو للناظر كما لو كانت قد شيدت من عقد أو عقدين من الزمان فقط ، وقد وجدت بها بعض آثار العنف الذي قد يكون سبب هجرها حوالي سنة 500 ق.م .
      وفي العصر الإغريقي الروماني هناك عديدٌ من الأدلة العمرانية تتمثل في القلاع والأبراج المستديرة ، ومثالها قلعة الدور في أم القيوين ، وقد ساعد على العمران آنذاك في القرن الثالث ق.م. أهمية " جرهـا " واستخدم العرب ذلك الموضع كمستودع غربي للتجارة مع الهند ، ولذلك ساعد ذلك النشاط التجاري على نشأة عدة مدن في ساحل الخليج العربي للإمـارات في الشارقة وقرب رأس الخيمة .
      وتشير الفتـرة الهيلنستية إلى أحد المواضع المهمة عند ساحل أم القيوين حيث موقع ميناء مهم يعرف اليوم باسم عربي هو "الدور" . وتدل الشواهد على أن الموضع العمراني للمدينة كان يمتد إلى حوالي (كيلو مترين ) ، ووجدت بها آثارٌ من فارس وروما والدولة النبطية في شمال الجزيرة العربية ، عملات معدنية أيضاً ، ظهرت من محلات هذا العصر " جرها " التي يعتقد بأن موضعها في مكان ما شرقي الجزيرة العربية و"الدور" أيضاً وما يعنينـا بشأن "الدور " الواقعة في منطقة الدراسة أن التجارة الدولية المتنامية في زمنها أثرت في نموها واتساعها ، وقد ارتبطت الدور بموضع داخلي مهم عند مليحة ، وذلك على طريق القوافل المهم على طول الجانب الغربي لحضيض جبال الحجر ، وفي منطقة ذات ماء جوفي قريب من سطح الأرض ، وكانت " مليحة " مدينة عامرة كبيرة منذ أكثر من 2000 عام مضت ، وقد اكتشف موضعها سنة 1970 ، وفيها قصر كبير من اللبن والعديد من الآثار الدالة على النشاط التجاري بينها وبين جزر أورس ، كذلك دلائل على أن ملحة كانت بوابة إلى داخل عمان .
      أمـا في العهد الإسلامي وما قبله ، فقد كان موضع "دبا " أهم المواضع العمرانية ، وقامت بها سوق كبيرة للعرب قبل الإسلام على درجة كبيرة من الأهمية ، وتنافست مع سوق "صحار" في عمان ، وكان يأتي للسوق تجار من الجزيرة العربية والصين والهند . وعملت دبا منذ ما قبل الإسلام كمنفذ لتجارة القبائل العربية التي سكنت المناطق الداخلية ، وقد اتخذت هذه القبائل من " توام " (قرب العين ) عاصمة لها . وكانت السلع المتداولة في دبا وغيرها متعددة ، بعضها يأتي من الخارج ن ومن أهمها اللبان و " الضجاح " وهو ينتج صمغاً أبيض اللون يستخدم في تنظيف الملابس وشعر الرأس ، وكذلك سلع " الطلوق " و " التامول" وله طعم وميزات القرنفل وأيضاً الزنجبيل والتمر هندي ، وقد أشار الطبري في العهد الإسلامي أيضاً إلى " جلفار " قرب رأس الخيمة ، ووردت في الكتابات الإسلامية منذ سنة 76هـ، وما بعدها وازدهرت زمن سيطرة البرتغاليين على الخليج في القرن 16م . وجاءت شهرتها من التجارة البحـرية وتجارة اللؤلؤ. وقد سجل "لوريمر" العديد من دلائل العمران ومراكزه في الإمارات ، وذلك في دليله الشامل عن الخليج . وقد أصبحت الأخوار دائماً طوال تـاريخ الإمارات من أهم مناطق الجذب العمراني حتى العصر الحديث . والصورة توضح ارتباط العمران التقليدي بالأخوار المائيـة .
      الفصــــل الثـاني
      العمـران التقليـدي والبيئـة الجغرافيـة
      في معظم بلدان العالم توجد ثنائية عمرانية ، أحد طرفيها البناء القديم الذي يُعد انعكاساً لمعطيات البيئة الطبيعية ، التي يعيش فيها السكان في بلد معين أو جزء منها ، والطرف الثاني نمط البناء الحديث الذي شاع في كل أرجاء العالم بعد اكتشاف العديد من مواد البناء الحديثة العملية بالفعل ، ولكن قد لا تتمشى مع ظروف البيئة ، وعلى ذلك هددت الأخطار هذا العمران التقليدي ، الذي يُعد بالفعل جزءاً من التراث الحضاري لشعب ما ، وأبدى العديد من الكتّاب ومنهم الجغرافيون ، حرصهم على ضرورة الحفاظ على هذا التراث ودراسته واستخلاص الدروس المستفاده منه ؛ لأنه يتمشى مع ظروف البيئة الطبيعية والبشرية . وكما يذكر "ديكن، وبيتس" فإنّ المساكن بوجه عام. على الرغم من أنها تمثل مظهراً متغيراً إلاّ أنها مرتبطة بطبيعة الأقاليم ؛ إذ إن طابعها مرتبط بالبيئة وبالتراث الحضاري للسكان الذين شيدوها . ولذلك لتعبير عمارة تقليدية أو عامة (Traditional or Vernacular) ، فيها إشارة لنمط عمراني خاص بمنطقة معينة ، بدوره تطور من خلال استخدام مواد بنـاء محلية وأساليب محلية أيضاً ، وهي بالقطع تعطي حلولاً لكثير من مشكلات البيئة في المنطقة الموجودة بها . وأحياناً يطلق على ذلك النمط العمراني التقليدي تعبيد العمارة المحلية (Domestic Architecture )، إشارة إلى ارتباط نمطها بمنطقة جغرافية دون غيرها . ومن أهم الأمور عند معالجة العمران التقليدي معرفة ارتباط الطراز العمراني بفترة زمنية معينة ، وتأثر الطراز ببعض التأثيرات الوافدة كما هي الحال في منطقة دراستنا ، ويكون ذلك مهماً حيث تكون منطقة العمران التقليدي عرضة للتأثيرات الأجنبية ، وقد لاحظ ذلك "نوبل " في دراسته لتطور عمران القرن التاسع عشر وتصنيفه في ولاية أوهايو الأمريكية .
      وأشكال البناء المحلية هذه على مستوى العالم أجمع تؤثر فيها ظروف البيئة الطبيعية والبشرية ، ومن هنا جاء الاختلاف بين نمط عمراني تقليدي من منطقة لأخرى . ولعلّ عنصر المناخ أكبر العناصر المؤثرة طبيعياً في العمران التقليدي ، في الماضي خاصة ، فمساكن قبائل الطوارق في الصحراء الأفريقية ليست لها مواد بنـاء ثابتة نظراً لظروف المناخ وطبيعة حياتهم القبلية المتنقلة ، لذلك كانت الخيمة المحمولة والحظائر الخفيفة التي تصنع من قوائم من الأغصان وغطاء منسوخ من مواد محلية تؤمن الظل طابع عمرانهم غير الدائم ، ومثل ذلك يصنعه بدو الصحراء كما سنرى عند حديثنا عن مساكن البدو في الإمـارات ، وحيث يتوافر الطين كمادة بناء نجـد أنه يستغل بكفاءة وينتج السكان أنماط بناء تقليدية منه ، ويعالجونها لتفي بالغرض ، ولتقلل من تأثير نقص الأخشاب في البيئة أحياناً كما عند الهوسا في شمال نيجيريا ، فنجد العديد من مساكن مدينة " كانو" معقودة (Vaulted ) لتقليل استخدام الأخشاب النادرة في البيئة المحلية في البناء ، ومثل ذلك فعله سكان النوبة القديمـة في مصر وشمال السودان ، وهو ما وجد في بعض المباني الدينية أيضاً في الإمارات ، مثل مسجد البديـة .
      وفي بعض المناطق الجبلية طورت طرق بناء لها قابلية كبيرة في مقاومة الزلازل ، وبالمقارنة مع دولة خليجية أخرى هي العراق نجد أنّ البيئـة الجغرافية أنتجت هناك في الجنوب خاصة شكلاً عمرانياً محلياً خالصاً ، وهي المساكن المصنوعة من الغاب العملاق في المستنقعات ( giant March read ) ينمو بارتفاع 7 أمتار ، وكل ساق تعد وحدة بنائيـة تستطيع حمل وزنها وتتمايل مع الريح دون أن تنكسر وتحزم معاً ، مكونة إطاراً بنائياً مهمـاً .
      وبعض المنازل المصنوعة من هذه المادة المحلية التقليدية قد تكون بطول 25 متراً . ومثل ذلك نجـده في المناطق الرطبة التي يسود فيها نبات البامبو. وفي العالم الجديد وجدت أشكال عديدة من البناء التقليدي لدى جماعات الانكاو الأزتك . وترى ( Denyer ) أن كل محلة عمرانية في أفريقيا هي حل دقيق متوازن لمشكلة سكنية ، وتستحق أن تكون محل نظر لكونها انعكاسـاً مادياً لطريقـة حياة السكان ، وهناك بعض التشابه في طابع العمارة التقليدية في الإمارات والخليج عامة وطابعها في شرق أفريقيا ، حيث كان على المنازل والمباني أن تؤمن الحماية وتفي بحاجات التجارة الناميـة أيضاً وفي الحالتين بنيت من الحجر المرجاني الفخم الموجود في البيئة . ولعلّ طراز مساكن البحر المتوسط ذات الفنـاء من أوسع طرز البناء التقليدي لما يؤمنه من ملاءمة مع المناخ وتقديم الخصوصية ( Privacy ) للسكان .
      ولعلّ نمط العمران التقليدي في المناطق الجبلية في منطقة الدراسة وفي أفريقيا وكثير من جهات العالم الجبلية نمط فريد لما يقدمه من حلول طبيعية وبشرية ، فمن حيث مادة البناء يطغى عليه استخدام الحجر المتوافر محلياً ، وبالنسبة للنواحي البشرية يؤمن الحماية والعزلة ، وهو ما يمكن أن نلحظه في كثير من مناطق العالم حتى اليوم ، ولذلك بقيت أحياناً قبائل ضعيفـة في هذه المساكن التقليدية في مواجهة قبائل أقـوى منها . وهناك أمثلة عديدة للبناء التقليدي في الجبال ، لعلّ من أهمها مساكن النوباويين في تلال النوبا في السودان . والعمران التقليدي يتميز بوحدة النسيج العمراني وتكيفه مع البيئة إذا كان السكان من عنصر واحد متجانس ، كما هي الحال في الخليج . أما إذا تعددت العناصر العرقية فإنّ ذلك قد ينتـج أشكالاً " من العمران التقليدي المحلي ، وقد لوحظ مثل ذلك في جزر كارولين ، كذلك اختلاف الأعراق والثقافات والمستويات الحضارية قد تهدد العمران التقليدي ، فقد لوحظ عند غزو اليابان لجزر كارولين أنهم شجعوا إزالة المساكن التقليدية ؛ لاعتقادهم أنها غير صحية وتحيط بها مخاطر المرض ، في حين كانت هذه المساكن تلبي حاجات السكان المحليين كافة . ويلاحظ على العمران التقليدي في جزر كارولين استخدامها بكثافة لمنتجات النخيل في البنـاء ، وهو ما يشابه الوضع في العمران التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة تماماً ، مع فارق هو أن النخيل المستخدم في منطقة الخليج نخيل البلح ، وهذا المستخدم في جزر كارولين نخيل جوز الهند ، كذلك الحال في المنطقتين ، فكان العمران التقليدي أكثر محلية وأقل تأثراً بالمؤثرات الخارجية كلما ابتعد عن مصادر التأثير الأجنبي وتميز بالعزلة الجغرافيـة ، وهو ما يبدو في منطقة الدراسة عند المقارنة بين الأشكال البسيطة البناء في المناطق الجبلية والمنعزلة من ناحية ، وتلك التي تحتل مواضع ساحلية ، حيث كانت الجهات الساحلية مفتوحة للمؤثرات الأجنبية بتأثير التجارة والأسفار البحرية منذ القـدم من ناحية أخرى .
      والخلاصة أن دراسة العمران التقليدي في بيئة جغرافية معينة تحاول استخلاص المعلومات عن أبعاد هذا العمران التقليدي وما يتضمنه من أفكار خلاّقة ، وحلول لمشكلات السكن في بيئة معينة ، وهو ما يتعرض الآن للاندثار مع انتشار الأفكار الحديثة والمواد الصناعية ، إلى درجة أنـه أصبح أثراً بعد عين في كثير من البلدان التي اندمجت بشدة في البناء الحديث ، كما أن بعض المناطق التقليدية قـد جرى هجرها والرحيل عنها ، ولذلك فدراسة العمران التقليدي تسجيل لبعد من أبعاد الجغرافيا الحضارية في بيئة جغرافية معينة .

      الفصـل الثالـث
      الضـوابط البيئيـة لعمـران التقليـدي في دولـة الإمـارات العربية المتحـدة
      ارتبط العمـران القديم كما رأينا في التحليل السابق بعوامل بيئيـة عديدة بعضها طبيعي وبعضهـا بشري ، وفيما يأتي نوجز أ÷م هذه العوامل المؤثرة في العمران التقليـدي .
      أولاً - الضوابط الطبيعية وتمشل عدة ضوابط كما يأتي:
      ( أ ) التركيب الجيولوجي:
      يُعـد هذا العامل ذا أهمية كبيرة في العمران في دولة الإمـارات ، حيث ارتبط العمران منذ القدم ببعض المواضع التي لهـا ميزة خاصة من حيث التركيب الجيولوجي ، فارتبطت المواضع العمرانية بتراكيب جيولوجية معينة تساعد على تفجر الينابيع ووجود الآبار ، كذلك حيث سمحت الطبقات بشق " الأفـلاج " ، وهي أساس قديم من أسس الزراعة ، ووجدت في جبال الحجر منذ الألف الثاني ق.م ، وهي لا تشق إلاّ حيث يمكن إنشاء نفق صناعي ، يمتد أفقياً في الطبقات الصخرية الحاملة للمـاء الباطني ، وهو ما لا يمكن تنفيـذه في الطبقات كافة .
      وترتبط الواحات ، بحكم كونها منخفضات ، بالتركيب الجيولوجي الذي يسمح بالحصول على الماء الجوفي بسهولة وعلى أعماق قريبة نسبياً من المناطق المحيطة بها ، كما هي الحال في واحات العين والذيد وغيرهما ، ومن ثمّ ارتبط العمران بهذه الواحات منذ القدم ، ومما يدل على ملاءمة مناطق جيولوجية معينة لتوافر الماء أنّ الدلائل الأثرية أشارات إلى هجر بعض المواضع بعد انخفاض مستوى الماء الجوفي بها ، وتحرك السكان إلى أماكن أخرى أوفر مـاء. كذلك لعبت أنواع الصخور دورها في العمران التقليدي ، فبعض الأنواع كالصخور الجيرية ، شجعت وعضّدت العمران ؛ لاحتوائها على الماء وسهولة تشكيل الحجر الجيري في البناء ، بينما نجد الصخور البركانية والنارية الصلدة في جبال الحجر بالمنطقة الشرقية أعاقت العمران ، ولذا حظيت المناطق الأولى عادة بمواضع تاريخية للاستقرار البشري ، مثل منطقة جبل حفيت بالعين . وكان لوجود بعض المعادن ، وبخاصة النحاس في جبال عمان ، أكبر الأثر في وجود دلائل عمرانية من عصر المعدن ، وعلى وجود تجارة نامية عرفتها الإمارات مع مناطق أخرى كان عمادها معـدن النحاس .
      (ب‌)السطح والظاهرات الجيومورفولوجيـة :
      ارتبـط العمران تقليدياً في الإمارات منذ البداية بمناطق السهول والمنخفضات كما رأينـا ، وأثر في هذه المواضع تغيرات خط الساحل ؛ إذ إنّ الجبهة الساحلية جذبت الاستقرار البشري دائماً ، وعرفت بعض مواضع تاريخية كان عمادها الصيد البحري . وقد أثر تغير خط الساحل في كثرة هجر مواضع ، والاستقرار في مواضع جديدة تكون بمنأى عن الغمر والغرق وملائمة أكثر للمعيشة ، ولذلك اختفى العديد من المواضع التي وجدت بجوار خط الساحل ، وكثرت المواضع المفقودة التي لا يمكن تتبعها بعد تعرضها لترسب الرمال البحرية وضياعها تحت السبخات الحالية ، ومثل ذلك مدينة "الدور" التي أُشير إليها قبلاً ، وكانت معظم المحال تنشأ على خلجان وأخوار ( Greeks ) ليست ثابتة المجرى ، فتتعرض لفعل الرياح والأمواج وتطمرها الرواسب. ويؤثر عامل التضاريس أيضاً في اختيار الموضع ، وكان ذلك في القديم كما هو في الوقت الحاضر ، وصورة (2) توضح صعوبة السطح في مناطق الوديان الجبلية ، مما يؤثر في اختيار مواضع آمنة للعمران في المناطق المعرضة للخطر وقت جريان هذه الوديان ، وتتخير مكاناً مرتفعاً ؛ لتكون بعيدة عن فعل السيول والفيضانات التي كثيراً ما يجلبها الوادي ، كذلك ساعدت بعض المظاهر التضاريسية العمران التقليدي بكثرة الوديـان التي تشق الجبال ، وتكون قيعانهـا وجوانبهـا مناطق صالحة للزراعة والاستقرار ، وساعد ذلك على تنـوع النشاط بين الزراعة في السهول كما في سهول الباطنة الزراعية بالمنطقة الشرقية ، وحرفة الرعي على السفوح والروابي كما هي الحال عند قبائل "الحبوس والشحوح " ، والجمع بين الرعي والزراعة كما في منطقة السهل الحصوي الداخلي إلى الغرب من الجبال الشرقية (جبال الحجر ) ، وهو بعرض من 25-35كم. أما بقيـة الأراضي فتغطيها هضبة صحراوية رملية ، تشغل 80% من مساحة البلاد (1) وهذا الوضع التضاريسي جعل هناك تباينـاً في إمكان قيام العمران في المناطق المختلفة ، إذ لا يوجد في المنطقة الأخيرة سوى بعض مناطق الواحات كالذيد وفلج المعلا ، وحتى واحات العين ، وكانت سهولة استغلال المعادن في جبال الحجر من أسباب تدعيم العمران كما رأينا وبخاصة في منطقة وادي قور في الجبال الشرقية من دولة الإمارات . وسبق أن لاحظنا أن العمران تأثر نمـوه في الألف الثانية ق.م ، بزحف الرمال وانخفاض مستوى الماء الجوفي ، مما أدى إلى طمس بعض المواضع ، وأيضاً طمس بعش طرق التجارة بين العين وأم النار (قرب أبوظبي ) ، وكانت طريقاً تقليدية للتجـارة القديمـة .
      (ج) العـوامـل المناخية والنبـاتية :
      كانت استجابة العمران التقليدي في الإمارات واضحة جلية منذ القدم حتى الوقت الحاضر ، فقد عمل السكان دائماً على تقليص التأثير المناخي القاسي في منطقة الخليج بابتداع منازل ذات تصميم يصمد أمام العوامل المناخية ، ولاسيما الحرارة الفائقة والرطوبة المرتفعة ، وهو ما نجد له مثيلاً في العديد من جهات العالم المماثلة . ففي ولاية كلورادو الأمريكية نجد منازل تقليدية طينية (من اللبن)، تكون فيها الحوائط والجدران مزدوجة (Double wall) ، ويكون كل حائط بسمك 6 بوصات ، يفصل بينها 4 بوصات للهواء وفي دولة خليجية قريبة من الإمارات هي البحرين ، ولها الخصائص المناخية نفسها ، نجد أن عناصر المبنى وتركيبه تشيد لتقاوم المناخ القاسي صيفاً ، فتكون فتحات الطابق الأرضي ضيقة ومرتفعة للاحتفاظ برطوبة داخل المنزل إلى أقصى حد ، كذلك تتم حماية النوافذ والفتحات بسواتر خشبية حماية لها من أشعة الشمس ، وكل خطة المنزل البحريني التقليدي موظفة للحماية من المناخ ويحدث مثل ذلك في دولة الإمارات مع وجود تباين من منطقة لأخرى في الاستجابة لعنصر المناخ ؛ فمساكن المدن الساحلية تبدي مقاومة للمناخ عن طريق الجدران السمكية وإنشاء " البراجيل " في المباني ، كما أنّ تخطيط المنزل من الداخل يعكس الرغبة في تقليل تأثير الحرارة من خللا تنظيم أجزائه المختلفة .
      أما في المناطق الداخلية ، فتتجلى الاستجابة في استخدام المواد البنائية الخفيفة المحلية التي تسمح بالحصول على أكبر قدر من تلطيف الجو ، كما يبدو ذلك في تبني السكن والإقامة صيفاً في منازل تقليدية من نوع العشش ، منها العريش ، والخيام وما إلى ذلك. وفي الجبال يعوض الارتفاع عن شدة الحرارة ، وتقل على المرتفعات ، وتأخذ المساكن التقليدية أشكالاً مشتقة من البيئة الجبلية ، وهكذا نجد تنـوعاً بحسب طبيعة كل منطقة بالإمارات . ونجد مثل ذلك التنوع في المسكن التقليدي في دولة عربية أخرى تتميز بتنوعها الجغرافي كالإمارات على الرغم من صغر مساحتها ، هي لبنان ، إذ نجد أن المناطق الساحلية والرطبة يسودها مساكن لها خاصية الامتصاص والعزل الحراري وتقليل التفاوت الحراري بين النهار والليل ، كذلك يُسمح في تخطيط المنزل الاستفادة بالجبهة البحرية وتسهيل التهوية العرضية ( Cross – ventilation ) ونجد مثل ذلك في الإمارات ويضاف إليه وجود التهوية الرأسية أيضاً .
      ( Vertical ventilation ) عن طريق ما يُعرف "البراجيل" التي سندرسها تفصيلاً عند الحديث عن التركيب الداخلي للمسكن التقليدي في الإمارات ، وهذه سمة تكاد تميز العمارة الخليجية الساحلية عموماً . وقد نهضت مثل هذه الوسائل الطبيعية في تقليل آثار المناخ الحار ، إلى درجة أن بعضهم يرى أن منطقة مثل منطقة البحر المتوسط ذات المنازل المصممة للتعامل مع المناخ بصورة طبيعية , لا حاجة لها إلى أنـواع التكييف الصناعي الشائع اليوم . وقد فطن سكان السواحل في الإمارات إلى أهمية اختيار مواد البناء ، ومن ثم فهم يبنون بيوتهم بأحجار المرجان في المدن والريف ، وأيضاً بالطين واللبن وهي مواد تحقق التلطيف الأمثل صيفاً وشتاء ، وتحفظ للمنازل حرارتها المقبولة ، نظراً لخاصية المواد سالفة الذكر . لذا فإنّ تصاميم المنازل التقليدية في الإمارات بأنواعها قد راعت التكيف مع الرياح السائدة صيفاً وشتاءً ، وصممت مساكن للشتاء وأخرى للصيف ، وعادة ما يطلق تعبير منازل " المقيض" على مساكن الصيف ، ومنازل " المشتى" على مساكن الشتاء . ومعظم المساكن التقليدية في الإمارات تُراعي فيها أن يكون السقف مرتفعاً ؛ ليتحقق للمسكن أكبر قدر من الراحة ، وبخاصة في الفصل الجاف الحار ، وتميز المنزل لذلك بجوه الداخلي الرطب الرحب لارتفاع الأسقف ، والتي هي ذاتها من مواد بنائية كالخشب والجريد والحصر في صورة طبقات يعلو بعضها بعضاً ، فتساعد في العزل الحراري . ومثل هذا الأسلوب يتبع في مناطق أخرى من العالم ، حيث توجد مساكن تقليدية ترجع إلى القرن التاسع عشر كما هي الحال في جنوب ولاية أوهايو الأمريكية التي تُبنى دائما مرتفعة الأسقف ، وقد استمده السكان هناك من ولايات أكثر جنوبية مثل فرجينيـا .
      ولما كان المناخ مؤثراً في النبات ، فقد لعبت النباتات دورها في العمران التقليدي ، وكان عدم وجود ثروة نباتية خشبية غنية أحد أسباب اتجاه معظم المساكن التقليدية إلى الاستفادة من البدائل المتاحة ، ويأتي على رأسها أشجار النخيل التي استخدمت بكفاءة بالغة في أجزاء المسكن وبخاصة كدعائم وفي الأسقف ، وكذا استخدم الجريد أو ما يطلق عليه محلياً اسم (الدعن)، ومع نشاط التجارة الخارجية عرف السكان الخشب المستورد ، الذي يطلق عليه محلياً (الجندل) ، واستوردوه من الهنـد وشرق أفريقيا وإيران وباكستان ، كذلك استوردوا مواد نباتية أخرى لازمة لعمران التقليدي ، وبخاصة ما يعرف " بالباستيل" أو الباسجيل من جنوب العراق ، حيث الأخوار والمستنقعات التي تلائم نموه ، وهو شبيه بالغاب أو البامبو ، وتشق الواحدة شريحتين لتستخدم في الأسقف وليس معنى كثرة استيراد هذه المواد أن المواد المحلية لم تستغل ، إذ إنّ النخيل يكاد يكون واسع الشيوع في أبعاد العمران التقليدي كافة حتى في المدن ، يُضاف إلى ذلك أن الثروة النباتية المحلية من السبخات والأخوار والسواحل تلك الموجودة في منطقة "كلبا" خاصة المليئة بأشجار " المانجروف " أو القرم الذي له ميزة وخاصية استصلاح الأراضي ، قد جرى استغلالها منذ القدم بكفاءة كبيرة ، واستفاد السكان منها في البناء ، واستغلوها كوقود ، وكانت مصدراً لغذاء الطيور ، التي بنت أعشاشها عليها . كذلك أنتـج السكان منها بعض الأصباغ .
      أمـا الثروة العشبية ، مثل نبات " النص" فاستغلت كغذاء للجمال وبقية الحيوانات . أما الأنواع الشجيرية فيستفاد منها كوقود أكثر منها للبناء، أما فروعها الدقيقة فاتخذوها غذاء للحيوان ، ومن ذلك نباتات الكرى والسبط والعلنا والضرم والهرم والرفلة والعراد والأرطة والعبل. أما الأشجار فعديدة بالإمارات ، وقد تصل في ارتفاعها إلى 6 أمتار وبخاصة في شمال شرق البلاد وجهاتها الشرقية ، ومن أكثرها انتشاراً السمر والغاف والأشخر والسدر والغضا والجز والأثب والشريش والسلم والشوع. ويعد الغاف أضخم أشجار الإمـارات .
      وتـرى (كاي Kay ) أن شجرة المانجروف مثالية لما أوردنا سابقاً من خصائصها فضلاً عن كونها تصلح في صناعة بعض صواري القوارب ، ولا تزال تستخدم في البناء التقليدي إلى اليوم ، وقد وجدت بقايا نباتية قديمـة في مواضع عمرانية أثرية في منطقة "هيلي" تنتمي إلى العصر الحديدي ، مما يدل على قدم أهميته للبناء في منطقة الدراسة . ولا تزال النباتات تستخدم في المنازل التقليدية حتى اليوم كعامل ملطف لدرجة الحرارة . وتوجد شجرة واحدة على الأقل في فناء كل منزل ، والصورة (3) توضح منطقة عمران تقليدي تسودها الأشجار داخل الأفنيـة .
      ثـانيـا – الضوابط البشـرية وهـذه تشـمل :
      ( أ) - الأبعـاد الاجتماعية والقبليـة :
      كانت هذه الأبعاد ذات تأثير طاغ في العمران والبناء التقليدي في الماضي ، فبالنسبة لكل قبيلة في الصحراء كان لها منطقتها الخاصة ، التي لا تستغلها قبيلة أخرى ، ويطلق على هذه المنطقة "ديرة " القبيلة ، وبالتالي فلها وحدها حق إقامة السكن والرعي بها ، وقد انتقلت تسمية " ديرة " هذه ، واشتقت من النظام البدوي ، لتصبح من معالم المدن أيضاً ، ففي مدينة دبـي نجد " ديرة دبي " .
      كذلك حكم العمران البدوي المتنقل وشبه المتنقل عادات قبلية صارمة تنظم وضع " بيوت الشعر " ، وهي سكن البدو أساساً ، ووضع خيمة رئيس القبيلة بين بقية الخيم ، وموضع العمران بين بقية الخيم ، وموضع العمران البدوي بعيد عن مصدر الماء شتاء وفي الصيف لابد من الاقتراب بوحدات السكن من مصدر الماء ، وهكذا . وأثرت العادات البدوية في تفضيلهم السكن في وحدات متنقلة أساساً تناسب الطبيعة التي جبلتها عليها ، وكان إهمال بعض هذه التقاليد القبلية أحد أسباب عدم نجاح بعض مشروعات توطين البدو الرحل بعد ظهور البترول ، ونجحت المشروعات حين استمدت بعضها أبعـاداً مستقاة من حياة البدو في الماضي وأهمها " الشعبيات " التي تنتشر في الإمارات اليوم كسكن لبعض السكان ، ومنهم بعض القبائل البدوية ، حيث جرى الاحتفاظ لهم فيها ببعض أبعاد الماضي كالفناء المفتوح وحجرة واسعة يضيف كل منهم إليها ما يراه حسب رغبته ، خلف السكن أيضاً لإيواء الحيوانات التي تكون جـزءاً لا يتجـزأ من حياة البدو .
      (ب ) – الـديـن :
      كانت استجابة العمران التقليدي للدين واضحة منذ دخلت المنطقة في الإسلام بعد مدة وجيزة من بعثة الرسول r ، وقد تمثّل ذلك في أن المسكن التقليدي يراعي دائماً أكبر قدر من الخصوصية عامة وللإناث خاصة ، ولذلك وجدنا أن خطة المنزل التقليدي دائماً تفصل بيم " المجلس " أو " الديوانية " كمكان لاستقبال الزوار والضيوف ، وبين بقية أجزاء المنزل . وحتى في أبسط أشكال السكن كما هي الحال في " بيوت الشعر " الخاصة بالبدو ، نجد أن الخيمة مقسمة بين الذكور والإناث . وفي المنازل الدائمة والثابتة كمساكن المدن تجلب فيها فكرة الوحدانية للَّه تعالى ، والبعد عن رسوم الأشخاص، بينما تزخر بالرسوم والزخارف الهندسية والرسوم التجريدية أيضاً وهو ما يتمثـل في معظم العالم الإسلامي ؛ إذ لوحظت فروق مثلاً في ذلك الشأن بين منازل المسلمين والمسيحيين في لبنان . كذلك يلاحظ أم حجم النوافذ في الأدوار السفلى من السكن مرتفعة عن مستوى النظر ، وضيقه ، على عكس النوافذ في الدور العلوي . هذا عن داخل المسكن التقليدي .
      أما عن المسكن من الخارج ، فنجد أن المسجد هو دائماً المركز الذي تتحلق حوله المساكن التقليدية وكان دائماً ملازماً للعمران التقليدي في الإمارات ، ومسجد البدية كما يبدو في صورة (4) يعد من أقدمها بالإمارات إن لم يكن أقدمها على الإطلاق ، وهو قائم عند سفح جبلي بقرية " البدية " في المنطقة الشرقية وهو على الرغم من قدمه يعد إضافة معمارية ؛ إذ ترتفع فبابه الأربعة على عمود واحد أو "سـنطوانه " واحدة باللهجة المحلية ، ويوجد إلى جواره الحصن القديم الذي يكمل الصورة العمرانية ، ويحقق مطلب الحماية والدفاع. وفي الحالات التي تتسع فيها المحلة العمرانية يصبح لها أكثر من مسجد ، وعادة ما يرتبط موضع المسجد بوجود "فريج " معين والفريج يشير إلى جـزء من حي ، أي منطقة صغيرة ، عادة ما تقطنها قبيلة واحدة أو جزء من قبيلة تربطها أواصر القربي أو المعرفة الوثيقة ، ويجلس السكان مع بعضهم كما في البرزة الخاصة بالنساء ، ويحتل المسجد قلب هذا الفريج ووسطه ، ويشـابه "الفريج" ما نطلق عليه في جغـرافية العمران "منطقة جيرة " Neibourg- hood ويلاحظ أن هذه الفرجـان "جمع فريج " لا تزال حية في أسماء أحياء المدن الحالية في مدن الإمارات الرئيسـة وهكذا نجد أن الدين كان له أثره في خطة المسكن التقليدي ، فعلى الرغم من أن عناصر المناخ السائدة في منطقة الخليج تدعو إلى انفتاح المسكن على الخارج، كما هي الحال مثلاً في بعض المناطق المدارية والرطبة الأخرى من المعالم ، إلاّ أن الدين كان سـبباً في اتخاذ المسكن الخليجي التقليدي نمطاً مختلفاً مخالفاً ، فتميز بالتركيز في الداخل بـدلاً من الخارج لأسباب دينيـة . ولكي يحل التصميم هذا التناقض مع البيئة ابتدع أشـكالاً توائم بين متطلبات الدين ومتطلبات البيئة ، مع تأكيد الخصوصية ( Privacy )، فاستحدث الفناء الفسيح داخل السور ، وهو قلب المنزل، التقليدي فيحقق بذلك الاتصال بالخارج مع تحقيق الخصوصية والاستمتاع بالجو الخارجي الخلوي في نطـاق المنزل التقليدي نفسه الذي ينفصل عن غيره بالسور ، ومن ذلك أيضاً عنصر معماري مهم في المنزل هو " الليوان " ، الذي يشيع في معظم المنازل التقليدية ، و سنشير إليه في موضعه من تركيب المنزل ، وتطل على الليوان أغلب غرف المنزل ؛ لأنه متصل بالفناء وينال قدراً من الهـواء المنعش ، يساعد في تقليل درجة حرارة الغـرف دون المساس بخصوصية أهل المنزل. كذلك أثر الدين في ترتيب عناصر المنزل التقليدي ، وتخطيطه ، ومن ذلك أن تكون الحمامات والمراحيض في مواقع مضادة لاتجاه القبلة . كذلك توجد في مداخل بعض المنازل التقليدية أحياناً سـواتر صارمة تمنع الرؤية تمامـاً لدى الداخلين للمنزل ، وتأخذ زوايا خاصة تتيـح للسكان ملاحظة وفود الأغراب ، وبالتالي لا يحدث تعدي على خصوصيتهم . وعموماً تراعي النواحي الدينية في ترتيب المنطقة العمرانية كلها والشوارع المحيطة بها فبعض الشوارع مغلقة في نهـاياتها وتوجد ممرات بمستويات مختلفة من الخصوصية وأحياناً يكون بـاب المنزل على أحـد الطرق الصغيرة ، حيث لا يتقابل مع باب منزل آخر ، وهو ما يراعي عادة في مناطق العمران التقليدي من شبه الجزيرة العربية مثل المملكة العربيـة السعودية .
      (ج ) – الأمـن والحمــاية :
      الأمن والحماية من الأهداف القديمة للسكن عبر التاريخ ، وصمم المسكن التقليدي في الإمارات منذ البداية لتحقيق هذا الهدف ، وهدف الحماية والأمن كان ضرورياً في الماضي في ظل الحروب القبلية وتأثيرات البيئة الجغرافية ، وقد ظهر ذلك في شكل البناء الكتلي السميك ، وفي أن بعض المنازل كانت ، كما لاحظنا ، تخصص للسكن والدفاع في الوقت نفسه ، وفي حالة تخصيص المنزل للسكن فقط فإن القلعة أو الحصن كانت تحمي المحلة العمرانية عامة من قوى العدوان . وقد تمثل عامل الحماية والأمن أكثر من مساكن الحكام والرؤساء الذين كانت إقامتهم عموماً في مثل هذه المساكن التقليدية التي تكفل الحماية ، ويمكن أن نلحظ وسيلتين من وسائل تحقيق الحماية والأمن لسكان العمران التقليدي في الإمارات الأولى : من خلال اختيار موضع السكن في مناطق أقل خطورة من حيث تأثير العوامل الطبيعية مثل الوديان الجبلية التي كثيراً ما تجلب المياه الدافئة عند هطول الأمطار ، فتمثل خطورة كبيرة على المحال ، لذلك حرص السكان على تخير مواضع معينة تتكيف مع عوامل الخطر الطبيعية هذه ، ولذلك اتخذت المحال عديداً من المواضع التي تكفل لها تلك الحماية من عوامل الطبيعة ، وكانت المشكلة دائماً محاولة إبعـاد الخطر القادم من الجبل (مثل الوديان المنحدرة السريعة ) أو من البحر في صورة الأمواج والمد ، فتخيرت المحال مواضع تحميها من هذين العاملين الطبيعيين .
      أمـا الحماية ضد العدوان البشري فتمثل في الحصن أو القلعة الذي يكاد يكون توأماً للمحال كافة في المناطق الجبلية والساحلية خاصة . يضاف إلى ذلك خطة المنزل نفسه وتنظيمه بحيث يكفل أقصى درجة من الحماية لسكانه عن طريق بنائه الكتلي ، وقلة الفتحات به في طابقه الأرضي ، ومتانة أبوابه ، التي كانت تستورد خصيصاً من الخارج تحقيقاً لهدف الحماية .
      (د )- الهجــرة الموسـمية :
      ارتبط العمران التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة بنوعين من الهجرة الموسمية ، الأول يمكن تسميته بالهجرة الرأسية ، والثاني الهجرة الأفقية .
      أما عن النوع الأول فقد كانت هذه الهجرة تتم في المكان نفسه في المدن ، حين ينتقل السكان من غرف الطابق الأرضي المخصصة للمعيشة شتاء إلى الطابق العلوي ، والمهيأ بالشرفات الواسعة والنوافذ الكبيرة والمجهزة أصلاً لقضاء سكان المنزل التقليدي فصل الصيف بها. وحتى في المنازل المتواضعة كان بها بالسطح العلوي غرفة واحدة صيفية تفي بهذا الغرض ، فالانتقال في هذه الحالة رأسـاً من أسفل إلى أعلى مع تغير الفصول. وكما لاحظ "كولزوجاكسون " فقد تدهورت هذه الهجرة الرأسية كثيراً الآن مع تدهور العمران التقليدي ، وبعد غزو أجهزة تكييف الهواء الحديثة للمباني . وجدير بالذكر أنه في حالة وجود " البارجيل " في المنزل التقليدي تكون حركة الانتقال الرأسي هذه محدودة نوعاً ما ؛ لأن البارجيل يقوم بوظيفة تحديد اتجاه الهواء والتهوية الرأسية من أعلى إلى أسفل المبنى. يلاحظ كذلك أن هذه الحركة الرأسية لم تكن عامة أو مطلقة ، بمعنى أن المنزل التقليدي إذا كان مزدحماً بسكانه ، بمعنى ارتفاع درجة التزاحم ( Growdding )، أدى ذلك إلى تقليص هذه الحركة الرأسية .
      أما النوع الثاني من الهجرة فهو الأهم ، ونعني به انتقـال السكان من منازلهم الشتوية التقليدية " الثابتة " والدائمة إلى منازل المصيف الأقل ثباتاً وأقل دواماً . وكانت منازل الصيف تقام عادة في بعض الأحيان على مسافة غير بعيدة من مساكن الصيف في أماكن خلوية وفسيحة ، تشغلها بساتين النخيل وغيره من المزروعات ، وقريباً من مصادر المياه ، وبعيدة نوعاً ما عن مناطق الازدحام والاكتظاظ بالمدن ، وفي حالات أخرى تكون مساكن الصيف هذه بعيدة عن المساكن الشتوية والمقار الدائمة للسكان ، وعادة ما تكون خارج الإمارة نفسها. وعلى ذلك فإنّ السكان في الإمارات كانوا ينقسمون في فصل الصيف ثلاثة أقسام: القسم الأول يبقى في مساكن الشتاء ، ويتغلبون على حرارة الصيف بالوسائل المناسبة التي توجد في مساكنهم كالبراجيل ، أو يستفيدون ببعض أجزاء المنزل التي تلطف الهواء ، مثل الليوان والأروقـة المفتوحة على الفنـاء .
      أما الفئـة الثانية فهي التي كانت تنتقل انتقالاً جزئياً من قلب المناطق السكنية إلى الضواحي والهوامش الحضرية لبناء مساكن الصيف الخفيفة وأهمها العريـش .
      والفئة الثالثة ترحل بعيداً إلى أماكن جبلية أو زراعية بها الحدائق والزروع والنخيل خاصة ، وهذه الأخيرة هي الأهم ويرحل السكان إما إلى مناطق يمتلكونها هم أنفسهم ، أو إلى مناطق تخص ذويهم وأقاربهم وأصدقائهم. وقد ساعد على ذلك أن بعض الإمارات تقع في أكثر من مكان ، كما هي الحال في الشارقة ، التي لها عوضاً عن جبهتها على الخليج العربي جبهة أخرى على خليج عمان ، فكان سكان الشارقة يرحلون من المدينة صيفاً إلى كلبا أو خورفكان أو غيرهما من مناطق الساحل الشرقي التابع لإمارتي الشارقة ، والفجيرة ، وذلك لقضاء فصل الصيف ، وتطول إقامتهم أحياناً إلى ثلاثة أو أربعـة أشـهر .
      وفي بعض الإمارات كان يطلق على حركة الانتقال الفصلي هذه اسم " الحضارة " وبخاصة عند انتقال سكان المدن الشمالية إلى واحات العين وليوا وسهل الباطنة وإلى رؤوس الجبال وإلى مناطق رأس الخيمة الداخلية . وكان السكان في الماضي يصلون إلى هذه المناطق صيفاً على ظهور الجمال ، ويجمع الطريق أكثر من أهل منزل واحد ومن التقاليد المرعية أنهم كانوا إذا وصلوا إلى أماكن المصيف ليلاً لا يدخلون حتى يحل الصباح ، وأحياناً كان يطلق على المدة التي يهاجرون فيها تعبير " التحوال " إشارة إلى التحـول باتجـاه فصل الصيف .
      وبحسب الوصف السابق كان للعديد من الأسر سكنان أو مقران ، مقر شتوي ، ومقر أو سكن صيفي ، وعادة ما كان الأخير يتصف بأنه مؤقت ( Temporary )، وكان المسكن الصيفي عادة من نوع العشش من طراز العريش . ومن أمثلة المناطق التي كانت تبنى فيها هذه المساكن الصيفية المؤقتة في أطراف المدن ، غير بعيد عنها، هي مناطق البراحة وأبوهيل والجميرة في مدينة دبي ، أما المناطق البعيدة الداخلية ، فكان منها مناطق هيلي والجاهلي في مدينة العين ، ومن المناطق الأخرى محصنة وشعم وخضب وحتا والمنامة ومصفوت ودبا وكلبا وصعره وخت وإذن وشمل والعريبي والحديبة وغيرها . وكان بعض الأسر من ميسوري الحال يهرعون إلى منطقة ساحل الباطنة بالمنطقة الشرقية ، ويقيمون هناك في مساكن خاصة بهم يستخدمونها في فصل الصيف ، وعادة ما كانت إما مساكن "العريش" المصنوع أساساً من منتجات النخيل أو في مساكن ثابتة نوعـاً .
      والملاحظ على هذه الهجرة – على غير المعتاد- أنها من مناطق ساحلية إلى مناطق داخلية إلى مناطق واحات كالعين وغيرها ، أو إلى مناطق جبلية كمناطق مسافي وغيرها ، وذلك هرباً من ارتفاع نسبة الرطوبة المصحوبة بحرارة شديدة بالمناطق الساحلية ، التي تجعل الإقامة بالسواحل صعبة .
      وكانت هذه الهجرة الموسمية تتميز ببعض التخصص فيذكر تومنكسون Tomkinson قبائل المناصير والنعيم تذهب إلى العين ، أما القواسم فيذهبون إلى نطاق ساحلي تابع لهم في ساحل الباطنة ، أما قبائل العجمان فكانت لهم مناطق جبلية باردة يذهبون إليها في الجيب الجبلي في مصفوط . ولا يزال بعض السكان من القدامى خاصة يمارسون هذا الخروج الصيفي ( Rural exodus ) سنوياً ، ويتركون منازلهم المكيفة الهواء إلى مناطق صيفية مؤقتة منازلها من نوع العريش والباراستي . وإنْ كانت هذه الهجرة قد تقلصت كثيراً عنها في السابق بعد شيوع التكييف الصناعي ، وزيادة التطور بالبلاد. وقد أثرت هجرة البدو الموسمية أيضاً في العمران التقليدي وهي هجرة تحتمها طبيعة اقتصادهم الرعوي والبحث عن العشب والماء ، وارتباط ذلك بأيام سقوط المطر ، وبالتالي توزيع المراعي في الصحراء . وفي العادة تبدأ الحركة الشتوية من أواخر نوفمبر إلى شهر مارس والهجرة الصيفية أو هجرة العودة تبدأ من أوائل يونيو ، وتترك فيها العشائر البدوية جوف الصحراء عائدة إلى منازلها الصيفية قرب الواحات ومراكز العيون والآبار . وهكذا فقد حددت حالة الانتقال الدائم نوع "السكن " للبدو ، وهو دائماً من الأنواع الخفيفة سهلة التشييد ، فكان بيت الشعر أو الخيمة أنسبها لسهولة إقامتها ويسر عملها من المواد المتاحة للبـدو ، وقد ورد وصف كامل لهذا النوع من السكن في هذه الدراسـة .
      (هـ)- المؤثـرات الأجنبيـة في العمـران التقليدي :
      لعبت العلاقات بين السكان في دولة الإمارات وغيرهم ممن احتكوا بهم خارج البلاد في أثناء علاقاتهم التجارية دوراً مهماً في إدخال عناصر عمرانية خارجية على العمران التقليدي في الإمارات ، وساعد على ذلك عدم وجود بعض المواد الخام اللازمـة للبناء وأهمها الأخشاب؛ إذ إنّ الأنواع المحلية من الأنواع التي لا تصلح في معظمها للبناء وبخاصة لعمل الأسقف المتسعة المساحة في المساكن التقليدية ، وعموماً فالأخشاب المحلية أقل جودة في نوعيتها من الأجنبية في هذا المجال . وجلب السكان أخشاب "الجندل" من الهند وشرقي أفريقيا وباكستان وغيرها ، ويطلق على هذه الأخشاب أسماء عديدة ، وإنْ كان الشائع الجندل والكندل . كذلك جلبت أخشاب "الساج" ، وهي الألواح العريضة نوعاً التي توضع فوق عوارض الجندل ؛ ليستقر عليها سقف المنزل ، وكانت هناك بعض أنواع خاصة من الأخشاب تستورد من " ممباسا " بشرق أفريقية ، وكانت تستورد مادة بناء من جنوب العراق هي "الباسكيل " أو الباسجيل وقد شحت أهميتها عند الحديث عن مواد البناء . وكانت بعض المواد اللازمة للبناء تستورد من إيطاليا لبعض المساكن المتميزة مثل الأعمدة المزخرفة ، التي توجد في بعض المواد اللاحمة والجص ومواد الطلاء من مناطق قرب مدينة لنجة على الساحل الإيراني المقابل . وبالنسبة للأبواب الكبيرة فكان بعضها يجلب كاملاً من الهند ، كذلك بعض العتبات والنوافذ الجاهزة والسواتر والحواجز (Screens ) إضافة إلى ذلك كان كثير من الأثاث المستخدم في المساكن التقليدي يأتي من الخارج لاسيما السرر المصنوعة من خشب السيسم من باكستان والهند .
      ولما كان النشاط البحري له دوره كقاعدة للعمـران التقليدي كانت معظم أخشاب بناء السفن تستورد من الخارج ، وبعضها من زنجبار ، حيث أقامت عائلات عربية هناك منذ مدة طويلة ، وارتبطت بسكان الإمارات في الماضي بوشائج قوية . ولم تنتقل السلع المادية فقط من هذه البلدان الأجنبية من الخارج .
      ولكن الأهم من ذلك كان انتقال الأفكار والعادات والأساليب التي أُدخل بعضها على المساكن التقليدية في الإمارات ، وأدى ذلك إلى تزاوج بين هذه الأساليب المستوردة والأساليب المحلية مما أغناها وجعل المسكن التقليدي أكثر ملاءمة للمعيشة ، وأكثر إيفاء بالغرض منه . ولعلّ في أبراج الهواء المسماة " بالبراجيل " دليلاً على ذلك ، وقد شاعت في العمران التقليدي في الإمارات سواء أكان في المساكن التقليدية الريفية أم الحضرية ، وكان منها عدة طرز بحسب أهمية المبنى ، وتدرجت من الأنواع البسيطة المتواضعة إلى الأنواع الفخمة والكبيرة المركبة في المساكن المتميزة والقصور ، ويعد حي البستكية في مدينة دبي من أغناها بالبراجيل ، وقد نقلت فكرة البرجيل أساسـاً من إيران وطبقت في مساكن الإمارات التقليدية على نطاق واسع ، ولم ينتشر البرجيل في الإمارات فقط ، بل في معظم الدول الخليجية ومنها البحرين ، التي تأثرت بالبراجيل المستوحاة من فارس وبالزخارف والنقوش القادمة من إيران أيضاً وبلاد ما بين النهرين وغيرها ومن المواد التي جُلبت من الخارج في مساكن الإمارات التقليدية وأثرت فيها الأعمدة الموشاة بالزخارف الجميلة ، التي جرى جلبها من إيطاليا ودول أخرى ، ولكنها كانت محدودة بالنسبة لتأثر العمران التقليدي بالدول القريبة وبخاصة دول المحيط الهندي كشرق أفريقيـا والهنـد وإيران .

      الفصـــل الرابــع
      القـاعدة الاقتصـادية للعمـران التقليدي
      كما رأينا في تأثير الضوابط الطبيعية في العمران ، من مناخ وتركيب جيولوجي ومظاهر سطح ، فإنّ مواضع عديدة جذبت العمران لِمَا لها من خاصية وجود قاعدة اقتصادية يرتكن إليها. وقد اعتمد العمران في الإمارات العربية المتحدة تقليدياً وتاريخيـاً على قواعد اقتصادية محددة ، لم تتغير إلاّ منذ عقدين من الزمان ، حين دخلت على هذه القواعد الاقتصادية عناصر جديدة ، مثل البترول. وأول هذه القواعد الاقتصادية البداوة والرعي الذي مثل أساساً مهماً للعمران في المنطقة منذ القـدم ، والمراعي ليست على مستوى واحد من الأهمية فهناك منطقة غنية نسـبياً بميـاهها هي منطقة السهل الحصوي الداخلي ، مما شجع على احتراف بعض البدو للزراعة كنشاط مكمل ، والثانية منطقة قاحلة كما في مناطق الختم والظفرة وبينونة ، وهي فقيـرة بميـاهها الجوفية ، وبنيانها الاقتصادي مما حصر نشاط القبائل في الرعـي .
      والحقيقة أنه في حالات كثيرة يجمع البدو بين الزراعة والرعي ، وقد حمل ذلك " فينلون " – Fenelon على القول : إنه خلافاً لبقية جهات جزيرة العرب ليس هناك حدود واضحة بين البدو الرحل والسكان المستقرين في دولة الإمارات ، وأن هناك كثيراً من التأرجح بين البداوة والاستقرار ، وكثيراً ما تقضي القبائل البدوية جزءاً من العام فقط في الصحراء في رعي حيواناتها . وقد قدم الاقتصاد الرعوي الحيوانات بأنواعهـا وبخاصة الجمال والماعز والغنم ومنتجاتها ، كان الجمل دائماً أحد أعمدة الحياة البدوية كما يذكر Jubbar وسـاد في المنطقة الجمل ذو السنام الواحد ( Camelus drome darius ) ، وله فصائل عديدة ، ويُنسب للعـرب الريـادة في استئناسـه – راجع Jubbar ص 209 . إضافة إلى حرف ثانوية كالزراعة وجمع الأحطاب وأحياناً العمل بالتجارة والغوص .

      أما الزراعة كأساس اقتصادي للعمران ، فقد تركزت في مناطق بعينها تناسب ذلك النشاط ، وحتى اليوم تتفاوت أهمية نشاط الزراعة من إمارة لأخرى . وأهم المناشط الزراعية توجد في رأس الخيمة والفجيرة ومنطقة العين والشارقة . وتوافر الماء هو العنصر المهم المحدد لأهمية المناطق الزراعية في الإمارات منذ القدم ، وكان دائماً مثار خلاف بين القبائل والسكان ، مما أوجد ضرورة لتنظيم توزيع الماء على الزراّع بالتساوي ، وابتداع السكان وسائل محلية للحصول على المياه وتوزيعها على المزارع ، مثل اليازرة ، وتوضحها الصور (من 5-8 ) ، يُضاف إلى الأساسيين السابقين للعمران قاعدة اقتصادية ثالثة هي الصيد ، ويشمل صيد اللؤلؤ وصيد السمك . وهو نشاط تقليدي قديم صاحب العمران التقليدي في الإمارات ، ويرى بعضهم أن المحال القديمة الكثيرة على السواحل بالإمارات كان اعتمادها الرئيسي على صيد الأسماك .
      أما التجارة ، وهي القاعدة الأخيرة ، فكانت تقليداً في غاية الأهمية واعتمـد عليها العمران كثيراً ، ويُعـد هذا النشاط أكبر مؤثر في النمط والشكل العمراني الذي وضح في الإمارات ، وعن طريق التجارة نقلت مواد عديدة للبناء والغذاء ، ونقلت الأفكار والسلع التي وضحت حتى اليوم في المحال العمرانية . أما إذا تناولنا هذه القواعد الاقتصـادية للعمران في دولة الإمارات العربية المتحدة بشيء من التفصيل فإننـا نجـد :
      بالنسبة للزراعة والرعي ، كانت الفكرة السائدة عند علماء الزراعة والآثار أن أساس العمران في منطقة الدراسة وغيرها من مناطق شبه الجزيرة العربية كان يعتمد أساساً على غير الزراعة ، وأن الاقتصاد السائد كان رعوياً أو صيد الأسماك ، ويترتب على ذلك إعادة النظر في تاريخ الزراعة في المنطقة ، ولا يمنع هذا من القول إن الرعي أساس اقتصادي للعمران في المنطقة منذ القدم ، وقد كانت القبائل البدوية في الماضي على عدة أنواع منها المرتحل طوال العام في أعماق الصحاري ، ولذا كان الجمل ذا أهمية خاصة لهـم ، ومن هؤلاء العوامر والمناصير ، وبعض فروع النعيم ، ولذا سكن هؤلاء أساساً بيوت الشعر التي مثلت عمرانهم التقليدي لإمكان نقلها من مكان لآخر مع الانتقال المستمر . وكان هناك بعض القبائل التي يعتمد اقتصادها على الانتقال الفصلي بين أعالي الجبال والسهول المجاورة والمناطق الأقل ارتفاعاً . وتكون منازلهم على الجبال صيفاً وفي السـهول شتاءً ، وهؤلاء يعد الماعـز حيوانهم الأثير ؛ لتمكنه من التنقل على المناطق الجبلية ، وفي مناطق السهول المنخفضة ، على حين كانت الأغنام والأبقار ثانوية . كذلك كان لهم منازل في كل فصل .
      وهناك نوع ثالث من القبائل شبه الرحل تجمع بين البداوة والاستقرار ، وهم أكثرهم عدداً في الإمارات. ويلاحظ أن الأساس الاقتصادي لهؤلاء يجمع قاعدة عريضة من الأعمال بدءاً بالرعي والجمع وانتهـاء بالتجارة والغوص ، مروراً بالزراعة والصيد . وكان لهؤلاء وشائج اقتصادية مع سكان المدن بالساحل ، يبيعون لهم منتجات الرعي والزراعة ، ويعودون بمتطلبات حياتهم من منتجات المدن ، ومن هؤلاء بنـي قتب والعوامر وبعض فروع النعيم وقبائل أخرى . وعلى ذلك كانت أغلب القبائل تكفي حاجتها من إنتاجها الرعوي أو الزراعي ، وترحل بالباقي لبيعه في أسواق المـدن ، وهو ما يمثل دعامة اقتصادية لها . وكان البلح بوجـه خاص أسـاس الغـذاء والاقتصاد أيضاً فهو كما يسميه ( Miles ) خبز السكان ( The bread of people ). ومعظمه يمكن حفظه لشهور طويلة وربما لسنوات ، ومن النخيل كانت معظم المنازل التقليدية ، حتى بالنسبة للقبائل المرتحلـة دائماً ؛ إذ تعـود بعض هذه القبائل على اتخـاذ مساكن ثابتـة لهم في أطراف الواحـات .
      وقد تحايـل السكان من الزراع على ظروف البيئة ، وابتدعوا وسائل وأدوات تناسب ظروفها ، فاعتمدوا على وسائل بدائيـة مثل الشادوف (الغـرافة )، و" الجازرة " ، وكانت اليازرة أداة رئيسة في ري المزروعات وبخاصة النخيل ، وعملت عمل ماكينات الري الحديثة ؛ وكان لكل زراعة يـازرة خاصة بها ، وكانت تُصنع من سـيقان النخل والجت (البرسيم) وبعض الخضراوات القليلة .
      ولمّـا كان المطر لا يفـي بحاجة الزراعات التقليدية فقد اتجهت الزراعة والعمران للاعتماد على المياه الجوفية بصورها المتعددة من عيون وينابيع ووديان وأفـلاج ، ومن بين هذه تبرز الأفلاج كظاهرة فريدة في المنطقة توضح أفكار الماضي ، وتمثل أساساً اقتصادياً مهمـاً للعمران الذي انجذب دائماً إلى قرب هذه الأفلاج ، وهي مجاري مائية محفورة صناعياً من عمل الإنسان ، تمتد أفقياً في الطبقات الصخرية الحاملة للماء الباطن ، ويكون امتدادها بميل خفيف يساعد على انحدار الماء فيها ، وفيها تتجمع المياه الباطنية بطريق التسـرب ، ثم تنحدر في الفلج نحو نهايتـه ، حيث توجد الأراضي الزراعية المراد ريها ، وهذه قد تكون قصيرة بطول عدة أمتار أو طويلة (عدة كيلومترات ) ومن أطولها أفلاج العين التي تقترب من 10 كيلومترات . ويجري حساب دقيق لتوزيع المياه على المستفيدين وري المزارع (الزرايب ) ويرتبط ذلك بحركة النجوم ومسائل فلكية أخرى ، ولعلّ في ذلك بعض الشبه مع نظام توزيع المياه من عيون وينابيع واحة سيوه في مصـر، ويقسم الأهالي الأفـلاج إلى نـوعين :
      1-غيـلي وإليه تنتمي معظم أفلاج الإمـارات .
      2-داوودي وهو القديم ويربط السكان بينه وبين بعض الروايات والأساطير ومن ذلك أن نبي الله سليمان سـخّر الجن في حفرها والأفلاج الغيلية ترتبط وتتأثر بكمية الأمطـار الساقطة ، وتحفر على طـول مسار الفلج عدة تثقيبات لتنظيفه تسمى ( الثقبـة )صورة (9). وفلج الذيد كان يروي في الماضي 80 مزرعة ، وبه 36 ثقبة ، وهو يتكون من فرعين (ساعدين) وساعد ثالث جرى طمره. ويسمّى الخبير بحفر الفلج وتنظيفـه (باصرا) والمختص بتوزيع ميـاهه (عريفا) ، والأخير كان يحصل على أجره في صورة حصة مائية من مياه الفلج يستخدمها في الزراعة أو يبيعهـا .
      ويرى بعض الكتّـاب أن الأفلاج نظام جلب من إيران من جبالها الشمالية (البرز) خاصة ، التي عرفته في الألف الثانية ق.م، والكلمة سامية تعني التفرع والانقسام ، ولابد عند حفره من حفر بئرٍ رئيسة تسمّى البئر الأم (Mother Well )قرب مقدمات الجبال ، والوصول إلى عمق مستوى الماء ، ويحفر بئر على بعد من الأول في الاتجاه الذي ستجري فيه المياه ، ثم آخر وآخر وهكذا ، ويجري ربط مستويات هذه الآبار بعضها بخندق ، وهنا تكمن المهارة . وأطول أفلاج الإمارات في العين (حوالي 10كم ). وكان السكان قديماً يقومون بتدعيم الأفلاج بمزيد من الآبار المحفورة تدعيماً للعمران الزراعي التقليدي وجذباً للاستقرار ، كما حدث في الماضي في فلج العين (الصاروج). ووحدة توزيع مياه الفلج تسمى (يادة) ومقدارها 12 ساعة و1/4 يادة 3 ساعات وتسمى (ربيع) ويقسم الربيع بدوره إلى 6 أقسام ، وقد حل الآن محل العريف " التقليدي موظف يقوم بوظيفته القديمة بصورة حديثة " . وكان السكان المرتبطون بالأفلاج إما مستقرين في منازل تقليدية إلى جوارها ، وإما في المدن وغيرها ، ويستأجرون عمالاً يديرون مزارعهم ويقومون بالأعمال الزراعية وهؤلاء يسمون (البيادير) ، وهم عمال مواطنون يأخذون أجرهم جزءاً من المحصول . كذلك كان يأتي إلى المزارع المرتبطة بالأفلاج عائلات الرجال الذين ذهبوا للغوص ، فيقيمون بمساكن العشيش صيفاً مثل العريش وملحقاته ، ويستأجرون بعض النخيل إذا لم يكن لهم مزارع . وكان البلح يرسل من المزارع إلى أبوظبي ودبي من واحات العين في رحلة بالقوافل تستغرق 14 يوماً ذهاباً وإيـاباً ، ويُبـاع أيضاً جزء من المحصول " للحضار" ، وهم العائلات المصطافة بين مزارع النخيل . وفي الشتاء تزرع مزارع النخيل بالحنطة والبر ( القمح )، وكان البعض يحمل منتجات الألبان وصفائح السمن على المطايا لبيعها في أسواق دبي وأبوظبي والعودة بلوازم الزراع .

      وفي مثل هذه المناطق الزراعية المستقرة كان يوجد السكن الدائم للزراع وهو عادة من الطين المتوافر في البيئة بالواحات أو من اللبن بعد صناعته وتجفيفه ، وأحياناً من الأحجار ، إذا كانت المناطق الزراعية قريبة من الجبال كما في المنطقة الشرقية .
      ولم تمنع سـيادة المناطق الجبلية في بعض أجزاء الإمارات من قيام نمط زراعي تقليدي هناك أثر في العمران بدوره ، كما في الجزء الجبلي من إمارة رأس الخيمة ، ونعني بذلك إنشاء السكان لأحواض صغيرة المساحة بين الجبال تقع متسلسلة في شكل مدرج بعضها فوق بعض لإنتـاج الحبوب اعتماداً على المطر الساقط ، مع عمل برك بجوارها لجمع الماء وحفظه ، وقد هجر هذا النمط الآن بعد التطور الاقتصادي ، وكانت هذه الأحواض التي تسمى محلياً (وعوب) تنتج نوعاً محلياً من القمح يفوق الأنواع الأجنبية كثيراً ، وأثر هذا النمط الزراعي في السكن ، فكان السكان يهاجرون من مساكنهم الثابتة قرب الجبال إلى حيث توجد هذه الوعوب "لتنقيتها من النباتات البرية وخدمتها من أجل مزيد من الإنتاج ، ويقدمون في شكل جماعي يطلق عليه (الحشيد ) ، وتستمر هذه العملية عشرة أيام ، يعودون بعدها إلى منازلهم "الشتوية " ، ثم يأتون مرة أخرى مع الحصاّد لجمع المحصول وفي المرات التي يقدمون فيها إلى " الوعوب " يقيمون مساكن مؤقتة خفيفة ، تختلف جذرياً عن مساكنهم الثابتـة . وتسمى موسم الحصاد هذا (اليزيد) ويعمل الرجال والنساء والأطفال في هذه العملية ، ولكل جماعة وعب خاص بها .
      واعتمد الاقتصاد الزراعي أيضاً على منتجات الجبال من الفواكه المزروعة والبرية ، وعلى خلايا النحل الجبلية المنتجة للعسل ، وكان (المن) الواحد = 4 كجم يُباع بحوالي روبيتين ، وحالياً يصل ثمنه إلى 1500 درهم ، ولا يزال بعض سكان الجبال يأتي بصورة عرضية إلى مواضع أسواق تقع عند تقاطع الطرق لبيع ذلك الناتج ، كما هي الحال في السوق الواقعة عند مدخل مسافي على الطريق القادم من الذيد أو المنامة ، وهو ما كان يمثل دخلاً مهماً لسكان البادية والجبال في الماضي ، وكان هناك علاقة بين زيادة محصول العسل ونوعيته وكثرة الأمطار ؛ إذ إن ذلك مرتبط بالحياة النباتية والشجرية المعتمد عليها النحل في غـذائه .
      وقد أصاب الإهمال معظم جوانب ذلك الاقتصاد التقليدي المنتمي إلى الماضي وإضافة إلى العسل كانت الجبال عامرة بأشجار النقب والتين والميز والفواكه ، وفيما بينها انتشرت مراكز العمران الريفي الكبيرة والصغيرة . ومعظم مساكن سكان الجبال كانت صخرية صغيرة المساحة بالصورة التي جرى شرحها عند الحديث عن مساكن الجبال ، وكانت المناطق الزراعية التي تدعم هذه القرى ذات المساكن الصخرية صغيرة للغاية ، ومن نوع الوعوب المشار إليها من قبل ، وكان البناء والعناية بالوعوب وتشييد المساكن والقرى يتم بصورة تعـاونية جماعية . وإلى جوار المساكن أنشئت دائماً مخازن صخرية لحفظ الناتج الزراعي . وجرت العادة أن بعض الزراع يجمع الأحطاب والأغصان الشجرية وبخاصة من شجرة السمر ، ويبيعها في المدن في أثناء رحلته لبيع محاصيل الجبال ، أو يحول هذه الأحطاب إلى (سخام)، وهو الفحم ، ويبيعه كوقود في المدينة وهو من مصادر الدخل الإضافية ؛ إذ يتيح له ثمنها العودة بالتموين الغذائي من أسماك وأرز وقهوة (بن) وبهارات وكان للمنطقة الشرقية من الإمارات خاصة شهرة في زراعة (الغليون)؛ أي التبغ وذلك في سهول المنيعي والحويلات ووادي قور ووادي العسيلي ووادي ريما وغيرها . وكانت له حوالي 400 مزرعة في المنطقة الشرقية ، وله زراعة تقليدية كانت تعد قاعدة اقتصادية مهمة للعمران ؛ إذ يزرع أولاً في أحواض صغيرة بكثافة كبيرة ثم ينقل إلى الأرض الزراعية المعدة له بعد ذلك ( كما في طريقة شتل الأرز) ، ويستغرق موسم زراعته من 5-7 أشهر ، واعتمدت زراعته على الأفلاج ، وكان المطر الشديد يضربه ، ويحتاج إلى مجهود كبير كان السكان يتعاونون فيه وبخاصة زراعته ونقله إلى الأرض المعدة لإنتاجه بعد ذلك ، ثم تسميده بسماد الجاشع (العوم) ، وهو سماد من السردين والأسماك المجففة ، وكان الزراع يجلبونه من الجميرة في دبي ومن رأس الخيمة وعمان ، وينقلونه على الإبل ، وكان التجار يأتون إلى مناطقه – ويستقرون في مدينة كلبا أساساً – من البحرين والسعودية بالسفن كل عام ليحصلوا على الغليون ، ويقرضون الزراع استعداداً للموسم القادم . وكان حصاده يرتبط بنمط عمراني معين ؛ إذ في هذا الموسم ، يقيم الزراع بعض العشش ، وهي مساكن مؤقتة . وعششاً واسعة ، مخصصة لصف أوراق التبغ (الغليون) ، وتوضع في شكل "حزم" وتجفف . ويرتبط الموسم برواج كبير وحركة وعمران يتجدد من عام إلى عام ؛ لوجود التجار الذين يستأجر بعضهم مساكن في الساحل ، يقيمون فيها أحياناً أسابيع طويلة ، حتى يتموا الصفقات قبل رحيلهم إلى بلادهم .
      وقد ظلت زراعة الغليون مهمة حتى وقت قريب؛ فتشير إحصاءات سنة 1973م إلى أن مجموع أراضي التبغ (الغليون) كانت مساحتها 4100دونم ، ورزاعته بذلك تأتي في المرتبة الرابعة من حيث استخدامات الأرض المنتجة في هذه السنة بعد النخيل والخضروات والجت [البرسيم ] .
      وقد ارتبط نمط المساكن التقليدية الثابتة عموماً بالأساس الاقتصادي الزراعي ، وكانت معظم المساكن من الطين واللبن ومنتجات النخيل المتوافرة في البيئة وأحياناً معتمدة على بعض الأخشاب ، والأخشاب المصنّعة المستوردة من الخـارج .
      أما الصيد فله تاريخ طويل في الإمارات ساعد على ذلك الموقع على الخليج العربي وخليـج عُمان ، كذلك دفعت قلة الموارد الأرضية آنذاك إلى الاتجاه إلى البحر للاعتماد عليه ، بل إن البحر كان له دوره سواء في العمران أو القاعدة الاقتصادية للعمران ، فمنه استخرجوا الأحجار المرجانية للبنـاء وبعض المواد الطينية المستخدمة كملاط واعتمدوا في تسميد الأرض أيضاً وبخاصة المزروعة بالتبغ على سماد مستخرج من الأسماك المجففة . ويذكر "لوريمر" أهمية حرفة الصيد ويحصي عدد المراكب وعدد القائمين بالصيد في الخيلج في أكثر من مناسبة ولا نعدو الحقيقة إذا ذكرنا أن تركز السكان والعمران في المناطق الساحلية قد تأثر بحرفتي الصيد والتجارة ، وكانت بعض القبائل الداخلية تأتي إلى الساحل في مواسم معينة للصيد كقبائل الشحوح في رأس الخيمة ، وكذلك سكان واحة "ليوا" الذين ينزلون للساحل شتاء للصيد والغوص وأدى ذلك إلى وجود مساكن مؤقتة للصيادين عند ساحل البحر معظمها من نوع العشيش. أما مساكنهم الدائمة فكانت حيث يقيمون بقية السنة إذ نظرت بعض القبائل الرعوية إلى الصيد على أنه نشاط ثانوي . على الرغم من ظهور البترول إلا أن جزءاً كبيراً من السكان لا يزال يعمل بالصيد يدل على ذلك أنه في بداية السبعينات كان يعمل به ما يقرب من 7000 صياد مواطن ، وكان الإنتـاج يزيد على أربعين ألف طن .و لا شك أن الإنتاج كان يمكن أن يزيد عن ذلك لولا إتباع طرق الصيد التقليدية . والصور (10-12) توضح صناعة القوارب التقليدية من الجريد . أمـا نشاط الغوص لصيد محارات اللؤلؤ فكان له آثـاره الإيجابية على العمران التقليدي من عـدة جوانب ، فالثروة التي كان يجلبها ذلك النشاط (كانت تدعم العمران بدون شك ، وقد عمل بهذا النشاط السكان كافة من الطوائف كافة ، واندمج فيه حتى البدو ، وأدى غياب الغواصين لمدة أكثر من 3 شهور إلى هجرة فصلية أحياناً لذويهم بعيداً عن البحر ، تاركين هناك منازلهم الشتوية الثابتة ، بينما يتجهون إلى بنـاء مساكن (العشيش) في أثناء غياب أرباب العائلات في الغوص ، التي يتركونها عائدين مع بداية عودة الرجال من رحلات الغوص . وقد أدى نشاط الغوص إلى ازدهار حرف متعددة تركزت في المـدن الساحلية إضافة إلى حرفة التجارة النامية ، وكذلك صناعة السفن وتجهيزها وإصلاحها ، وكان من أغنى المغاصات وفرة باللؤلؤ المغاصات الواقعة بين قطر وأبوظبي . وكانت جزر مثل دلمـا وداس مراكز لتجمع سفن الغوص . وفي سنة 1912 أدى إلغاء دبي لضريبة الجمارك إلى تركيز تجارة اللؤلؤ بها وانتقل التجار إليها ، وأصبحت لها الصدارة في تجارته [ راجع فاطمة الصايغ ص 32-33]. وقدر عدد العاملين في نشاط الغوص في بداية القرن العشرين حوالي 22ألف شخص ، واندمج فيه حتى البدو ، وعمل في نشاط الغوص أكثر من حوالي 1215 قارباً . ويذكر "الفهيم" أنّ العدد الأكبر من قوارب صيد اللؤلؤ كان في أبوظبي من بين الإمارات المتصالحة في نهاية القرن 19. وكان أكبر أثر للغوص في العمران هو ما يجلبه من أموال كل عام ، فظهرت المنازل المحكمة التي يمتلكها التجار في المدن التي نوقشت في موضوع العمران التقليدي الحضري . ومن آثار الغوص في العمران التقليدي أن هذا الأخير كان يتأثر بالهزات الاقتصادية التي تحيق بتجارة اللؤلؤ وتدهور حرفة الغوص ، كما حدث في الثلاثينات من القرن الحالي إبان الكساد الاقتصادي العالمي ، كما حدث في الثلاثينات من القرن الحالي إبان الكساد الاقتصادي العالمي حكم اللؤلؤ الاقتصاد في أواخر القرن 19 إلى سنة 1928 مع بداية الكساد العالمي ، وأثّر في تركيب السكان ، فكان للعرب التخصص في القتال والغوص وبناء السفن ، وسيطر الإيرانيون على تجارة المؤن . بينما عمل البانيان ( من الهند) كوكلاء لشركات أجنبية وتقديم القروض [ راجع محمد مرسي عبدالله ص 145- 147 ] .
      أما عن التجارة ، فكما لاحظنا كان هناك نوع من التجـارة الداخلية مدفوعة باختلاف الإنتاج بين مناطق الإمارات الداخلية والساحلية ، وهذه كانت ذات صبغة محلية ، ويمكن القول : إنها عملت على تأثر سكان المناطق الداخلية بسكان المناطق الساحلية ، وانعكس ذلك على عمرانهم التقليدي بما استوردوه من مواد بنـاء ، وأهمها الأخشاب والأبواب والنوافذ المصنّعة والجاهزة القادمة من الخارج وأيضاً الأثاث المنزلي .
      أما التجارة الخارجية فكانت نامية ، ووصلت السفن التجارية بين موانئ الإمارات وبين الهند والبصرة والكويت وبوشهر (في إيران)، وتميزت موانئ خاصة بالنشاط كحركة التجارة النامية دوماً في خور دبي ، وكانت دبي أهم الموانئ لوجود الخور ، كذلك وصلت السفن إلى شرق أفريقيا ، وكانت سفناً كبيرة حمولتها بين 2000- 2500 طن . ويمكن القول : إن أثر التجارة في العمران التقليدي كان فائقاً ، ففضلاً عن نقل المواد والسلع التي دعمت ذلك العمران كالأخشاب بأنواعها والمواد الغذائية كان الأهم من ذلك نقل الأفكار والتأثيرات الأجنبية ، التي لا نزال نلاحظها على العمران التقليدي في الإمارات ، فنظام البنـاء بالحجر المرجاني مشابه له كثيراً ، في شرق أفريقيا . حيث توجد مساجد ومبانٍ كبيرة الحجم هناك مبنية من المادة نفسها ، ومعظم أسقف المساكن التقليدية في الإمارات مسقوفة بالخشب ( الجندل ) القـادم من زنجبـار وبقية شـرق أفريقيا والهند وباكستان وإيران ، وقصب الباسكيل " الباسجيل " أيضاً ، القادم من جنوب العراق . وجلبت التجارة تأثيرات فنية وزخرفية على المساكن أيضاً ، تمثلت في النقوش والحفر على الأبواب والجـدران من الداخل والسواتر ( Screens )التي كان بعضها مستورداً وجاهزاً من الخارج . ولعلّ في نظام البارجيل " أو أبراج الهواء " دليل واضح على شيوع الأفكار العمرانية التي جلبتها التجـارة ؛ فهو أساساً طوّر في فارس (إيران ) ونقل إلى مدن الإمارات .كذلك يرى بعضهم أنّ النمط العمراني التقليدي أو البيت الشتوي المسمّى في الإمارات (بالكرين) قد جلب من جزيرة زنجبار . كذلك جلبت من أجل البناء والعمران التقليدي مواد بناء جيدة ، مثل الجص الإيراني الناصع البياض والقـوي ، الذي استخدم في بناء المنازل الساحلية لمقاومة الأمطار والعوامل الجوية الأخرى ، وأهمها الرطوبة المرتفعة . وليس معنى ذلك أن العمران التقليدي المحلي قد لحق به زيف أو تغيير ؛ فهذه المواد كانت أدوات تستخدم في استكمال الشكل العمراني الذي يلائم إنسـان الإمارات ، ويجعله قادراً على التواؤم مع أبعـاد بيئية .وقد نشطت التجارة الداخلية والخارجية ونتج عن ذلك رواج الأسواق التي كان لها شكل تقليدي خاص ، وكان أغلبها بحكم شـدة الحرارة من الأسواق المسقوفة والمظلة كسوق الشارقة القديم صورة (13) وصورة (14-15) لأسواق دبي القديمة وصورة (16) لمحـل تقليدي لبيع الأعشـاب الطبية ، وكانت تحل محل الصيدليات المعروفة حاليـاً ، وتقوم بوظيفتها .







    2. #2

      [ نَائِبْ الْوَزِيِّر مَاْلِكَ الْشَبَكَةْ ]

      الصورة الرمزية نباريس
      الحالة : نباريس غير متواجد حالياً
      رقم العضوية : 418
      تاريخ التسجيل : 6/10/2005
      مجموع المشاركات: 35,138
      مجموع المواضيع: 1629
      المدينة: جــــدة
      المؤهل التعليمي: بكالوريوس جامعي
      الجنس: ذكر

      افتراضي

      جزاك الله خير الجزاء
      على هذا الموضوع القيم
      وهذا الاختيار الجميل
      لا حرمك الله من الأجر والثواب

      دمت في خير
      اللهم يا ذا الجلال و الإكرام يا حي يا قيوم ندعوك باسمك الأعظم الذي إذا
      دعيت به أجبت! ! ! ، أن تبسط على والدتي
      من بركاتك ورحمتك ومغفرتك ورزقك
      اللهم ألبسها لباس العافية حتى تهنئا بالمعيشة ،
      اللهم اجعلها من الذاكرين لك ، الشاكرين لك ، الطائعين لك ، المنيبين لك








      من مواضيع نباريس :


    3. #3

    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

    إعلانات


    المواضيع المتشابهه

    1. كيف يمكن الحصول على تأشيرة دارس للدخـول الى المملكـة المتحـدة؟
      بواسطة الدكتورة اسماء في المنتدى وزارة طلاب و طالبات الابتعاث في الدول الأوروبية Scholarship students in European countries
      مشاركات: 0
      آخر مشاركة: 10 Nov 2013, 03:58 PM
    2. دولة مصر بوربوينت
      بواسطة ابو راكان 13 في المنتدى عروض البوربوينت للمواد الإجتماعية
      مشاركات: 56
      آخر مشاركة: 19 Jul 2012, 03:19 AM
    3. دولة الكويت
      بواسطة منى 2009 في المنتدى عروض البوربوينت للمواد الإجتماعية
      مشاركات: 7
      آخر مشاركة: 18 Mar 2010, 01:36 AM
    4. دولة المماليك
      بواسطة هياا في المنتدى عروض البوربوينت للمواد الإجتماعية
      مشاركات: 9
      آخر مشاركة: 16 Mar 2010, 04:01 AM
    5. دولة قطر
      بواسطة سالم الرقابي في المنتدى مجلس أرشيف الوزارات Archive Council ministries
      مشاركات: 1
      آخر مشاركة: 10 May 2007, 11:57 PM

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع