د. عايد شبايك
الاستطراف لغة:
تقول: شيء طريف: طيب غريب يكونُ في الثَّمَرِ وغَيرِه، وطَرُفَ الشَّيءُ: صارَ طَريِفًا؛ عن ابن الأعرابي قال: قال خالد بن صفوان: خير الكلام ما طرُفت معانيه، وشرُفتْ مبانيه، والتذَّته آذان سامعيه.
وأطرف فلان: إذا جاء بطُرفة، واستطرف الشيء؛ أي: عدَّه طريفًا، استطرفت الشيء: استحدثته[1]، وهذه طُرفة من الطرف: المستحدث المعجب[2].


الاستطراف في الاصطلاح:
إنشاء مشبه يعد طرفة لجدته وغرابته بغية التلذذ به؛ لأن لكل جديد مستحدث لذة في الأعم الأغلب[3]، أو كما يقال: كل جديد مستحب.
ويصح أن يكون بالظاء من الظَّرْف؛ بمعنـى: البراعة وذكاء القلب[4]، وحسن المنطق، وطلاقة اللسان، ولا مانع من إرادة ذلك المعنـى؛ لأن من معاني الظرف: حسن الوجه والهيئة[5]، فيكون استظراف المشبه؛ أي: جعله مستحسنًا جميلاً"؛ لكونه أظهر في وصْف أمر غريب مستحدث"[6] يدل علـى براعة مُوجِده وشاعريته.


إذًا؛ فالتشبيه المستطرف هو: التشبيه الذي يلفت الانتباه بغرابته وندرة مكونات المشبه به أو نفاستها.


وينبع استطرافه مِن إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم، أو جعْل المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن[7].


ولذلك ذَهَبَ البلاغيون القدماء إلـى أن التشبيه إذا قام علـى عناصر متقاربة كل التقارب، كان تشبيهًا عاديًّا مبْتذلاً، فقد ذكر الفارابـي: "أن كثيرًا من الناس يجعلون محاكاة الشـيء بالأمر الأبعد أتم وأفضل من محاكاته بالأمر الأقرب، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة، وأدخل في الصناعة، وأجرى علـى مذهبها"[8].


ويرى عبدالقاهر أن الصنعة والحذق والنظر الذي يلطف ويدق في أن يجمع البليغ بين أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل، إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر، ولطف النظَر، ونفاذ الخاطر إلـى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ولا يقتضيان ذلك إلا مِن جِهَة إيجاد الائتلاف في المختلفات"[9].


وسائل أو طرق الاستطراف في التشبيه
أولاً: الغرابة:

ونعنـي بها: حسن الجمع بين المتباعدين، والتأليف بين المتضادين؛ بحيث "يؤول التنافر المعجمـي - بواسطة الخيال - إلـى تكامُل سياقـي"[10] يكون أقدر علـى إثارة التأمُّل لما فيه من الحذق واللطف والظرف، وتتجلَّـى هذه الغرابة فـي:
1- إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم:
كما في قول الشاعر:
رَأَيْتُ فَحْمًا سَرَى فِيهِ اللَّهِيبُ حَكَى بَحْرًا مِنَ المِسْكِ ذَا مَوْجٍ مِنَ الذَّهَبِ

حيث شبه الفحم الذي فيه جمر موقد ببحر من المسك مَوْجُه الذهب، فإنه من الصعب أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر إلـى فحم فيه جمر موقد، وإنما استطرف المشبه هنا؛ لإظهاره في صورة الممتنع، وذلك أن المشبه به وهو البحر من المسك الذائب، وأمواجه الذهب ممتنع عادةً، ونادر الحضور في الذهن، وندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر، وإذا شُبِّه غير النادر بالنادر المستطرف انتقلتْ صفة الندرة لذلك المشبه، وصار مبرزًا في صورته - أي: بصفته - فينجرُّ الاستطراف إليه.


إذًا؛ فالاستطراف هنا له جهتان: إبراز المشبه في صورة المُمتنع،وإظهاره في صورة نادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتَيْن[11].


فالناس في واقع حياتهم الطويلة الممتدة لم يروا ولن يروا مثل هذا البحر العجيب الغريب، الذي لا يتحقق إلا في سبحات الخيال، وأضغاث الأحلام.


ومنه قول السري الرفاء يصف شمعة:
كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ بِلاَ سَعَفٍ تَحْمِلُ أتْرُجَّةً مِنَ النَّارِ
فمثل هذه النخلة (المشبه به) بهذا الوصف الطريف الغريب لا تبرزه العادة يومًا ما، ولا هي حاضرة في الوجود.


ولما كان وجْهُ الشبَه في هذا التشْبيه هيئة اعتبرتْ في الممتنع عادة، لَم يقتضِ أن يكونَ الوجْه أظهر وأعرف[12]؛ لأن هذه الهيئة في المشبه أعرف، إذ هو بنفسه أظهر وأقرب إدراكًا من المشبه به، ولكن لما كان المشبه به أخفـى - ومعلوم أن يلزم من خفائه خفاء وصفه - كان التشبيه أشد استطرافًا علـى ما تقرَّر في جميع الغرائب، وليس وجْهُ الشبه هنا هو منشأ المنْع عادةً، بل منشأ المنع ذات المشبه به[13]؛ بسبب ندرة مكوناته ونفاستها، أو عدم تحققها في واقع الناس.


2- أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن:
♦ إما مُطلقًا لبُعْد تصوُّره؛ سواء أخْطَرْتَ المشبه ببالك أم لا - كما في الأمثلة السابقة - فإنه من الصعوبة بمكان أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر فحمًا فيه جمر موقد، فإذا أُحضرت هذه الصورة استُطرِفت استطراف النوادر عند مشاهدتها، واستلذت استلذاذ الفلتات لجدتها.
♦ وإما أن تكون ندرة الحضور ليست في كلِّ الأحوال، بل عند حضور المشبه في إبان الحديث عنه، بأن يكون المشبه به مشاهدًا مُعتادًا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه؛ لأن كلاًّ منهما من وادٍ غير وادي الآخر، فيبعد حضور أحدهما في الذهن عند حضور الآخر، لبُعد نسبته إليه، كما في قول الشاعر[14]:
وَلَازِوَرْدِيَّةٍ تَزْهُو بِزُرْقَتِهَا بَيْنَ الرِّيَاضِ عَلَى حُمْرِ الْيَوَاقِيتِ
كَأَنَّهَا فَوْقَ قَامَاتٍ ضَعُفْنَ بِهَا أَوَائِلُ النَّارِ فِي أَطْرَافِ كِبْرِيتِ [15]


فهو يشبه صورة زهر البنفسج بلونها المائل إلـى الزرقة، وقد أحاطت بها باقة من الورود الحمراء، أقصر منها قامة، بصورة اللهب المشتعل في أوائل عود كبريت.


وهذا التشبيه - في رأي عبدالقاهر - بلغ حدًّا كبيرًا من الإغراب والإعجاب؛ لأن الشاعر جمع فيه بين متباعدين، وهما نبات غض يرف، ولهب نار في جسم مستولٍ عليه اليبس، وبادٍ فيه الكلف[16].


فهذان الطرفان متباعدان لا يفطن إلـى علاقاتهما إلا ذَكِـيٌّ يقِظ، يستطيع أن يستشرف العلاقات الخفية بين الأشياء ليبرزها للمتلقـي في نسق لُغوي أخَّاذ، يصنع صنيع السحر في النفوس، فالنفس تهفو إلـى كل ما هو غريب جديد.


هذا وما بين طرفي الصورة من عمق الفجوة الشعورية أمر لا يحتاج إلـى مزيد بيان، فكلاهما يستدعي إلـى النفس مشاعر متباينة بل متنافرة، مع ما يستدعيها الطرف الآخر، فزهرة البنفسج بنضرتها اليانعة توحي بمعاني الرقة والوداعة والجمال وطيب الرائحة، وهي معانٍ تنتشي بها النفس، وتحلق في عالم الأحلام، بينما لهب الكبريت يوحي بحرارة النار والاحتراق بها، مما يبعث في النفْس الخوف والفزع، وشتَّان ما بين هذه وتلك[17].


ومما يدل علـى دقة الوصف ولطف النظر، تقييده بـ"أوائل"؛ لأن النار متـى طال مقامها في الكبريت وتمكنت منه واشتعلت، احمرَّتْ وصفت، وزال ما فيها من الزرقة، ولهذا قيد أيضًا بقوله "في أطراف"، ولم يقُل: في كبريت؛ لأن أوائل النار الواقعة في أواسط الكبريت لا في أطرافه لا زرقة فيها[18].


ولا يخفـى أن صورة اتِّصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب - كما أشرنا سابقًا - لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج[19]، فإذا أحضر المشبه به مع صحَّة التشبيه، استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين متباعدتين كل التباعُد.


وقد ذهب عبدالقاهر مذهبًا طريفًا في بيان سر الاستطراف في بيتي "البنفسج والكبريت"، فبناه علـى القاعدة النفسية: "ظهور الشيء من معدنه لا يستغرب".


وقد ظهر الشيء هنا من غير معدنه فعُدّ غريبًا، "ولذلك نجد في تشبيه البنفسج في قوله: "وَلاَزِوَرْدية" أغرب وأعجب وأحق بالولوع، وأجدر من تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق[20]؛ لأنه أراك شبهًا لنبات غض يرف، وأوراق رطبة ترى الماء فيها يشف، بلهب نار مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف"[21]، ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات أو صادف له شبهًا في شيء من المتلونات، لَم تجد له هذه الغرابة، ولم ينلْ من الحسن هذا الحظ"[22].


ورغم ما تجده النفس من أريحية ولذة من بعد معاندة التشبيهات التي تجمع بين متضادَيْن، وتقرب بين متباعدين، فإنها لا تستسيغ دومًا كل جمع بين متباعدين، بل إنها تشترط في مثل هذه التشبيهات "أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفـي ظاهر الأمر شبهًا صحيحًا معقولاً، وتجد للملائمة والتأليف السوي بينهما مذهبًا وإليهما سبيلاً"[23]، فإذا توافر عقليًّا الوفاق الحسن مع الخلاف البين - كأن تكون الأفعال سببًا لضدها، أو أن يكون المشبه شيئًا حقيرًا أبرز في صورة شـيء نفيس أو أن يكون شيئًا مكروهًا بغيضًا أبرز في صورة شـيء جميل محبوب، كان ذلك أدعـى إلـى الاستطراف والقبول.


فمن الأول قول الشاعر:
أَعْتَقَنِي سُوءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرْ رِقِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبَدِي فَصِرْتُ عَبْدًا لِلسُّوءِ فِيكَ وَمَا أَحْسَنَ سُوءٌ قَبْلي إِلَى أَحَدِ

فهذا مما يثلج الصدر، ويحرك النفس، ويستثير الأريحية لحسن تبدي الأضداد وتآلفها؛ لأن الوفاق بين الأضداد يفتح "أبواب الاتصال بين عالمين جرت العادة علـى اعتبارهما منفصلين"[24] مما يثير في المتلقـي الاستغراب والدهشة، وهنا مكمن الاستطراف.



ومن الثاني: قول ابن المعتز يصف النار[25]:

كَأَنَّ الشِّرَارَ عَلَى نَارِنَا وَقَدْ رَاقَ مَنْظَرُهُ كُلَّ عَيْنِ سُحَالَةُ تِبْرٍ إِذَا مَا عَلا فَإِمَّا هَوَتْ فَفُتَاتُ[26] اللُّجَيْنِ

وقد أخذه أبو هلال العسكري فقال[27]:
أَوْقَدْتُ بَعْدَ الهُدُوِّ نَارًا لَهَا عَلَى الطَّارِقَيْنِ عَيْنُ شِرَارُها إِنْ عَلاَ نُضَارٌ لَكِنَّهُ إِنْ هَوَى لُجَيْنُ

فبناءُ التشبيه هنا اشتمل علـى عُنصرين متضادين متغايرَيْن، مما أظهرهما في معرض الغرابة والجدة، هذا فضلاً عما تعبق به الصورة من دِقَّة الوصْف، وحيوية الحرَكة، وجمال المشْهد، وامتزاج الألوان، إلا أن ابن المعتز كان أكثر توفيقًا، وزاد التشبيه استطرافًا، حيث أضفـى عليه لونًا من الجدة والابتكار باستخدام: "فتات اللجين"، وقد اعتاد الشعراءُ الجمع بين التبْر واللجين دون الفتات.


ومن الثالث: قول أبـي تمام في صفرة المرض[28]:
مَعْدِنُ الحُسْنِ وَالمَلاحَةِ قَدْ أَصْ بَحَ لِلسُّقْمِ مَعْدِنًا وَقَرَارَا لَم تَشِنْ وَجْهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ جَعَلَتْ وَرْدَ خَدِّهِ جُلَّنَارَا
وهنا أيضًا جمعٌ بين المتضادات في ربقة، وتأليف بين المتنافرات في صورة حية، وعمدٌ إلـى تحسين القبيح؛ إما للتزين، وإما للتهكم، أو التلهِّي، أو المُجُون، ومن هنا ينبع الاستطراف.


الأمر إذًا في بلاغة التشْبيه عند عبدالقاهر والبلاغيين العرب عامةً يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعوامل متشابكة، تتمثَّل في مدى ما يكون بين طرفيه من تباين في الجنس أو المكان، ينشأ عنه تباعُد في الحضور الذِّهني والنفسي، وفي كونه في صورة مركبة، ليس ذلك فحسب، بل أيضًا فيما يتوافر بين أجزاء تلك الصورة المرَكَّبة وعناصرها من غرابة وبعد عن المألوف، علـى نحو يمنحها خصوصية تتميَّز بها عن التشْبيهات المتداولة التي يستوي في تصوُّرها العامة والخاصة، ولا تقتصر هذه الخصوصية علـى الجمع بين العناصر المتباعدة المتنافرة، إذ تتعدَّى ذلك إلـى قدرتها علـى التأثير النفسي؛ حيث يشعر المتلقي إزاءها بمشاعر الدهشة والإعجاب لهذه القوة الخيالية التي ألفتْ بين الأشياء المتنافرة، والأجزاء المتباينة تأليفًا مثيرًا.


وقد سبق عبدالقاهر الجرجاني بهذه الفكرة النُّقَّاد المحدثين في الأدب الأوربي، وبصفة خاصة الناقد الشاعر المعاصر (عزرا بوند)، الذي اقترب من فكرة عبدالقاهر عند تناوُله الصورة الشعرية، التي تشمل وجوه البيان المختلفة، من تشبيه واستعارة وكناية، فقد ذكر أن هذه الصورة ليستْ مقصورة علـى تصوير الواقع وتشكيله في لوحة فنية، لكنها تُعنَى بالجمع بين الأفكار المتباعدة والانفعالات المتباينة، بهدف إحداث تأثير حاد، أو صدمة شعورية سريعة في نفس المتلقي.


وقد عمق هذه الفكرة تلميذه الشاعر الناقد ت. س (اليوت)، عند حديثه عن فاعلية "الحس الشعري"، التي تتمثل في قدرته علـى الجمْع بين تجارب وخبرات متنافرة في الظاهر، يضمها قالب فنِّي مترابط أو وحدة عضوية[29].


والذي لا شك فيه أن التشبيه الذي يستند إلـى أمر تبصره العيون أو تكثر مشاهدته في الحياة اليومية، يفقد عنصر الطرافة والجدة إلـى الحد الذي يمكن اعتباره تشبيهًا مبتذلاً، وفي هذا يقول عبدالقاهر: "ذلك أن العيون هي التي تحفظ صور الأشياء علـى النفوس، وتجدد عهدها بها، وتحرسها من أن تدثُر، وتمنعها من أن تزول، ولذلك قالوا: "من غاب عن العين غاب عن القلب"[30].


وعلـى العكس من ذلك التشبيه الذي يقوم علـى أمر تقل رؤيته، وتندر مشاهدته، يُعَد تشْبيهًا غريبًا نادرًا بديعًا (مستطرفًا)؛ لأنه يعتمد علـى "قوة التركيز ونفاذ البصيرة التي تدرك ما لم يسبق لنا أن أدركناه، أو نادرًا ما ندركه، ومن هنا تكون الهزة المفاجأة التي تضعها الصورة، وتكون حالة الارتياح"[31]، ومما يجتمع فيه النُّدرة والتفصيل قول الشاعر أبـي طالب الرقـي:
وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ

لأن الناس ترى أبدًا في الصياغات فضَّة قد أجرى فيها ذهب وطليتْ به، ولا يكاد يتفق أن يوجد در قد نثر علـى بساط أزرق[32].


وأظن أن حسن الجمع بين المتباعدات يتولَّد من المفارقة بين تنافُر المتباعدات في الواقع الخارجـي، وانسجامها في التركيب اللغوي لدقة التخيل، فالخيال "لا يظهر في شـيء بقدْر ما يظهر في إحالة فوضـى الدوافع المنفصلة إلـى استجابة موحدة منتظمة"[33]، لذلك ليس من الغريب أن "يؤول التنافر المعجمـي بالخيال إلـى تكامل سياقـي"[34]؛ ليكون أقدر علـى إثارة التأمُّل، وعندما يصل التشبيه إلـى هذا المستوى من اللطافة والرقة والغموض والحداثة، تتحرر فيه الدلالة من إطارها الضيِّق لتتَّجه نحو الإيحاء الذي هو ميزة اللغة الشِّعرية.


ثانيًا: الاستطراف والتمثيل:
ومما يزيد المعاني جدة وطرافة إذا أبرزتْ في معرض التمثيل، ونقلتْ عن صورها الأصلية إلـى صورته كساها أبهة، وضاعف من قواها في تحريك النفوس لها، ولا سيما إذا اشتمل التشبيه التمثيلي علـى علة طريفة تجلي المعنـى وتُقربه، وللتمثيل في هذا الشأن المدى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه؛ لأنه يفيد صحة التشبيه، وينفي الريب، ويؤمن صاحبه تكذيب المخالف، وتهجم المنكر.


ومن أمثلة ذلك قول البحتري يمدح أبا الفضل إسماعيل بن إسحاق[35]:
دَانٍ إِلَى أَيْدِي العُفَاةِ وَشَاسِعٌ عَنْ كُلِّ نِدٍّ فِي النّدَى وَضَرِيبِ كَالبَدْرِ أَفرَطَ فِي العُلُوِّ وَضَوءُهُ لِلعُصبَةِ السَّارِينَ جَدُّ قَرِيبِ

يقدم البحتري في هذا التشبيه التمثيلي معنـى رائعًا، لا يستطيع القارئ فهمه بمجرد قراءة البيت الأول، بل لا بد من قراءة البيتين؛ لتدرك ما أراده الشاعر من التناهي في القرب والبعد؛ فالبحتري يدعي في البيت الأول - الجمع بين معنيين متضادين هما: (دانٍ، وشاسع)؛ حيث وصف ممدوحه بأنه قريب بعيد، وهذا في بادئ الأمر يشعر القارئ أنه إزاء معنـى غريب بديع، وهو أمر ترفضه العقول؛ لاستحالة الجمع بين المتضادتين، ولكنه بصنعته الشاعرة وخياله المحلق ما لبث أن أراكهما إلفين متآلفين بوضعه المعنـى في إطار بديع من التمثيل، وجعله بمثابة تعليق لصدق دعواه، فأرانا - عن طريق الحسَّ- ذلك المعنـى في صورة البدْر البعيد في مكانه القريب بضوئه، فلم يسَع العقل - عندئذٍ - إلا أن يقرّ، ولا النفس إلا أن تذعن بما حدث لها من الأنس، نتيجة كشْف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه.


إن ما يميز هذا التشبيه التمثيلـي المركب تلاحمه بتداخل المعانـي فيه وائتلافها، فلا يصلح أن يكون أحد طرفيه مُستقلاً عن الآخر، وإن التغيير في صياغته يفقده جماله وتأثيره، وهذا يؤكِّد قول ليبنتز: "إن التصورات المركبة أكثر شاعرية من الأفكار البسيطة"[36].


هكذا استطاع البحتري بشاعريته أن يتجاوز ما يحضر العين إلـى ما يحضر العقل، واستخدم الخيال التصويري، لإيضاح ما لا يستطيع التعبير العادي أن يؤديه، ولرسم صورة إيحائية، أضافتْ جديدًا إلـى المعنـى، وقوة الإيحاء وسيلة يستطيع الشاعر بها أن يضيف إضافات جديدة إلـى المعنـى المصور، بانتقاله من المدلول العادي للألفاظ إلـى المعنـى حين يجمع بين المتضادات، ويصور ما ليس بواقع ولا مشاهد، كأنه واقع مشاهد.


يضاف إلى ذلك ما طالعنا به الشاعر من تعليل مليح ذي علة خيالية، أراد به مدح ابن إسحاق، بأن يدخل عليه السرور، ويؤثر في وجدانه بالتظرف في مدْحه، والتلطُّف في الثناء عليه، فجاء مدحه في ثنايا هذا التشبيه المطوى في التمثيل الرائع، فكان أوقع في نفس الممدوح، وأجلب لسروره، وأوجب شفاعة للمادح.


وتكمن العلة الأخيرة للتمثيل في هزِّ نفس المتلقي، واستثارة أحاسيسه عقب تحصيل المعنـى كاملاً وواضحًا بالتصوير التمثيلي، بعد أن بذلت الجهود الكبيرة طلبًا له، وأملاً في نواله.


وقالوا: إن أبا تمام لما سمع البحتري ينشد بين يدي محمد بن يوسف قصيدته[37]:
فِيمَ ابْتِدَارُكُمَا المَلامَ وُلُوعَا أَبَكَيْتَ إِلاَّ دِمْنَةً وَرُبُوعَا

وبلغ قوله[38]:
فِي مَنْزِلٍ ضَنْكٍ تَخَالُ بِهِ القَنَا بَيْنَ الضُّلُوعِ إِذَا انْحَنَيْنَ ضُلُوعَا
نهض أبو تمام فقبل البحتري بين عينيه سرورًا به، وتحفيا بالطائية، ثم قال أبـى الله إلا أن يكون الشعرُ يمنيًّا[39].


ويشهد عبدالقاهر للبحتري كما شهد له أبو تمام حيث يقول: "وإنك لا تكاد تجد شاعرًا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب، ورد البعيد الغريب إلـى المألوف القريب، ما يعطي البحتري؛ فإنه ليروض لك المُهرَ الأَرِنَ رياضةَ الماهر حتـى يعنِق من تحتك إعناق القارح المذلل"[40].


وهذا التشبيه الذي استجاش أبا تمام مِن هذا الضرب الذي يستحسنه قدامة؛ لأن الشبه بين القنا التي غرزت في ضلوع الأعداء، ثم انحنت لقوة الطعنة، تصير وهـي في مغرزها، وعلـى حال الانحناء أشبه بالضلوع، فالطرفان متباعدان، ولكن الشاعر كشف ما بينهما من علاقة أدنتهما إلـى حال القرب والاتحاد، والفضل والتقدُّم في التشبيهات التي تلتقط الأشباه بين الأمور المتباعدة[41].


وعلـى هذا إذا قدم الشاعر المعنـى بالنهج التمثيلي، فإن المتلقِّي يسهل عليه إدراكه والتأثر به إعجابًا واستحسانًا واستمتاعًا، خاصة أنه قد سبق تعذُّر الإحاطة به، لعُمقه ودقته، ويذكر عبدالقاهر محددًا هذه العلة: "إن المعنـى إذا أتاك ممثلاً فهو في الأكثر ينجلي لك، بعد أن يحوجك إلـى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له، والهمة في طلبه، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، فإذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، فكان موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضَنّ وأشغف"[42].


وكلما غنيت الصورة في التشبيه التمثيلي بالدلالة، كان ذلك أدعى إلى زيادة خفائها، وتبدو عندئذٍ ذات مستويات دلالية، تتوالَى في إثْر بعضها، أو يستدعي بعضها بعضًا، كما في قول المتنبي يخاطب سيف الدولة[43]:
فَوَاعَجَبًا مِنْ دَائِلٍ أَنْتَ سَيْفُهُ أَمَا يَتَوَقَّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلَّدَا وَمَنْ يَجْعَلِ الضِّرْغَامَ بَازًا لِصَيْدِهِ تَصَيَّدَهُ الضِّرْغَامُ فِيمَا تَصَيَّدَا

فسيف الدولة ليس إلا أميرًا من أمراء الخليفة العباسي في بغداد، بيد أنه كان يعدُّه أقواهم بأسًا، وأشدهم سطوة، فكان يعتمد عليه في صدِّ هجمات الأعداء الذين يغيرون على أطراف الدولة وتخومها، ويتعَجَّب المتنبي من هذا المسلك للخليفة، ويتجه بخطابه إلى سيف الدولة قائلاً: ألا يخشي يستمد قوته منك، ويتخذك سلاحًا بتارًا في يده، من أن ترتدَّ إليه، وتفتك به، فيصبح ضحية من ضحاياك.


ثم يبرز هذا المعنى في صورة مادية حسية، هي أن من يتخذ الأسد أداة لاقتناص فرائسه يُمَكِّن الأسد مِنْ نفسه، فلا يكون بمأمن مِنْ غدْره، وتحين الفرَص للانقضاض عليه وافتراسه، ولا نظن أن هذا المعنى يتكشف للمتلقي من القراءة الأولى، بل يحتاج إلـى معاودة القراءة، وإنعام النظر والتفكير.


والدلالة الشعرية السابقة هي الدلالة الظاهرة للتشبيه، وهي بالطبع تحمل معنى الإشادة بشجاعة سيف الدولة، وقوته الضاربة، إلا أنها مبطنة - في الوقت نفسه - بمستويات دلالية أخرى تشعها بطرق الإيحاء، منها ما يمثله ذلك الوضع من خطورة بالغة على سلطة الدولة العليا، وما يستتبعه ذلك من ضرورة يقظتها وحذرها، حتـى لا تؤتَى من مأمنها، ومحط ثقتها، وكأن الخطاب الشعري بهذا الاعتبار، تنبيه لها من طرف خفي، لا يلام عليه الشاعر، ولا يؤاخذ به، ومن تلك الدلالات الإيحائية أيضًا إلقاء ظلال من الشك على ولاء سيف الدولة للخلافة التي يستمد شرعية ولايته وحكمه منها، وقد يذهب الخيال إلـى دلالة أخرى أبعد من ذلك، تتمثل في التشكيك في وفاء سيف الدولة للمقربين منه، ومنهم الشاعر نفسه[44].


إن جودة هذا التشبيه تتمثل في النظر المستقصـى، وقدرة الشاعر علـى التنويه بالقضايا التي تشغله، وهو تشبيه يفضل في سياق المقارنة التشبيهات التي لا تتعمَّق الأشياء ولا تتقصـى أحوالها وأوصافها؛ لأن التشبيهات التي تعتمد النظرة الإجمالية لا تؤدي دورها من حيث التأثير في المتلقـي؛ لأن قيمة التشبيه فيما يحدثه من تفعيل دور المتلقـي، وأخذه إلـى ساحة الفن لإدراك أبعاد التشبيه، والوقوف علـى مضماراته، والكشف عن إيحاءاته وإزالة غموضه، فإذا تحقق هذا بعد عناء النظر وتأمل الفكر، كان موقعه من النفس أجل وألطف.



ثالثًا: الاستطراف والتفصيل:
إن التشبيه بين المتباعدات لا بد أن يقوم علـى رابطة يقرها العقل، وترضاها النفس، وإن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات، كما في قول جبار بن جزء بن ضرار ابن أخ الشماخ:
وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الأَشَلِّ
ويُحَلِّل عبدالقاهر هذا التشبيه تحليلاً يصف مدلوله وصفًا بالغًا في الدِّقة، يقول في ذلك:
"أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ علـى الجملة، الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل، ثم ما يحصل في نورها من أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركة متصلة دائمة في غاية السرعة، ولنورها بسبب تلك الحركة تموج واضطراب عجيب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون المرآة في يد الأَشَل؛ لأن حركته تدور وتتَّصل، ويكون فيها سرعة وقلق شديد، حتـى ترى المرآة لا تقر في العَيْن، وبدوام الحركة وشدة القلق فيها، يتموج نور المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف، وتلك حال الشمس بعينها حين تحد النظر، وتُنفذ البصر، حتـى تتبين الحركة العجيبة في جرمها وضوئها، فإنك ترى شعاعها كأنه يهمُّ بأن ينبسط حتـى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي بدأه إلـى انقباض، كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلـى الوسط، وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان كنه صورته"[45].


وهذا التحليل وَصَفَ حركةَ الشمس وتموجَها وصفًا أدقَّ من وصف الشاعر، ويظهر من خلال هذا التحليل سبب إعجاب عبدالقاهر بهذا البيت، وكأنه ينظر إليه من زاوية اقتداره علـى وصف الشيء وصفًا كاشفًا مستوعبًا، لا يدع فيه لمحة ولا حركة ولا خاطرة إلا أشار إليها بما يكشفها، وذلك إنما يكون مع صحة الفطرة، وصدق الملكة، وقوة الخيال، فالإدراك الذي لا يفلت منه شيء في المدرك إدراكٌ صحيحٌ، ومثل ذلك الإدراك أمر "لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان صورته"[46]؛ لأن وصف الحركة من أصعب أبواب الوصف؛ لأن تصويرها بالكلمات حتـى تكون فيها كما تراها العين تجول وتضطرب، عمل لا ينهض به إلا ذوو المواهب الفذة[47].


ومما جاء من ذلك ولطف وعرف، لما فيه من التفصيل والتركيب مع اهتمام بالغ بوصف الحركة قول ابن الرومـي يصف "الخباز"، وهو يدحو الرقاقة:
إِنْ أَنْسَ لاَ أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالبَصَرِ مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفِّهِ كُرَةً وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالقَمَرِ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ فِي لُجَّةِ المَاءِ يَرْمِي فِيهِ بِالحَجَرِ

هنا استخدم الشاعر الخيال التصويري لرسْم صورة الخباز وهو يدحو الرقاقة، مستعينًا بموهبته الفطرية، وأدواته الفنية، ودقَّة مُلاحظته، فقدم لنا صورة تشبيهية تثير الدهشة والعجب في نفس قارئها، فالخباز يتناول كرة العجين في يده، فيبسطها بسرعة، ويمطها بحركة سريعة، فتزداد استدارتها بالتدريج، وهكذا تتتابع الحركات في مهارة وسرعة في بسط العجينة ومطها حتـى تصير قوراء كالقمر.


ثم ربط الشاعر هذا المشهد في خياله المحلق بما يتشكل في صفحة الماء الساكن حين يلقي فيه بالحجر، فتتوالد دوائر متتالية متتابعة في سرعة تزداد اتساعًا بالتدريج حيث تبدأ كل منها صغيرة عند المركز ثم تتسع وتنداح شيئًا فشيئًا.


ومما يلفت النظر في هذه الصورة التي تكشف عن موهبة ابن الرومـي الأصيلة في هذا التصوير، هو التركيز علـى استخدام التشبيه، مقترنًا بكلِّ ما يخاطب حاسة العين، وكلا الأمرين موصول بالآخر وصل المفردات البصرية بما يؤكد تشخيص الجماد، وبث الحياة والمشاعر في حضوره الذي يغدو حضورًا إنسانيًّا.


ويلفت الانتباه في المشهد - ثانيا - أن المشاعر الإنسانية المنسربة فيه لا تتجلـى إلا بمشابهات بصرية، تعمل ترابطاتها علـى إثارة تداعيات شعورية، تدعم الحالة الوجدانية التي يؤديها المشهد، ويجسدها في الوقت نفسه، وهـي مشابهات لا تخلو من عنصر المفاجأة الناتج عن الجمع بين ما لا يجتمع عادة في الوعـي، والوصل بين المتباعدات التي تتقارب علـى نحو مباغت في اتجاه شعوري بعينه، أقصد إلـى دهشة العقول من صنعة الفن في هذا التشبيه المستطرف الذي بقـي يغالب الزمن، ويشهد ببراعة ابن الرومـي الشاعر.


ما أجمل الصورة! وما أروع التعبير عنها! كيف استطاع الشاعرُ اقتناص وجه الشبه على هذه الدرجة من البعد والغرابة؟!
"إن أصدق الصور ما كانت ممكنة في الواقع، إن لم تنتزع منه فعلاً"[48]، تأمل الأبيات مرة أخرى، ترَ براعة التصوير الحسي لدى ابن الرومي في وصف صانع الرقاق لتصويره في أوضاعه المتلاحقة، واستيعاب المشهد بكل جزئياته وحركاته وتحوُّلاته في هذه الصورة التمثيلية النادرة النظير، فهي من المشابهات الخفية التي يدق المسلك إليها؛ لأن الطرفين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف، وقد استطاع الشاعر بمهارته أن يوجد بينهما اتفاقًا كأحسن ما يكون الاتفاق وأتمه، " فبمجموع الأمرين - شدة ائتلاف في شدة اختلاف - حلا وحسن وراق وفتن"[49].


تأمَّل الأبيات مرة أخرى تر أن حواس الشاعر كلها تشترك اشتراكًا حيًّا في الوصف، وأنت أمام مشهد حي متحرك تراه بعينيك، وتنفعل له كما ينفعل له الشاعر، فهو لم يكتف برسم الخطوط العامة للصورة، وإنما يعمد لرسم التفاصيل وتصوير الظلال في غاية الانتباه والدقة حتـى يستقيم واقع الصورة كما يراها ويحسها.


إن عين الشاعر هنا توصف بأنها عين رائية، بمعنـى أنها ترى الأشياء وتتغلغل في باطنها، لا مجرد النظر إليها، لذلك لا تحاكـي صور الشاعر عناصر الطبيعة كما هـي، وإنما تقدمها معدلة بفعل اندماجها في علاقات شعورية جديدة، هـي علاقات لغوية، لا نرى معها عناصر الطبيعة في ذاتها، وإنما نراها من خلال الشاعر لها وإحساسه بها.


هكذا استطاع ابن الرومي بشاعريته الفذة أن ينقل المعنـى بهذا البيان المقتدر في هذه الصورة الديناميكية إلـى عالم الشعر بقوة إحساسه ورحابة خياله، ودقة ملحه، لتظل علـى الأيام تشهد للشعر بقوة السحر، وتثبت جملة ما للبيان من القدرة والقدر.


إن العقاد كان علـى حق في اعترافه ببراعة ابن الرومي في هذا النمط التصويري حين قال: "إنه ينظر إلـى الأشياء بعين مصور صناع، لا يفوتها لون من الألوان التي تنسجها خيوط الشمس في ائتلاف أو اختلاف، وفي سطوع أو خفوت، فإذا أضفت إلى ذلك مقدرته في تصويره الحُدُب، والصلع، والقصار، وأصحاب اللّحـى الكثيفة، والأنوف الغليظة، أمكنك أن تقول أيضًا: ولا يفوتها شكل من الأشكال، فهو فنان، لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان؛ لأنه استعاض عن الريشة بالقلم، وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما، وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان"[50].


وفي إدراكي أن الجاحظ هو الذي خطط لهذا التفكير الجمالي حين ذهب إلـى أن "الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير"[51]؛ لأن الشعر - عنده - مقصور على تلك العبقرية التصويرية التي يفتقد الشعر بافتقادها أعظم عناصر فاعليته وتأثيره.


وقد ذكرنا قَبْلُ أنوصف الحركة من الصعوبة بمكان، لا يتأتَّـى إلا لمن أوتي خيالاً رحبًا، ولغة طيِّعة ومهارة في الوصْف، والدليل علـى ذلك "إذا أراد المرءُ أن يثبت هذا "المشهد الحركي" بالرسم علـى اللوحة احتاج أن يصنع فيها صورًا كثيرة تمثل كل منها واحدًا، ولكنه بعد أن يفعل ذلك لا يكون قد صنع شيئًا علـى الحقيقة، ولم يمكنا من النظر إلـى جملتها كما فعل ابن الرومي في أبياته الثلاثة"[52].


وبقدر ما تكثر التفاصيل في التشبيه، وتعظم بنيته التركيبية تعظم قيمته البلاغية، لما يشـي به ذلك من ملاحظة أدق، ورؤية أعمق لمظاهر الاشتراك بين الطرفين، واقتراب أكثر من حالة تطابق بينهما، وإلـى ذلك أشار عبدالقاهر بقوله: "وجملة القول: إنك متـى زدت في التشبيه علـى مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد دخلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضل ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصورة في استنفادك الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد"[53].


وكما تعتبر هيئة الحركة في التشبيه، كذلك تعتبر هيئة السكون علـى الجملة وبحسب اختلافه، نحو هيئة المضطجع، وهيئة الجالس، فإذا وقع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيب وتفصيل، لطف التشبيه وحسن[54]؛ كقول الأخيطل في وصف مصلوب:
كَأَنَّهُ عَاشِقٌ قَدْ مَدَّ صَفْحَتَهُ يَوْمَ الوَدَاعِ إِلَى تَوْدِيعِ مُرْتَحِلِ أَوْ قَائِمٌ مِنْ نُعاسٍ فِيهِ لُوثَتُهُ مُوَاصِلٌ لِتَمَطِّيهِ مِنَ الكَسَلِ

لقد أورد المبرد هذين البيتين في "الكامل"[55]، وبين أن التصوير في البيتين ينص علـى "ابتكارية" خيال الشاعر، من حيث بُعد العلاقة في صورة البيت الأول بين العاشق الذي ينبض قلبه بالحياة والحب، والمصلوب الذي خمدت فيه جذوة الحياة، ومن حيث بُعد العلاقة أيضًا في صورة البيت الثاني بين المصلوب الموشك علـى الموت، والشخص القائم من نومه يدفع عن نفسه الكسل بتنشيط جسمه، فيعمد إلـى مدِّ ذراعيه وفتح عينيه ليبدأ يومًا جديدًا، فهذا البُعد الماثل بين طرفي الصورة في كل من البيتين دليلٌ علـى قدرة التخيل الابتكاري الذي يثير في نفس المتلقي أحاسيس التعجب والدهشة والإعجاب، والذي يوفق ويؤلف "بين الصفات المتضادة أو المتعارضة بين المتشابه والمختلف، بين المجرد والمحسوس، بين الفكرة والصورة، بين الفردي والعام، وهي التي تجمع بين الإحساس بالجدة والرؤية المباشرة، والموضوعات القديمة المألوفة، وبين حالة غير عادية من الانفعال ودرجة عالية من النظام"[56].


ويتوقَّف عبدالقاهر في شرح هذا التشبيه المركب والذي يعتبره من التشبيه المستطرف لكثرة التفصيل فيه فيقول: "ولَم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال "كأنه متمطٍّ من نعاس" واقتصر عليه، كان قريب المتناول؛ لأن الشبه إلـى هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداءً لكونه من باب الجملة، فأما بهذا الشرط وعلـى هذا التقييد الذي يفيد استدامة تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سفر من الخاطر، وقوة من التأمل، وذلك لحاجته إلـى أن ينظر إلـى غير جهة، فيقول: "هو كالتمطي"، ولكن المتمطي يمد ظهره ويديه مدة، ثم يعود إلـى حالته فيزيد فيه أنه مواصل لذلك التمطي، ثم أراد طلب علته وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من النعاس[57].


وفي البيت الأول اعتبر هيئة سكون عنقه وصفحته في حال امتدادها، واعتبر مع ذلك السكون صفة اصفرار الوجه بالموت؛ لأن تلك الهيئة موجودة في العاشق المادِّ عنقه وصفحته لوداع المعشوق، في هيئة أضيف إلى السكون فيها غيره من أوصاف الجسم[58].


وهذا أصل فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يثبت في الوصف أمر زائد علـى المعلوم المتعارف ثم يطلب له علة وسبب[59]، فالمستفاد من الصورة هو صورة التمطي والكسل، وهيئته الخاصة وزيادة معنـى وهو بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن تكون عليها، إضافة إلـى الاستقصاء الموجود في البيتَيْن.


إن النظرة المفصَّلة تتأمل الأشياء، وتتعمق التفاصيل الدقيقة، والفروق الخاصة بين الأشياء، ومن ثم إدراك النادر الذي لا يقع ذكره بالخاطر دائمًا، ومع أن التفصيل والاستقصاء والدقة أمور ضرورية في الشعر، إلا أن مهمتها لا تقتصر علـى مساعدة القارئ علـى تفهم المعنـى منفصلاً عن غيره من انفعالات الشاعر، فهو لا يربط بين الصورة والشعور أو الفكرة، بل يميل إلـى العناية في التشبيه بالشكل والتمثيل الحسـي والبصري خصوصًا للمعنـى، ويبنـي استحسانه علـى الندرة وبعد ما بين جنسـي المشبه به والمشبه، مهما يكنْ موقع الصورة من الفكرة والشعور[60]، ولا يصح الوقوف عند مجرد التشابه الحسـي القائم علـى مجرد الحصر المنطقـي لكل أجزاء المشابهة دون ربط هذا التشابه بالشعور المسيطر علـى الشاعر في نقل تجربته، والوقوف عند مُجَرد التشابه في الصور البيانية دون اعتبار للانفعالات والمشاعر الإنسانية.


فبراعة التشبيه تَتَمَثَّل في قدرته علـى إيقاع الائتلاف بين الأشياء المختلفة، مع وجود مشابهة لها أصل في العقل، بيد أنها خفية لا يستطيع أن يصل إليها إلا المهَرة في الفنون، ومن كان عميق الإحساس والذوق، ولا يهمل دور الانفعالات والمشاعر الإنسانية في قيمة التشبيه.


رابعًا: الاستطراف والتخييل:
لقد كشف لنا البلاغيون والفلاسفة المسلمون وهم يتحدثون عن فن الشعر، عن قيمة الدلالة الإيحائية الداخلية وأبعادها النفسية، ومدى تأثيرها في نفس المتلقـي؛ من حيث إحداث الاستجابة المطلوبة.


يقول ابن سينا: "إن الكلام المخيل تذعن له النفس فتنبسط عن أمور من غير روية وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانيًّا"[61].


وقد كشف لنا الرئيس ابن سينا عن بُعد نفسـي آخر للتخييل، حينما ذهب إلـى أن النفس تجد لذة في التخييل، كاللذة التي تجدها في الحسيات، فهـي تركن إليه لتعوض به عن إخفاقها في إشباع حاجاتها الحسيَّة، وذلك عن طريق تذكر اللذات الحسيَّة بواسطته.


يقول ابن سينا: "وليس كل اللذيذات عن الحس، بل في التخييل لذات أيضًا، وإن كانت بالأحرى أن تنسب إلـى الحس، فإن الذاكرين اللذات يلتذون بها"[62]، وهذا يذكرنا بما ذهب إليه علماء النفس المحدثون من أن الإنسان قد يلجأ إلـى أحلام اليقظة، وهـي درب من دروب التخييل، لينفس به عن مشاعره المكبوتة، ويوهم نفسه بإشباع رغباته في الخيال، بعد أن أخفق في إشباعها علـى نحو الحقيقة، فيجد في أحلامه تلك لذة ومتعة[63].


ويعلل حازم القرطاجنـي إذعان النفس وانبساطها للتخييل من غير روية أو تفكُّر، فيرى أن التخييل يشغل النفس عن تفقد مواضع الكذب والمبالغة في الكلام[64]، وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس - كما يقول حازم -: "إذا اقترنت بحركتها الخيالية، قوي انفعالها وتأثرها"[65].


وإذا تم ذلك فإنه حينئذ قادر علـى إحداث الاستجابة المطلوبة، ودفع المتلقـي لاتخاذ الموقف المناسب من التجربة الشعرية، فيستطيع "أن يحبب إلـى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتُحْمل بذلك علـى طلبه أو الهرب منه"[66]؛ لأن الشعراء يمكنهم حمل النفوس علـى ما يريدون بتهييج مشاعرها، وإلهاب عواطفها، وبعث وجداناتها، فتنطلق إلـى الشأو المرسوم كالسهم المرسل لا يلوي علـى شـيء.


وعن صلة التخييل بالتشبيه يقول عبدالقاهر: "وينبغـي أن تعلم أن باب التشبيهات قد حظـي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتـي الصفة علـى غرابته، ولا يبلغ البيان كنه ما ناله من اللطف والظرف"[67].


يقول أبو عبدالله بن مرزق الأندلسي في علة الكتابة بالسواد في البياض:
وَلَمَّا أَنْ نَأَتْ مِنْكُم دَيَارٌ وَحَالَ البُعْدُ بَيْنَكُمُ وَبَيْنِي بَعَثْتُ لَكُمْ سَوَادًا فِي بَيَاضٍ لِأَنْظُرَكُمْ بِشَيْءٍ مِثْلِ عَيْنِي

ألست ترى أن هذا الشاعر قد استطاع أن يخدعنا بهذا التعليل البديع المخترع؟ ثم ألست تحس نغمة الحزن والكمد التي تسود الشعر وتنضح بلوعة الشاعر وتفجعه وتوجعه؟
"لأَنْظُرَكُمْ بِشَيْءٍ مِثْل عَيْنِي"
ما أشجى هذه الكلمة! لقد تركزت فيها تجربة الشاعر وانتقلت إلينا كاملة غير منقوصة، فإذا نحن مثله نتشكـى نأي الديار وبُعد المزار[68].


ويقول أبو المحاسن الدمشقي في سوداء[69]:
زَعَمُوا أَنَّنِي بِجَهْلٍ تَعَشَّقْ تُكِ سَوْدَاءَ دُون بِيضِ الغَوَانِي لَيْسَ مَعْنَى الجَمَالِ فِيكِ بِخَافٍ إِنَّمَا أَنْتِ خَالُ خَدِّ الزَّمَانِ

هكذا ترى قدرة الشاعر على أن يريك الجمال في شـيء لا جمال فيه، وأن يضفي جمالاً علـى شيء ليس جميلاً في ذاته، وذلك كله على طريقة الادعاء والتخييل التي هي جوهر الشعر.


"وقد يقصد الشاعر على عادة التخييل، أن يوهم في الشيء الذي هو قاصر عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجاب أن يجعلَ أصلاً فيها، فيصح علـى موجب دعواه وسرفه، أن يجعل الفرع أصلاً، وإن كنا رجعنا إلى التحقق، لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يوضع اللفظ عليه، ومثاله قول محمد بن وهيب يمدح المأمون:
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ وَجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر، وأتم وأكمل في النور والضياء من الصباح، فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح فرعًا، ووجه الخليفة أصلاً"[70].


وهكذا جاءت المبالغة في التشبيه من المفارقة بين طرفيه سواء ألحق الناقص بالزائد أو العكس، وفـى هذه الحال يحتاج المتكلم إلـى توكيد الكلام أو الزيادة في إثباته لأن المبالغة خيال، والخيال غير متفق عليه، ولا يستساغ إلا بزيادة التوكيد، ومن هنا فإن التوكيد في الكلام الخيالـي أو التصوير ضرورة يحتمها السياق؛ للتأثير في أنفس المتلقين.


والذي يسوِّغ هذه المبالغة - وغيرها من المبالغات في الشعر - قلب التشبيه حيث يقوم هنا علـى الادعاء والتخييل، فالشاعر لا يقصد إلـى إيهام أن وجه الخليفة في ضيائه مريدًا المساواة بينهما - لوضوح الفرق بين الصبح ووجه الخليفة - وإنما يدعي علـى طريقة الشعر في التخييل أن صفة الإشراق في وجه الخليفة أكمل منها في الصبح، فصار الفرعُ أصلاً والأصل فرعًا، وهذا لا يصح عند التحقيق، وإنما يصح بمقتضـى قوانين الشعر وأعرافه، ومنطقه القائم علـى "الادعاء والتخييل"، وهذا ما يراه حازم القرطاجني معتبرًا في صناعة الشعر، لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة، "فقد يعد حذقًا للشاعر اقتداره علـى التمويه علـى النفس، وشدة تخيله في إيقاع الدلسة إليها في الكلام"[71]، ولما كانت النفس مطبوعة علـى ذلك "اشتد ولوعها بالتخيل، وصارت شديدة الانفعال له، حتـى إنها ربما تركت التصديق للتخيل فأطاعتْ تخيلها وألغت تصديقها"[72].


ولذلك يرى قدامة أن براعة الشعر لا تنفصل عن قدرته علـى الإفراط في وصف ممدوحيه بما يرفعهم عن مستوى البشر العاديين[73].



فمن ذلك قول المتنبي[74]:
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ فَإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ
فقد ادعـى لممدوحه أنه فاق الأنام، وفاتهم إلـى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه[75].



ومما يصب في هذا القرار قول حافظ إبراهيم يمدح الإمام محمد عبده[76]:
إِمَامَ الهُدَى إِنِّي أَرَى القَوْمَ أَبْدَعُوا لَهُمْ بِدَعًا عَنْهَا الشَّرِيعَةُ تَعْزُفُ وَبَاتُوا عَلَيْهَا جَاثِمِينَ كَأَنَّهُمْ عَلَى صَنَمٍ لِلْجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ فَأَشْرِقْ عَلَى تِلْكَ النُّفُوسِ لَعَلَّهَا تَرِقُّ إِذَا أَشْرَقْتَ فِيهَا وَتَلْطُفُ فَأَنْتَ بِهِمْ كَالشَّمْسِ بِالبَحْرِ إِنَّهَا تَرُدُّ الأُجَاجَ المِلْحَ عَذْبًا فَيُرْشَفُ

الشاعر يطلب من الإمام أن يشرق علـى هؤلاء أصحاب البدَع بعلمه ونصحه، لعل نفوسهم تتفتح، وطباعهم ترق بتأثير علمه، فإذا كانت الشمس تحول ماء البحر المالح - بفعل حرارتها - عذبًا يرتشف، فالإمام جدير بأن يبدلَ طباع هؤلاء بتأثير علْمه وأخلاقه.


والشاعر علل ما يمكن أن يحدث من تغيير لهؤلاء المنحرفين بتأثير دروس الإمام وتوجيهاته ونور علمه، بأن الشمس تحول ماء البحر الأجاج - بفعل حرارتها - عذبًا مستساغًا، وقوله: "تَرُدُّ الأُجَاجَ المِلْحَ عَذْبًا" فيه تناص مع قوله تعالـى: ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [الفرقان: 53].


إن ما ساقه الشاعر من سبب وعلة وليد خيال خصيب، ونتاج وجدان حي وعاطفة ذاكية، وقد ساق تعليله من خلال تشبيه تمثيلي رائع زاد المعنـى وضوحًا، وأكسبه تأكيدًا واستطرافًا، وأثار مكامن الاستظراف من نفس المتلقي، ودلّ علـى براعة الشاعر وحِذقه في عقد المشابهة بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما.


"والبراعة التي يمكن أن يحتسبها الذوق القديم لحافظ في هذا التشبيه قرينة الهدف من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضـى الحال مع فصاحته، ولا شك أن المضمون الديني للتشبيه يلتقي مع طبيعة الممدوح - الشيخ محمد عبده - من حيث هو رمز ديني كبير، سواء في تجديده الفكر الديني، أو توليه منصب الإفتاء، أو إشرافه علـى الأزهر الشريف، وكلها علامات تؤكد الحضور الروحي للإمام الذي يمكن أن تتحول أعماله إلـى صحف أبرار، خصوصًا في عيني الشاعر الذي أحبه كل الحب"[77].


ويذهب ابن الأثير ومن بعده العلوي إلـى أن المتكلم يريد بتشبيهه تقرير المشبه في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه، وأول ما يستفاد من ذلك المبالغة، فإنها لا تنفك عنه وإلا لم يكن تشبيهًا؛ لأن إفادته للمبالغة مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، وكلَّما كانت المبالغة أكثر كان التشبيه أدخل في البلاغة وأوقع فيها[78]، وذلك مثل قول الشاعر:
وَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّ حَامِلَ كَأْسِهَا إِذْ قَامَ يَجْلُوهَا عَلَى النُّدَمَاءِ شَمْسُ الضُّحَى رَقَصَتْ فَنَقَّطَ وَجْهَهَا بَدْرُ الدُّجَى بِكَوَاكِبِ الجَوْزَاءِ

فالشاعر شبه الساقـي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب بالكواكب إغراقًا ومبالغة فأحسن وأبدع[79]؛ لأنه أضفـى علـى المعنـى قوة باستخدامه "كأن" التي تدلل علـى يقين المتكلم بما يقول[80].


ومما ينظم في هذا العقد قول أبي العلاء يصف شمعة[81]:
وَصَفْرَاءَ لَوْنِ التِّبْرِ مِثْلِي جَلِيدَةٌ عَلَى نُوَبِ الأَيَّامِ وَالعِيشَةِ الضَّنْكِ تُرِيكَ ابْتِسَامًا دَائِمًا وَتَجَلُّدًا وَصَبْرًا عَلَى مَا نَابَهَا وَهْيَ فِي الهُلْكِ وَلَوْ نَطَقَتْ يَوْمًا لَقَالَتْ: أَظُنُّكُمْ تخَالُونَ أَنِّي مِنْ حِذَارِ الرَّدَى أَبْكِي فَلاَ تَحْسَبُوا دَمْعِي لِوَجْدٍ وَجَدْتُهُ فَقَدْ تَدْمَعُ الأَحْدَاقُ مِنْ كَثْرَةِ الضّحْكِ

نلحظ موطن الاستطراف في هذا التشبيه في قلبه؛ لأن القريب إلى العادة أن يشبه الإنسان بالشمعة لا العكس، حيث إن صفة الاحتراق حقيقية في الشمعة، وغير حقيقية في الإنسان، بعد أن شبه المعري الشمعة بنفسه، خلع عليها صفات إنسانية، حيث جعل تساقطَ السائل منها دموعَ بكاء، غير أن هذا البكاء ناشئ عن كثرة الضحك لا عن خوف الهلاك.


لقد رسم الشاعر صورة للشمعة بالألفاظ، حتـى أظهرها في صورة رائعة مؤثرة، إذ استحالت بفعل رؤية الشاعر إلـى غادة صبور متجلدة علـى ما ينالها، فجعلها تحس وتتكلم وتعبر عمَّا بداخلها.


ومما يدعم الإحساس بجمال التشبيه ما تضمنه من مفاجآت لطيفة؛ حيث يعقد الشاعر صلة وثيقة بين أمرَيْن متباينين لا يلبث أن يريكهما متآلفين، هذا بالإضافة إلـى أن الصورة قائمة علـى التخييل بما فيها من تشخيص وحوار، وقد طوى البيت الأخير مفاجأة أخرى، وهـي التعليل الطريف الذي جاء علـى لسان الشمعة "فَقَدْ تَدْمَعُ الأَحْدَاقُ مِنْ كَثْرَةِ الضّحْكِ"، فهو بمثابة قول مأثور أو حكمة بنيتْ علـى مقابلة لطيفة استدعاها المقام فأدت الغرض وكشفتْ عن قوة البيان.


وهذا ما فعله أبو العلاء في هذه الصورة الشعرية الغانية بما اشتملتْ عليه من مفاجآت كانت مبعث الاستطراف، وعلَّة القَبُول والاسترواح.


لا شك أن الخيال هنا لعب دورًا بارزًا في صنع هذه الصور التشبيهيَّة؛ حيث كشفت الصنعة الشاعرة عن مفاجآت الشعراء للمتلقين بما يثير دهشتهم، ويستحوذ علـى إعجابهم، "والصنعة إنما تمد باعها، وينشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرع أفنانها حيث يعتمد الاتِّساع والتخييل، وحيث قصد التلطُّف والتأويل، وهنا يجد الشاعر سبيلاً إلي أن يبدع ويزيد، ويُبدئ في اختراع الصورة ويعيد، ويصادف مضطربًا كيف شاء واسعًا، ومددًا من المعاني متتابعًا"[82].


إن عين الشاعر ليست عينًا سالبة تتلقَّـى الأشياء والأشكال كما هـي لتعكسها في صورة مِرآوية، وإنما هـي عين موجبة، عين رائية - أي: لرؤية الأشياء والتغلغل في باطنها، لا النظر إليها - فهـي تُعيد تركيب الأشياء وتشكل عناصرها من جديد، حيث تضفـي ألوانها الخاصة علـى كل شـيء تراه أو تلمسه أو تدركه في ترابطات شُعُورية دالة، وهذا ما عناه قول بعضهم: "إن الشعر مأخذ وطريقة"[83].



خامسًا: الاستطراف والجدة والابتكار:
اشترط البلاغيون لطرافة التشبيه أن يكونَ جديدًا مبتكرًا، ليحدث في النفس نوعًا من المفاجأة بغير المتوقع مما يثير دهشتها، ويستجلب شغفها.


وليس المقصود بالابتكار الإنشاء من عدم، أو الابتداع علـى غير مثال سابق، وإنما الابتكار "أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس، فتسكب فيها من أدبك وفنك ما يجعلها تنقلب خلقًا جديدًا، يبهر العين، ويدهش العقل، أو أن تعالج الموضوع الذي كاد يبلـى بين أصابع السابقين، فإذا هو يضيء بين يديك بروح من عندك[84].


والحقيقة "أن الفن ليس في الهيكل، إنه في تلك الأشعة الجديدة التي يستطيع الفنان أن يستخرجها من هيكل تلك الموضوعات والحوادث والوقائع"[85].


"فالفنان لا يسعـى وراء فكرة نادرة أو غريبة، بل وراء طريقة جديدة يصور بها فكرة مألوفة، فالربيع لهوراس وفاليري فكرة عادية، وموضوع مبتذل، لكن الفنان صورها بطريقة جديدة غريبة"[86].


وذلك باب من أبواب الإبداع الذي تذكر به الموهبة ويحسب لها؛ لأن مظهر المقدرة البيانية ليس فقط في تشكيل صور وتشبيهات، وكشف علاقات جديدة، وإنما يكون أيضًا في تجديد الصور الأليفة الرتيبة.


والناس من قديم يشبهون العيون في فعلها بالخمر والسيوف والنبال والسهام، لا يكادون يخرجون عن ذلك.


يقول ذو الرمة[87]:
وَعَيْنَانِ قَالَ اللهُ كُونَا فَكَانَتَا فَعُولاَنِ بِالأَلْبَابِ مَا تَفْعَلُ الخَمْرُ

ويقول أبو نواس[88]:
تَسْقِيكَ مِنْ لَحْظِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ

ويقول المتنبي[89]:
رَأَيْنَ التِي لِلسِّحْرِ فِي لَحَظَاتِهَا سُيُوفٌ ظُبَاهَا مِنْ دَمِي أَبَدًا حُمْرُ

وجاء حفني ناصف فخرج من هذه الطريقة في بعض ما نظم وكان مجددًا حقًّا حين قال:
فَهْيَ كَالكَهْرُبَاءِ تُومِي بِلَحْظٍ فَتَدُقُّ الأَجْراسُ فِي الأَكْبَادِ

ولعل ذلك راجع إلـى تطوُّر العادات والنظُم والعُقول والأفكار وما يستجد في البيئة من مخترعات، والصور البيانية بحكم طبيعتها المرنة معرض واسع للجديد، وحقل خصيب للإبداع والاختراع[90].


ومن التشبيهات التي عدَّها ابنُ رشيق منَ المبتكر الذي لم يسبق إليه ولا جاء أحد من الشعراء قبله بنظيره قول امرئ القيس [91]:
سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالاً عَلَى حَالِ
فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشُّعَراء إليه[92].


ولكن ابن رشيق لَم يوضح لنا الجمال والابتكار في هذا التشبيه، وإنما اكتفـى بهذه الإشارة المبهمة، فالتشبيه هنا محذوف الأداة، وهذا يؤكد المعنـى ويزيد من استحسانه، لما فيه من إيجاز وخفة علـى النفس، وفـى التشبيه مناسبة الكلام لموقف التخفـي والحذر، فقد صور بطء سموه إلـى محبوبته وتخفيه عن الناس تصويرًا دقيقًا، (وصفًا وصوتًا ودلالة) يستشفها القارئ ويسمعها في قوله "سموت سمو حَباب الماء"، ناهيك عن الخفة في نطق الشطر الثانـي، فهـي تشبه خفته في الرقـي إلـى محبوبته، وكأنه صور الحركة بالألفاظ وذلك غاية الفن في البلاغة.


فإذا أضفنا إلـى ذلك استخدامه كلمات سهلة النُّطْق مع تكرارها وتكرار حرفـي السين والحاء بخاصة، وهما حرفان يتميزان بالهمْس، أدركنا براعة الشاعر في تصْوير المعنـى وجمال التشبيه وابتكاريته.


يقول جاريت: "إن الفكرة جنين حتى تصاغ في الكلمات"(4)، وهذا يذكرنـي بقول صرّدُرّ:
إِنَّمَا المَرْءُ فَوْقَهَا هُوَ لَفْظٌ فَإِذَا صَارَ تَحْتَهَا فَهْوُ مَعْنًى

يالله! اللفظ والمعنى معروفان، ولكن انظر إلـى صنيع الشاعر بهما، وطريقة صياغته في الربط بينهما، فهو يصوِّر الإنسان الحـي فوق الأرض - يتحرك فوقها ويسعـى - باللفظ؛ لأن اللفظ كائن حـي مشخص، يجري على اللسان ويلتقطه السمع، فيفعل بصاحبه الأعاجيب، وكذلك تصويره تحتها فانيًا بالمعنى؛ لأن المعنى لا يرى ولا يتمثل في غير اللفظ الذي هو كالجسد.


انظر كيف تهدى الشاعر إلـى هذا التصوير الجيد، وكيف توصل إلـى اقتناص وجه الشبه الذي يربط بين الطرفين مصورًا العلاقة بينهما أدق تصوير، فأصاب إصابة خبير بالمعانـي متمايز الخبرة.


ولو أنك جردت الشاعر مِن أبحره وألفاظه وقوافيه - كما يقول كروتشة - لما بقـي هناك فكرة شعرية كما يخيل إلـى بعضهم، بل لما بقـي شيء ألبتة[93].


وليس من الضروري أن يكون التجديدُ والابتكار اختراعًا محضًا لَم يسبق إليه الشاعر، فيكفـي أن يكونَ توليدًا.


ذكر ابنُ رشيق في توليد المعانـي بعضها عن بعض، وهو باب من أبواب الشعر ليس سرقة وليس اختراعًا؛ لأنه ليس أخذًا للشعر علـى وجهه فيعد سرقة، وليس منفصلاً عن دائرة الاقتداء فيسمى اختراعًا، ذكر من ذلك قول جرير يصف آذان الخيل:
يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطِيلِ النَّقْعِ دَامِيَةً كَأَنَّ آذَانَهَا أَطْرَافُ أَقْلاَمِ

قال ابن رشيق: فقال عدي:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
فولَّد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقْتضيه المعنـى؛ إذ كان القرن أسود.


وكأن جريرًا هو الذي سبق إلـى التشبيه بأطراف الأقلام، ولكنَّه شبه الآذان بأطراف الأقلام، وقد قالوا: إن جريرًا الذي فتق عن هذا التشبيه أُعجب إعجابًا كبيرًا بقول عدي السابق.


قال جرير: أنشدنـي عدي بن الرقاع قوله:
عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمًا فَاعْتَادَهَا[94]
فلما بلغ إلى قوله:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ ... ... ... ... ...
رحمته وقلت: قد وقع ما عساه يقول وهو أعربي جلف جاف؟ فلما قال: "قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا" استحالت الرحمة حسدًا"[95].


وإذا نظرنا إلـى ما ذكره ابنُ رشيق من أن بيت "عدي" كان توليدًا لبيت "جرير"، فإن إعجاب "جرير" أدخل في استشهاد البلاغيين؛ لأنَّ جريرًا شبه الآذان بالأقلام، وعدي شبه طرف الروق بأطراف الأقلام التي أصابتْ من الدواة مدادها، وكأنه لما ذكر "إبرة الروق" وهـي من الدقة بحيث يَقِل أن ينتبه الواصف إليها، وإنما يصف ويشبه الروق كما فعل جرير في تشبيه الآذان، ثم ذكر إصابة الأقلام المداد، فحقق بذلك التشابه الذي لَم يُحققه جرير، كان ذلك بابًا من البُعد والدِّقَّة؛ لأن الجمع بين إبرة الروق وأطراف الأقلام التي أصابت المداد جمع بين أمرين متباعدين جدًّا؛ لأنه أضيف إلـى اختلاف الجنس وتباعُده تلك الخصوصيات التي راعاها الشاعر في الطرفَين، عدي إذًا كان مع إصابة الشبه والتقاطه من الجنس البعيد كان مُحققًا له، ومُدَققًا فيه، ومراجعًا له[96].


قال عبدالقاهر: "فهل كانت الرحمة في الأولـى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة الخاطر، وفـي القريب من محلِّ الظنِّ شَبَهٌ، وحين أتم التشبيه وأداه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر علـى خبيء مكانه غير معروف"[97].


والتشبه هنا بين قرن الظبـي الدقيق الأسود والقلم الذي علق المداد الأسود بسنه، أما سبب إحساس جرير بالرحمة والإشفاق علـى عدي أولاً، أنه أتـى في الشطر الأول من البيت بمشبه هو طرف القرن (إبرة روقه)، وهذا المشبه يستدعـي مشبهًا به بالضرورة، حتـى يكتمل التشبيه فلما قال عدي: "قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا"، أدْرك جرير بحاسته الشعرية المرهفة مبلغ إصابته، وعظيم توفيقه في اقتناص مشبه به دقيق المشاكلة للمشبه، علـى الرغم من أن كلاًّ منهما من جنس مختلف غاية الاختلاف عن الآخر، فالمشبه ينتمـي إلـى البادية، والمشبه به من مفردات حياة الحضر، والبون بينهما بعيد، وقد بلغ من إعجاب جرير بذلك التشبيه أنه ودَّ - طبقًا لرواية عبدالقاهر - لو كان هو صاحبه[98].


ومما ينظم في عقد هذه التشبيهات قول عبدالله البردُّونـي في وصف المطر[99]:
وَنَقَّرَ خَطْوُ القَطِيعِ الحَصَى كَمَا يَنْقُرُ السَّقْفَ وَقْعُ المَطَرْ
مما يلفت النظر في جمال هذه الصورة استناد الشاعر في اقتناص وجه الشبه علـى حاسة السمع، فهو يصغـي إلـى المطر عندما يتساقط علـى سطح الغرفة التي يسكنها، فيحس وقعه في سمعه كوقع الصوت المتولد عن مرور الأغنام علـى أرضٍ كثيرة الحصـى، حيث يتطاير الحصـى فيصطك بها، فهو قد رسم في مخيلته صورة لما سمع من وقع المطر، وشبه ذلك الصوت بصورة سمعية أخرى ارتسمتْ أو خزنت في ذاكرته من معطيات بيئته المكانية، وقد استطاع بذكائه وقوة حسه أن يوجد علاقة تشبيهيَّة بينهما.


إن الشاعر المبتكر هو الذي يرى الصورة غير المرئية، ويصوغها في مخيلته، والابتكار لا يستمد عناصره من المنظور فقط، بل من المتصور والمفروض أيضًا[100]، والشاعر لا يصور الواقع تصويرًا حرفيًّا، ولكنه يضفـي علـى هذا الواقع من إحساسه وخياله وتجاربه، فيعيد إبداعه علـى نحو خاص تتضح فيه تجربته الذاتية ورؤيته الخاصة، ولقد سبق السكاكـي في إحدى ومَضاته الذكية التي لم يلتفت إليها، "فكم من صور تتعانق في الخيال وهـي في آخر ليست تتراءى! وكم من صور لا تلوح في الخيال وهـي في غيره نار علـى علم"[101].


ويقول العقاد في هذا السياق: "فالمسألة عظيمة جدًّا بين شاعر يصف لك ما رآه، كما قد تراه المرآة، أو المصورة الشمسيَّة، وشاعر يصف لك ما رآه وشعر به، وتخيله وأجاله في روعه، وجعله جزءًا من حياته، وليس يعنيك أنت أن يكون الشاعر صحيح العين، مطلعًا علـى المرئيات المتشابهة، ليتصل ما بينك وبينه، ويقترب وجدانك من وجدانه، ولكنه يعنيك منه أن يكون إنسانًا حيًّا يشعر بالدُّنيا، ويزيد حظك من الشعور بها"[102].


"وعلـى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفـي أبكار الخواطر سبايا"[103]، فإذا أخذ شاعر معنـى من المعانـي عن شاعر آخر تقدمه، وأتـى بالمعنـى معكوسًا أو مناقضًا في فحواه لقول آخر، وأبرزه في معرض من تأليفه عُدَّ ابتداعًا واقتدارًا علـى تناول المعانـي والتصرُّف فيها.


فمن ذلك قول علـي بن جبلة[104]:
دِجْلَةُ تَسْقِي وَأَبُو غَانِمٍ يُطْعِمُ مَنْ تَسْقي مِنَ النَّاسِ يَرْتُقُ مَا يَفْتُقُ أَعْدَاؤُهُ وَلَيْسَ يَأْسُو فَتْقَهُ آسِي وَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى رَأْسٌ وَأَنْتَ العَيْنُ فِي الرَّاسِ

فالجمال هنا يرجع إلـى جَمْع البيت بين ثلاثة أشياء مترابطة في ثلاثة تشبيهات يضمها نسيج واحد، ثم وضع كل ممدوح في التشبيه الذي يُلائم منزلته، وتلك براعة الصنعة، وفعل الموهبة؛ فالناس كالجسم، وأثمن ما في الجسم الرأس، وأثمن ما في الرأس العين، وتلك قمة الترقِّي في التصوير والتعبير.


وعلـي بن جبلة أخذه من قول أبـي العتاهية في الرشيد[105]:
تُسَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ فَضْلٍ وَأَنْتَ بِهِ تَسُوسُ كَمَا تُسَاسُ كَأَنَّ الكَوْنَ رُكِّبَ فِيهِ رُوحٌ لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ
ولكنه زاد في الشرح والترتيب، وقوة النسج، وبراعة التصوير، فكان له فضل الابتكار والتوليد.

ومن ذلك أيضًا قول أبـي الشيص في الغرام بمحبوبه[106]:
أَجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَمُ

وهو عكس ما قاله أبو الطيب المتنبي[107]:
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فِيهِ مَلاَمَةً إِنَّ المَلاَمَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ
إن مَن يُدقق النظر في كل معنـى ومعكوسه يحس دور الصنعة الشاعرة في جمال الصياغة، وإلباس المعانـي أثوابًا جديدة بما اشتملتْ عليه من فن القول، وبديع التصوير.


والمتصفِّح دواوين الشعراء المعاصرين - وبخاصة المطلعون منهم علـى آداب الغرب - يرى ألوانًا من التجديد في التشبيه أمدتهم بها المدنية الحديثة التي انبسط ظلُّها علـى كل شـيء، والمعارف الحديثة التي امتد سلطانها حتـى علـى الـذَّرِّ في مكامنه السحيقة.


فمن ذلك تشبيهات البارودي في مشهد تموجات صفحة النهر، وهـي تشبيهات في غاية الروعة والجمال؛ حيث يشبهها تارة بالدروع، وتارة بصحائف الفضَّة أو الذهب، وتارة بصحف الورق المليئة بالأسطر.


ومن أمثلة تشبيهه تموج صفحة النهر بأحرف الهجاء في الكتابة قوله[108]:
وَالْمَحْ بِطَرْفِكَ مَا وَحَتْهُ يَدُ الصَّبَا فَوْقَ الغَدِيرِ تَجِدْ حُرُوفَ هِجَاءِ مِنْ كُلِّ حَرْفٍ فِيهِ مَعْنَى صَبْوَةٍ تَتْلُو بِهِ الوَرْقَاءُ لَحْنَغِنَاءِ

ثم يزيد الصورة تفصيلاً في قصيدة أخرى، مُضيفًا إليها مجموعة منَ العناصر الجديدة الطريفة[109]:

وَخَمِيلَةٍ بَكَرَتْ سَمَاوَةُ أَيْكِهَا تَحْمِي الهَجِيرَ عَنِ النُّفُوسِ وَتَدْرَأُ ........................ ........................... فَتَحَ الرَّبِيعُ بِهَا مَدَارِسَ بَهْجَةٍ لِلْعَيْنِ فِيهَا بَهْجَةٌ لاَ تَضْرَأُ فَالرِّيحُ تَكْتُبُ وَالغَدِيرُ صَحِيفَةٌ وَالسُّحْبُ تَنْقُطُ وَالحَمَائِمُ تَقْرَأُ صُورٌ تَدُلُّ عَلَى حَكِيمٍ صَانِعٍ وَاللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَبْرَأُ

ثم يقدم في قصيدة ثالثة تنويعًا موازيًا من صور الريح التي كتبتْ علـى صفحة النهر[110]:
وَالرِّيحُ تَمْحُو سُطُورًا ثُمَّ تُثْبِتُهَا فِي النَّهْرِ لاَ صِحَّةٌ فِيهَا وَلاَ غَلَطُ
ويأتي تنويع رابع فيغدو المطر هو الذي ينقط الحروف المكتوبة، بينما تشبه الأشجار المنعكسة علـى صفحة النهر أسطر هذه الحروف المكتوبة[111]:
وَأَصْبَحَتِ الغُدْرَانُ يَصْقُلُهَا الصِّبَا وَيَرْقُمُ مَتْنَيْهَا بِلُؤْلُئِهِ القَطْرُ تَرِفُّ كَمَا رَفَّتْ صَحَائِفُ فِضَّةٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ لأْلاءِ شَمْسِ الضُّحَى تِبْرُ كَأَنَّ بَنَاتِ المَاءِ تَقْرأُ مَتْنَهَا صَبَاحًا وَظِلُّ الغُصْنُ لاَحَ بِهَا سَطْرُ

وتصل براعة الصنعة إلى درجة عالية من الاستطراف في تنويع خامس نقرأ فيه[112]:
إِذَا انْبَعَثَتْ فِيهِ النَّسَائِمُ خِلْتَهَا تُنِيرُ عَلَى مَتْنِ الغَدِيرِ بِهِ بُرْدَا كَأَنَّ الصَّبَا تُلْقِي عَلَيْهِ إِذَا جَرَتْ مَسَائِلَ فِي الأَرْقَامِ أَوْ تَلْعَبُ النَّرْدَا

والمادة الأساسية لكل هذه الصور مادة قديمة، تداولها الشعراء عشرات المرات قبل البارودي، ولكنه جدد فيها بتوليداته، وأضاف إليها بتَنْويعاته، وبرع في الجمع بين أكثر من صورة قديمة في صورة واحدة جديدة، ومثال ذلك التنويع الأخير الذي يمكن أن نعثر علـى أصله في شعر البحتري قوله[113]:
كَأَنَّمَا غُدْرانُهَا فِي الوَهْدِ يَلْعَبْنَ مِنْ حَبَابِهَا بِالنَّرْدِ

لكن البارودي أضاف إلـى صورة البحتري القديمة "مسائل الأرقام"، التي زاد بها الصورة طرافة وابتكارًا، فتميز عنه، وحقق الإضافة التي يسبق بها اللاحقُ السابقَ بعد أن استحق شرف المنافسة معه.


ومعنـى هذا: أن الشاعر أو الفنان لا يمكن أن يدعـي لنفسه معنـى؛ إذ لا بد من وجود صلة قوية بين معانيه ومعانـي الشعراء السابقين عليه، وعلـى الشاعر أن يعرض هذه المعانـي عرضًا جديدًا في صورة جديدة تلائم عصره الذي يعيش فيه، وتعبِّر عن فكره وأهدافه وآماله في الحياة، حتـى ولو كان ذلك العرْض الجديد، بقلب المعنـى أو عكسه، أو بالخروج علـى الأعراف اللغوية المضطردة، ما لم تعد في خدمة الأغراض التي يسعـى إليها، فهو صاحب التعبير يبث في المادة المعطاة روحًا من أثره عليها، وتصرفه فيها.


ويؤيد هذا ما نقله "حازم" عن "ابن سينا" من تفاصيل هذه الصنعة، وهو أنه "لا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان"[114].


وبناءً علـى ذلك؛ فلا نقتصر علـى تشبيه الجميل بالبدر، أو الشجاع بالأسد، أو الكريم بالبحر، وغير ذلك من التعبيرات "التشبيهات" التي فقدت جدتها وبهاءها.


نقول ذلك لأن لكل زمان رجاله، ولكل عصر ثقافته، ولكل بيئة تقاليدها وطباعها، وليس معنـى هذا الذي نقول أننا ننادي بالقطيعة مع التراث، كلا، وإنما ندعو إلـى الإبداع في إنشاء الصورة والتفنُّن في أسلبتها، والتبرع في تركيبها.


وبناءً علـى ذلك؛ فإنه يمكن أن يشبه الجميل بشـيء مثله أو أجمل منه، وليس شرطًا أن يكون الشمس أو القمر، وإنما يكون حسبما يلتعج في النفس، وتجود به القريحة، وحسبما تلهم الصنعة الشاعر من ألوان في المعانـي والكلمات والأنغام، حتـى لو كانت مخالفة للشائع والمألوف بين الناس، كهذا التشبيه مثلاً: "إن فتياتنا جميلات كالليل" - وهو لقائل غربـي - إنه تشبيه جديد كل الجدة، إنه يَتَمَثَّل جمال المرأة ليلاً بهيمًا، فكأنه ثورة معلنة علـى التصور الشائع بين الناس من تشبيه الجميل بالشمس أو بالقمر، فإذا هذا الليل بما فيه من ظلمات وأهوال في تمثيل أخيلة الشعراء العرب القدماء (كامرئ القيس والنابغة)، يستحيل إلـى مظهر مزدخر بالشعرية والأحلام، ويغتدي مظنه للدعة والجمال والسكون والأمن واللذة والمتاع، ولما كان الليل بعض ذلك أو كله، في تمثل هذا القائل الغربـي، فقد عمد إلـى تشبيه جمال النساء به.


إن تشبيه الجميلات الفاتنات بالليل ليس عميقًا قشيبًا فحسب، وإنما استطاع أن يقلب موازين الذوق العام المتعارفة، والتقاليد المتآلفة بين النقاد البلاغيين العرب والغربيين جميعًا، والتـي كانت تقرر وجود تشبيه المجرد بالمحسوس، أو المحسوس بالمحسوس، فإذا التشبيه هنا ينهض علـى تشبيه المحسوس بالمجرد، والكائن الحـي العاقل بمظهر زمنـي محضٍ.


هنا يتجلَّـى إبداع اللغة، فلا يعجزها أن تنسج لنا من الصور الأدبية والتشبيهات العجيبة القشيبة ما يكون مثارًا للإدهاش، ومدعاة للإبهار، ومهما يكن من شأن، فإن الشعريات والبلاغيات تتضافران معًا من أجل ترقية نسيج الخطاب الأدبـي، وإثراء لغته، وتنميق تعبيره، وتوسعة استعمالاته، والتفنُّن في أساليبه؛ لأنَّ الغاية من ذلك كله إبهار المتلقِّـي، وأسر ذوقه، وصقْل رؤيته للجمال[115].


ـــــــــــــــ
[1] "اللسان" مادة (طرف).

[2] "أساس البلاغة" مادة (طرف).
[3] "فن التشبيه" 1/267.
[4] "اللسان"، مادة (ظرف).
[5] "القاموس المحيط".
[6] "مواهب الفتاح" 3/403.
[7] "مفتاح العلوم" 183، و"حاشية الدسوقي" 3/404، و"فن التشبيه" 1/267، و"استعادة الماضي" 285.
[8] الفارابـي، "جوامع الشعر" صـ 175.
[9] "أسرار البلاغة" صـ 136.
[10] هكذا تكلم النص صـ 183.
[11] "حاشية الدسوقي" (ضمن "شروح التلخيص") 3/404.
[12] يجب أن يكون وجه الشبه في المشبه به أظهر وأعرف "وأعلـى حالاً من المشبه لتحصل المبالغة هناك"؛ (الطراز 1/266) في أي نوع من أنواع التشبيه (عدا التشبيه المقلوب)، ولكن في التشبيه المستطرف لا يشترط ذلك، بل كلما كان المشبه به أندر وأخفـى، كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفـى.
[13] "مواهب الفتاح" 3/404، وراجع "فن التشبيه" 1/266.
[14] "شروح التلخيص" 3/403، و"أسرار البلاغة" 117.
[15] قوله: ولازِوَرْدية، الواو واو ربَّ، و"لا" من بنية الكلمة "نافية" - وهو بكسر الزاي - واللازِوَرْديَّة صفة لمحذوف؛ أي: رُبَّ أزهار من البنفسج لازوردية، (نسبها الشاعر إلـى الحجر المعروف باللازورد؛ لكونها علـى لونه، فهي نسبة تشبيهية)؛ "حاشية الدسوقي" (ضمن "شروح التلخيص" 3/403)، ومثل القول السابق قول النُّمَيْري:
بَنَفْسَجٌ بِذَكِيِّ المِسْكِ مَخْصُوصُ مَا فِي زَمَانِكَ إِنْ وَافَاكَ تَنْغِيصُ كَأَنَّمَا شُعَلُ الكِبْرِيتِ مَنْظَرُهَ أَوْ خَدُّ أَغْيَدَ بِالتَّخْمِيشِ مَقْرُوصُ

[16] "أسرار البلاغة" 117.
[17] "قراءة الشعر وبناء الدلالة" صـ 246، 247.
[18] "حاشية الدسوقي" 3/404.
[19] لأن الإنسان إذا خطر بباله البنفسج لا تخطر النار بباله لا سيما في أطراف الكبريت، لما بينهما من غاية في البعد؛ لأن البنفسج جِرْم ندى ونور رياض، والنار جِرم حار يابس دياري، فإذا خطر البنفسج في الذهن، فإنما ينتقل منه عن إرادة التشبيه لما يضاهيه من جنس الأزهار - هذا هو الطبيعي - ولكن علـى هذا الحال نشاهد المعانقة والاتصال بين شيئين متباعدين كل التباعد؛ "شروح التلخيص" 3/406.
[20] يشير إلـى قول ابن المعتز:
وَعُجْنَا إِلَى الرَّوْضِ الَّذِي طَلَّه النَّدَى وَلِلصُّبْحِ فِي ثَوْبِ الظَّلاَمِ حَرِيقُ كَأَنَّ عُيُونَ النَّرْجَسِ الغَضِّ حَوْلَنَا مَدَاهِنُ دُرٍّ حَشْوُهُنَّ عَقِيقُ
("أسرار البلاغة" صـ 85).
[21] "أسرار البلاغة" صـ 117.
[22] "أسرار البلاغة" صـ 118 (هـ. ريتر).
[23] "الأسرار" 138، 139.
[24] "بحث في علم الجمال" صـ 576.
[25] "ديوان ابن المعتز" 2/481.
[26] السحالة: ما يسقط من الذهب والفضة عند بردهما؛ أي: برادة الذهب أو الفضة.
[27] "شعر أبـي هلال" صـ 154.
[28] "ديوان أبـي تمام" 2/265
[29] "النقد الجمالـي" صـ 63.
[30] انظر: "أسرار البلاغة" صـ 151.
[31] "الصورة والبناء الشعري" صـ 33.
[32] "أسرار البلاغة" صـ 146.
[33] "مبادئ النقد الأدبـي" صـ 315.
[34] هكذا تكلم النص صـ 183.
[35] "ديوان البحتري" 1/248، 249، وجاء في الديوان "العلا" بدل " الندى"، وفـي الأسرار "الندى" ص136.
[36] "قصة علم الجمال" صـ 29.
[37] "ديوان البحتري" 2/1253.
[38] نفسه 2/1256.
[39] "الموازنة" 1/8، 9، وانظر: "المثل السائر" 2/137.
[40] "أسرار البلاغة" صـ 134.
[41] يقول عبدالرحمن شكري معبرًا عن هذه الحقيقة في مقدمة ديوانه "زهر الربيع": إن وظيفة الشاعر في الإبانة عن الصلات التي تربط أعضاء الوجود ومظاهره، والشعر يرجع إلـى طبيعة التأليف بين الحقائق، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون الشاعر بعيد النظرة غير آخذ وراء المظاهر مأخذه نور الحق، فيميز بين معاني الحياة التي تعرفها العامة وأهل الغفلة، وبين معني الحياة التي يوحي إليه بها الأبد، وكل شاعر عبقري خليق بأن يدْعَى متنبئًا، أليس هو الذي يرمي مجاهل الأبد بعين الصقر فيكشف عنها غطاء الظلام، ويرينا من الأسرار الجليلة ما يهابها الناس"؟!
[42] "أسرار البلاغة" 126.
[43] "ديوان المتنبـي" 2/9، 10.
[44] "التعبير البياني" صـ 93، 94.
[45] "أسرار البلاغة" 165.
[46] "أسرار البلاغة" صـ 165.
[47] "التصوير البياني" صـ 155.
[48] "في الميزان الجديد" صـ 77.
[49] "أسرار البلاغة" صـ 262.
[50] "مراجعات في الأدب والفنون" صـ 159.
[51] الجاحظ، "الحيوان" 3/131.
[52] "حصاد الهشيم" صـ 137، 138.
[53] "أسرار البلاغة" 164.
[54] "أسرار البلاغة" 170.
[55] "الكامل" 2/52.
[56] مصطفـى بدوي؛ "كولردج" صـ 93، راجع: "الخطاب النفسـي" في النقد العربـي القديم صـ 127.
[57] "الأسرار" 171.
[58] "فن التشبيه" 2/81.
[59] "الأسرار" 171.
[60] "النقد الأدبـي الحديث" 445، 446، وراجع: "الصورة الفنية" صـ 199 وما بعدها.
[61] "المجموع" صـ 21.
[62] ابن سينا؛ "رسالة في البلاغة والخطابة"، (صورة فوتوغرافية برقم 26335 بمكتبة جامعة القاهرة. ورقة 10)، راجع: "الأسس الجمالية في النقد العربـي" صـ 140.
[63] أحمد راجح؛ "أصول علم النفس" صـ 76، 77.
[64] "منهاج البلغاء" صـ 64.
[65] نفسه 71.
[66] نفسه 71.
[67] "أسرار البلاغة" صـ 262.
[68] "خزانة الأدب"؛ الحموي 265.
[69] "ديوان أبي المحاسن الدمشقـي" 2/292، وانظر: "الغصون اليانعة" صـ 127.
[70] "أسرار البلاغة" صـ 223.
[71] "منهاج البلغاء" صـ71.
[72] "منهاج البلغاء" صـ 113.
[73] "نقد الشعر" صـ62 وما بعدها.
[74] "ديوان المتنبـي" 3/151.
[75] "أسرار البلاغة" صـ 109، 110.
[76] "ديوان حافظ إبراهيم" صـ22، ضبطه وصححه أحمد أمين وآخرون، دار العودة، بيروت، د.ت.
[77] "استعادة الماضي" صـ 290.
[78] "المثل السائر" 2/123، 127.
[79] "الطراز" 1/275.
[80] "فلسفة الجمال في البلاغة العربية" صـ 210.
[81] "سقط الزند وضوؤه" صـ 719، و"شروح سقط الزند"؛ للتبريزى وغيره 4/1683.
[82] "أسرار البلاغة" 343.
[83] "مقدمة ديوان ابن خفاجة" صـ 10.
[84] "فن الأدب" صـ 11.
[85] "فن الأدب" ص 11 وما بعدها.
[86] Vingt Lecons sur Les beaux arts. P.290-293
[87] "ديوان ذي الرمة" 1/578؛ تحقيق: عبدالقدوس أبو صالح.
[88] "ديوان أبي نواس" صـ 27.
[89] "شرح ديوان المتنبـي" 2/227.
[90] "فن التشبيه" 2/252.
[91] "ديوان امرئ القيس" صـ 31.
[92] "العمدة" 1/175.
(4) "فلسفة الجمال" 118.
[93] "المجمل في فلسفة الفن" صـ 60، 61.
[94] "ديوان عدي بن الرقاع" صـ 83.
[95] "أسرار البلاغة" صـ 140، 141، و"الكامل" 2/109.
[96] "التصوير البياني" صـ 121، 122.
[97] "أسرار البلاغة" صـ 141.
[98] "التعبير البيانـي" صـ 100.
[99] الصورة الشعرية عند البردونـي صـ 126، يقول البردونـي: "كنت أقدر مسافة الصوت، وأتنصت إلـى حفيف النباتات والأشجار، وإلـى أصوات الناس، وأميز المحيطين بـي من خلال ذلك، فأعرف الطويل والقصير، وأجد للأصوات ألوانًا كألوان النبات، وكان يشد سمعـي حركات الحيوان، وبالأخص الأغنام، إلـى أن تألفت هذه الصور في ذهنـي وبدت في بعض قصائدي"؛ (نفسه صـ 125، 126).
[100] "فن التشبيه" 3/82.
[101] "مفتاح العلوم" صـ 122.
[102] "ابن الرومـي حياته من شعره" صـ 308.
[103] "فن التشبيه" 3/82.
[104] "ديوان علـي بن جبلة" صـ 74، تحقيق: حسين عطوان، دار المعارف القاهرة، 1982م.
[105] "ديوان أبـي العتاهية" صـ 233، طبعة دار صادر 1980م، وجاء في الكامل "كأن الخلق" 2/113.
[106] "الأغانـي" 19/142، و"العقد الفريد" 5/374، وللوقوف علـى شواهد أخرى، انظر: "زهر الآداب" 1/391، 392.
[107] "ديوان المتنبـي" 1/29.
[108] "ديوان البارودي" 1/18، 19 .
[109] "ديوان البارودي" 1/24 - 26.
[110] "ديوان البارودي" 2/192.
[111] "ديوان البارودي" 2/56، 57.
[112] "ديوان البارودي" 1/221.
[113] "ديوان البحتري" 1/568.
[114] "منهاج البلغاء" ص 69.
[115] انظر مقال "الصورة الأدبية..الماهية والوظيفة"؛ د/ عبدالملك مرتاض، الإصدار الدورى للنقد "علامات" جـ22. م6، شعبان 1417هـ، ديسمبر 1996م، ص 178 - 212.
وَلَازِوَرْدِيَّةٍ تَزْهُو بِزُرْقَتِهَا بَيْنَ الرِّيَاضِ عَلَى حُمْرِ الْيَوَاقِيتِ كَأَنَّهَا فَوْقَ قَامَاتٍ ضَعُفْنَ بِهَا أَوَائِلُ النَّارِ فِي أَطْرَافِ كِبْرِيتِ