منهل الفنون النقدية من معين السيرة النبوية



محمد بن ساير التفيهي من يستمع لأحاديث الناس ، ويرى تصرفاتهم، ويناقش أفكارهم، قد يتبرم من بعض تلك الأحاديث ،ولا تعجبه بعضا من تلك التصرفات، ويبقى عقله نافرا من بعض أفكارهم، فيتحرك اللسان، ويجري القلم، لا بداء الانتقادات حول تلك المظاهر المتعددة ،ولكن النقاد عند هذه النقطة يقفون في مفترق الطرق فمنهممن ينتقد بصراخ وتهجم ومنهممن ينتقد بسخرية وتهكم ومنهممن يخطئ ويضلل ويبدع بل ربما يفجر ويكفر وقليل منهمالذي يرشد ويوجه؛ قد يكون الانتقاد صحيحا ولكن القالب الذي قدم به النقد فيه نوع من الخطأ وعدم الاتزان بين المضمون ( المادة النقدية )و الأداء ( الأسلوبالنقدي )وهذا النوع من النقد قد ينفر الناس عن قبولالحق حتى ولو علموا أنهم على باطل ولذا ينبغي على الناقد الحصيف الذي اخلص نيته لله في قول الحق أن يقدم نقده للناس بقوالب الرفق واللين في الأسلوبوقوالبالحججوالبراهين في الإقناعوقوالب النصح الإشفاق في ثنايا الحواروالانتقادفالله سبحانه وتعالى يوصينا في كتابه الكريم أن نبلغ دينه ( بالحكمة )و ( الموعظة الحسنة )و ( جادلهم بالتي هيأحسن )

كل هذه الأساليب الراقية والكلمات الطيبة وأنت تخاطب وتدعو وتنتقد أناس كفروا بالله فمخاطبة أهل الإسلام بهذه الأساليب وهذه الكلمات من باب أولى .

إن تهيئة النفوس لقبول النقد و الانقياد للحق أمر لابد منه وفن لابد على كل واحد منا أن يجيده لأنه الباب الذي متى ما انفتح سرت بعده إلى ما شئت وولجت فيما وراءه إلى ما أردتفاقرأ إن شئت معي كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يهيئ النفوس لقبول النقد والاستجابة للتوجيه قال صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ( نعم الرجلعبد الله )وهذا ثناء ثم قال : " لو كان يقوم الليل "وهذا نقد يتضمن توجيها والنتيجة ( لم يترك ابن عمر قيام الليل حتىفي الليلة التي مات فيها )وقال للصحابي الذي ركع خلف الصف ثم دخل فيه ( زادك الله حرصا )وهذا دعاء ثم قال ( ولا تعد )وهذا نقد يتضمن تحذيرا ؛ وسمع رجلا ينادى بأبي الحكم فلما سأله عن سبب تكنيته لنفسه بهذه الكنية قال له الرجل : ( إن قومي إذا اختصموا جاءوا إليّ فحكمت بينهمفرضي كل فريق منهم بحكمي فكنوني بأبي الحكم )فقال صلى الله عليه وسلم: ( ما أحسن هذا )وهذا ثناء ثم قال ( ولكن الله هو الحكم و إليه الحكم )وهذا نقد يتضمن علته ثم وجهه و أوجد له البديل حين قال صلى الله عليه وسلم " كم لكمن الولد ؟قال ثلاثة: مسلم، وعبد الله، و شريح، قال: فمن أكبرهم؟ قال: شريح. قال: فأنت أبو شريح .وقال لعمر رضي الله عنه (إنك رجل قوي )وهذا ثناء ثم قال ( فلا تؤذي الناس )وهذا تحذير وتوجيه وفي أحيان أخرى كان صلى الله عليه وسلم يبين النقد ثم يعقبه بذكر علته ويرشد أحيانا إلى البديل إن وجد فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين سأله الإمارة ( إنك ضعيف )ثم بين له العلة فقال ( إنها أمانة وإنها يومالقيامة خزي وندامة ...) الحديث .

وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي بال في المسجد ( إنهذه المساجد لا يصلح فيها البول والغائط )ثم بين له وجه النقد فقال ( إنما بنيت للصلاة وذكر الله )وقال للرجل الذي تكلم في الصلاة ( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها كلامالبشر)ثم بين له وجه النقد فقال ( إنما هي لذكر الله والتسبيحوقراءة القرآن)وهذه الأساليب من النقد والتوجيه أساليب عظيمة جمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم ضروبا من فنون النصح و الإرشاد ، منهاتقديم الجانب الصحيح من الحدث والثناء عليهثمالتعقيب بذكر الجانب السلبي وانتقاده وتصحيحه لما في ذلك من تهيئة النفس لقبول الناقد وعدم النفرة منه ومنهاذكر علل النقد التي من أجلها نقد الناقد فإنه أدعى في قناعة المنقود بنقد الناقد ومنهاأيضا أنه ينبغي على الناقد أن يكون مستحضرا لبديل المنقود فإذا حذر شخصا من الشر، وجهه إلى الخير الذي فيه غنية عن ذلك الشر؛ وإذا نهاه عن خلق سيء ،أرشده إلى خلق حسن، فإن الاستبدال لدى الناس أهون بكثير منالترك بالكليةولذاينبغي أن يكون البديل أكثر جاذبية ونفعا من المبدل قدر الإمكان لكي يتحول إليه الشخص المنقود سريعا بلا تردد فقد قال صلى الله عليه وسلم لبلال لما جاء بصاع التمر الذي اشتراه بصاعين من تمر آخر ( أوّه أوّه عين الربا لا تفعل )وهذا نقد ثم بين له صلى الله عليه وسلم البديل فقال ( ولكن بعهذا الصاع بالدراهم فاشتر بقيمته التمر الآخر )وهذا إرشاد إلى البدائل الصالحة التي فيها النفع مع خلوها من الإثم ولا أخفيكم أن السيرة النبوية مليئة بالأمثلة التي تجلي لنا وبكل وضوح قواعد وآداب هذا الميدان الفسيح الذي نحن بحاجة إلى السير فيه من أجل أن نؤدي رسالة النقد بكل اتزان مضمونا وأداءً.