ما أشدَّ حنقي على هذه الفتاة! لماذا تثير أعصابي دائمًا بأفعالها المستفزَّة؟! ما أحوجَها إلى مزيد من التربية والتأديب! ولعلي لا أتمالَك أن أعود إلى ضرْبها من جديد.
هكذا كنتُ أتحدَّث في ثورة إلى زوْجتي، بعد أن روتْ لي موقفًا آخر من مواقف إحدى أخواتي البنات، اللاتي توفِّي عنهنَّ أبي منذ خمس سنين، تاركًا مسؤوليتهنَّ لي؛ ولكن زوجتي استوقفتني قائلة: لِمَ لا تقول: إنَّها في حاجة إلى المزيد من المودة والحب، إلى كثير من رعايتك وحنانك؟! ألا ترى أنك كثيرًا ما ثرت وغضبت وضربتها، فلم تغيرْ شيئًا منها، ولم تؤثر فيها؟! لِمَ لا تفكِّر في طريق جديدة؟!
قلت غاضبًا: وما الطريق الجديدة بنظرك، وأنا أصلاً أشك بأنك تعلمين عنها أكثر مما تقولين لي؟!
قالت: أن تحبَّها.
قلت: كيف أحبها وهي تَتَصَرَّف هذه التصرُّفات الرَّعناء؟!
ثم مَن قال: إنِّي لم أكن أحبها، إنها أختي، ولولا غيرتي عليها ما غضبتُ كل هذا الغضب مِن أجلها.
قالت: لا، أنتَ غاضب لأنَّ هذه التَّصَرُّفات تسيء إليك كشابٍّ معروف بالتزامه؛ ولكني أريدك أن تجعلها تشعر بحبك، لا أن تحبها فقط، إنها فقدت أباها في سنٍّ خطرة، ولم ترَ منك أي برهان على حبها، كما لم ترَ منك أية دلالة على أنك صِرْت لها مكان الأب بعطفه وحنانه، ومشاركته لها في أفراحها وأحزانها، لم تستوعبْها يومًا، دائمًا أنت: إما صامت، وإما غاضب، وإما مهمل لأمرها، كأنها لا تعنيك إلا حينما ترتكب خطأ، أو تندُّ منها هفوة.
قلتُ: ما شاء الله، إذًا فقد جعلتِني مهملاً أنانيًّا، وأنتِ التي تهتمين لأمْرها.
قالت: حبيبي، لم أقصدْ هذا، أنتَ تحبها لكنَّك لا تجعلها تشعر بحبك، وإلا فأخبرني: ماذا تعرِف عن أحوالِها وشؤونها سوى ما تسمعه منِّي عنها؟! إنَّك تجلس معها فلا تَتَحَدَّث معها إلاَّ ناقدًا لكلِّ ما تقوله أو تفعله، أو تصمت، هل فكَّرْت أن تقدم لها هدية منذ توفِّي أبوك؟ هل فكرْت أن تأخذَها في نزهةٍ لتجعلَها تقضي يومًا سعيدًا في صحبتك؟ هل تحدَّثْت معها يومًا في أحلامِها وطموحِها وآمالها وآلامها؟ هل صادقتها؟ هل توددتَ إليها يومًا؟ أَلَمْ يؤثرْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في علاقته مع ابنته فاطمة أنها "كانت إذا دخلتْ عليه قام إليها فرحّب بها وقبّلها، وأجلسها في مجلسه"؟[1].
أما أنت - يا حبيبي - فإنها لو دخلتْ عليكَ في وقت انشغالك، لرأتْ منك زفيرًا ونُفُورًا، وربما تراها تجلس معي وأنت تريدني في شيء فلا تصبر حتى تنتهي من حاجتها، وإنما تزجرها لكثرة جلوسها وحديثها معي، وتحرجها حتى تقوم.
وقد تمرض فلا تذهب معها إلى الطبيب، وإنما تكلفني أنا بالأمر، وليس لها منك في مرضها إلا: كيف الحال؟ هل تشعرين بتحسُّن؟
فإذا شفيتْ، لم ترَ منك سرورًا بشفائِها، ولا اهتمامًا، ثم تتساءَل اليوم عن حماقاتها؟
أَلَم تسمعْ إلى قوْل الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن كان له أختان أو ابنتان، فأحْسنَ إليهما ما صَحِبتاه، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين)) وقرن بين إصبعيه"[2]؟! فأنت لك أختان، والتي تُتعبك وتشتكي منها واحدة فقط.
إن ما تشكو منه - يا حبيبي - هو الحصاد المر؛ لكوْنك لم تزرعْ في قلبها حبّة من المشاعر والأحاسيس الطيبة الودود، التي أوصانا بها نبيُّنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - واليوم أنت تجنِي ذلك، ولو غرستَ من البداية حبًّا وحنانًا، لأَلْفَيْتها اليوم أطوع إليك من بنانك، وأسرع في التماس رضاك منّي؛ ولكن أي شيء ستخسره هي إن خسرتك؟! أنت الذي تعاملها أحيانًا بأقلَّ مما تعامل به مَن هُم دونها مكانة منك، ومع ذلك فالفُرصة لا تزال سانحة أن تصلح وتغيِّر للأفضل، فإن عجزتَ فهي عن استماعك بقلبها أو عقلها أو إرضائك أعجز، وتذكّر أنك لها راعٍ، ومسؤول عما استرعيتَه.
قلتُ - وقد هدأتُ واقتنعتُ بكثيرٍ مِن كلامِها الرصين الهادئ -: أفعل - إن شاء الله - ولن أعجز، وسترين منِّي ما يسرُّكِ ويسرُّها من اليوم.

يوسف اسماعيل سليمان
ــــــــــــــ
[1] جزء من حديث رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد.
[2] أخرجه الخطيب في "تاريخه"، وقال الألباني في "الصحيحة": أخرجه الخطيب في "تاريخه" (8/ 284 - 285)، من طريق الأعمش عن أنس مرفوعًا، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأن الأعمش لم يثبت سماعه من الصحابة كما في "التقريب"؛ لكن الحديث صحيح؛ فإن له طرقًا أخرى متصلة عن أنس، بعضها عند مسلم.

الموضوع الأصلي: الرصيد المر || الكاتب: كبريـ انثى ـاء ||