(5)
النحو بين الصناعة والعلم

كيف يرى ابن خلدون "النحو"؟ أو بتعبير أدقَّ: أين يصنِّفه؟

نعلم أن النشاط الإنساني في "المقدمة" نوعان: نوع يستهدف المعاش أو يرتبط به، وهو الصنائع، ونوع مرتبط بالعقل، وبخاصة العقل النظري، وهو العلم، هذا العلم الذي يمكنه أن يدرك الحقائق المجرَّدة، وحركةُ الإنسان بوجوهها المختلفة مصبوبةٌ في هذين النوعين، وقد عقد ابن خلدون لذلك بابين: أحدهما (الباب الخامس): في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، والآخر (الباب السادس): في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وما يعرض في ذلك من الأحوال.

جاءت علوم اللسان العربي - ومنها علم النحو - ضمن باب العلوم؛ لكن ابن خلدون يطلق على هذا العلم - وعلى غيره كثيرًا - لفظَ "صناعة"، فهل النحو: علم أو صناعة؟ وما هو ذلك الخيط الذي يفصل بين العلم والصناعة أو يجمع بينهما؟ أم أن الصناعة التي يذكرها في باب العلم غيرُ تلك الواردة في الباب الخاص بالمعاش؟ سنحاول فيما يلي تأصيل هذين اللفظين، ونتكئ كثيرًا على كلام ابن خلدون نفسه، لِنرى مقصوده، ولْنبدأ بالصناعة:
لعل لفظَيِ الصناعةِ والعلم من أكثر الألفاظ دورانًا على لسان ابن خلدون، حتى إنهما (وبضعة ألفاظ أخرى) يُعَدَّان من لوازمه، وهو يستخدمهما مفردين (مصدرين) الصناعة والعلم، كما يجمعهما فيقول: صنائع، وعلوم، وهما - بداهة - ليستا مبتدعَتَيْن من عنده؛ لكنهما - كما سلف - لا يغادران قاموسه، فقد أقام عليهما نظريته الخاصة بتحليل وجوه نشاط الإنسان وتصنيفه، وعلاقات هذا النشاط بحياته وأَرومته ومسكنه، وهكذا جعل من كُلٍّ منهما مصطلحًا قائمًا برأسه، وأسَّس لمفهومه، ووظَّفه لخدمة أغراضه.

فيما يخص "النحو" – موضوعنا - سبق أن أشرنا إلى أنه يُطْلق عليه "صناعة العربية"، وهو مصطلح ليس من ابتداعه - مرة أخرى - سبقه إليه عددٌ من العلماء قبله، كما أن لفظ "صناعة" هذا ليس قَصْرًا على "النحو"؛ فالشعر صناعة، والنثر صناعة، والطب صناعة، والمنطق صناعة، وقد ظهر هذا اللفظُ حتى في عناوين الكتب (مع اقترانه بـ"الإعراب" بدلاً من العربية): "سر صناعة الإعراب" لابن جني (ت 392هـ)، و"صناعة الإعراب" لعبيدالله بن أحمد الفزاري (ت 381هـ)، ونعرف أيضًا الكلمة مثنَّاة في عنوان أبي هلال العسكري "كتاب الصناعتين"، قاصدًا صنعتي الشعر والنثر.

وإنما قلنا: إنه أسَّس لمفهوم لفظ/مصطلح "صناعة"؛ لأنا وجدناه قد حرص على أن يَحُدَّه، أو يضع له تعريفًا، وأن يُفَصِّل في دلالته، وأن يربطه بنظريته العامة في العمران.

إنه يُعَرِّف الصناعة فيقول: "ملكة في أمر عمليٍّ فكريٍّ، وبكونه (أي: الأمر) عمليًّا هو جسماني محسوس، والأحوال الجسمانية المحسوسة نقلُها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتمُّ فائدة"[1]، ويمكن من خلال هذا النص أن نقف على ما يلي:
• الصناعة ملكة أو قدرة.
• وهي تجمع بين العمل (الحركة الجسمانية) والفكر.
• والمقصود بالفكر الذي لم يتوقف عنده ابن خلدون: العقل؛ بمعنى: أن الصناعة لا تُنسب إلى غير الإنسان، فالحيوان والجماد لا يصنعان؛ لأنهما غير مفكرين أو عاقلين.
• واكتساب الصناعة إنما يكون بـ"المباشرة"، والمراد بالمباشرة: الممارسة أو المزاولة، ومن هنا نقل الكفوي قولاً بأن الصناعة أخصُّ من الحرفة؛ لأنها تحتاج في حصولها إلى المزاولة[2].


والصنائع - كما يرى ابن خلدون - ليست على درجة واحدة؛ فـ "منها البسيط، ومنها المركب، والبسيط هو الذي يختص بالضروريات، والمركب هو الذي يكون للكماليَّات"[3].

وهي - أيضًا - بالنظر إلى غاياتها نوعان: "ما يختص بأمر المعاش، ضروريًّا كان أو غير ضروريٍّ، وإلى ما يختص بالأفكار التي هي خاصية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة"[4].

هذا النص الأخير مهمٌّ في أنه يكشف عن أن الصناعة أعمُّ من العلم، إن بعض الصناعة (ما يختص بأمر المعاش) ليس علمًا، أما العلم فهو بالضرورة صناعة، بمعنى أنه نِتاج إنسانيٌّ، شأنُه في ذلك شأنُ الصناعة التي تستهدف المعاش؛ لكنه يخالف الصناعةَ بهذا المفهوم في أنه مرتبط بالعقل النظري، في حين أنها ترتبط بالعقل التجريبي، هذا الارتباط على هذا الصعيد أو ذاك ليس قاطعًا، ولكنه غالب، أعني أن الصناعة قد تخرج عن حدودها المباشرة لتُلامِس العلم، وأن العلم قد يميل أحيانًا ليقترب من الصناعة، وهذا ما يفسِّر لنا حرص ابن خلدون في كثير من المواضع على أن يقرن بين الصناعة والعلم؛ فهُما معًا من خواصِّ الإنسان، وهما معًا يكثران حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة؛ بل إن تعليم العلم هو من جملة الصنائع[5] كما يقول.

وإذا كانت الصناعة - كما حَدَّها - ملكة (عامة) في أمر عملي فكري، لتشمل المعاش والنظر المجرَّد، فإن العلم في الرؤية الخلدونية، إنما هو أيضًا "ملكة تحيط بمبادئ العلم وقواعده ومسائله، وفروعه وأصوله"[6]، هو إذًا ملكة خاصة؛ لأنها معنيَّة بالمبادئ والقواعد... إلخ، والعلم - كما يُفْهَم من ابن خلدون -: هو ذلك الذي يهتدي إليه الإنسان بفكره، سواء كان وصوله إليه بفكره مجرَّدًا (العلم الحكْمي)، أو بالاستناد إلى الخبر (العلم الشرعي)، وفي الحالين هو ثمرة الفكر أو العقل النظري، ذلك العقل الذي "يفيد العلم أو الظن بمطلوب وراء الحسِّ لا يتعلَّق به عمل"[7]، المطلوب وراء الحس الذي لا يتعلق به عمل هو الذي يَفْصِل العلم من الصناعة، تلك التي تتغيَّا المعاش، لا الصناعة بالمعنى العام الذي أشرنا إليه آنفًا.

نحن الآن أمام مفهومين للصناعة:
مفهوم عام، تشمل به الصناعةُ العلمَ، وهذا ما يتضح بجلاء من قوله: "فصارت هذه العلوم كلها علومًا ذات ملكات محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في جملة الصنائع"[8]، وفي سياق آخر وهو يتحدث عن العرب، يقول: "مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذٍ بما صار من جملة الصنائع"[9].
ومفهوم خاصٌّ ينصرف إلى أمور المعاش، وليس النحو خاصة، وعلوم اللسان عامة، داخلاً تحت هذا المفهوم الخاص؛ بل هو داخل تحت المفهوم العام؛ لأنه قائم على النظر المجرَّد، ولعل في ذلك ما يفسِّر لنا أن ابن خلدون تحدَّث عن علم الطب في موطنين: الموطن الأول: في الباب الخامس الخاص بالمعاش ووجوهه من الكسب والصنائع، والموطن الثاني: في الباب السادس الخاص بالعلوم وأصنافها، ويلاحظ أنه في الموطن الأول استخدم "صناعة الطب"، وفي الثاني استخدم "علم الطب"، وكذلك فعل في الفلاحة ذكرها في البابين، وعنون لها تحت الصنائع "صناعة الفلاحة"، ثم قدَّم لها في الموطن الثاني بالقول: "هذه الصناعة من فروع الطبيعيات، وهي النظر في النبات"، نستطيع إذًا أن نلفت إلى أمرين في التفرقة بين الصناعة بمفهومها الخاص والعلم:
الأول: أن الصناعة مرتبطة بالأمور العملية؛ أي: الحركات الجسمانية المحسوسة، والعلم ليس كذلك.
الثاني: أن الصناعة ثمرة من ثمار العقل التجريبي، في حين العلم ثمرة للعقل النظري الخالص.


إذا عُدنا إلى علم النحو أو صناعة النحو، فإننا سندرجه دون كبير عناء تحت مفهوم العلم، بما يعنيه من عدم ارتباط بالعمل، وصلة أكيدة بالعقل النظري.

وعليه؛ فإن إطلاق "صناعة" عليه إنما هو من باب المفهوم العام للكلمة، لا أكثر، وأيضًا من باب مشابهته للصنائع المندرجة حقيقةً تحت مفهوم الصناعة بالمفهوم الخاص، في أن لها قواعدَ وأسسًا استقرَّت وتعارف عليها أصحابها، وحذقوها، وأصبحت حِرَفًا يتكسَّبون بها، ونحن نعلم أن ابن خلدون يَعدُّ تعليم العلم من جملة الصنائع؛ ولذلك عقد له فصلاً (هو الثامن) ضمن الباب السادس (العلوم وأصنافها).

خلاصة القول: إن الصناعة في الرؤية الخلدونية ذاتُ ثلاثة مفاهيم:
• مفهوم عام مرتبط بنتاج نشاط الإنسان بوصفه كائنًا عاقلاً.
• مفهوم خاص يقوم على نشاط الإنسان الجسماني الذي يتغيَّا كسب المعاش.
• مفهوم خاص (أيضًا) ذو صلة وثيقة ببعض العلوم التي تشبه الصنائع الجسمانية في أن لها أسسًا وقواعدَ وقوانينَ، لا بد من معرفتها وتلقِّيها على يد معلِّم.


ولا ينبغي أن ينصرف الذهن إلى أن الصناعة مبتوتة عن العلم، فلا شك أن فيها بمعنى من المعاني علمًا، لكنه العلم القريب من العمل؛ ولهذا فإن المناوي نقل قولاً في تعريف الصناعة نَصُّه أنها (أي: الصناعة): العلم المتعلق بكيفية العمل[10]، ويقرب من ذلك ما قاله الكفوي في تعريف الصناعة: كلُّ علم مارَسَه الرجل، سواء كان استدلاليًّا أو غيره، حتى صار كالحرفة له[11]، وتبدو في عبارة الكفوي تلك الخيوط التي تربط الصناعة بالعلم والممارسة والحرفة، وهو ما فصَّلناه آنفًا، وثمَّ فروق دقيقة بين الصناعة والعمل والحرفة، ليس هذا موطن التوقف عندها.

خاتمة:
كانت تلك جوانب من رؤية ابن خلدون لصناعة العربية، حاولنا أن نلقي عليها أضواء كشفت؛ لكنه الكشف المحكوم بالمساحة والزمن، فما زالت هناك بعض الزوايا الخاصة بهذه الجوانب في منطقة الظل، فضلاً عن أن الرؤية الخلدونية الكاملة في هذا الباب قضية عريضة وواسعة، تحتاج إلى تأمُّل عميق؛ لسبر غورها من ناحية، ولوضعها في السياق الخلدوني العام، وفي السياق اللساني العربي الإسلامي في مجمله، وكذلك في السياق اللساني الحديث، من نواحٍ أخرى.


د. فيصل الخفيان

ـــــــــــــــــــ

[1] المصدر السابق، ج2، ص 856.
[2] الكفوي: "الكليات"، مصدر سابق، ص 544.
[3] ابن خلدون: "المقدمة"، ج2، ص 856.
[4] المصدر السابق، ج2، ص 857.
[5] المصدر السابق، ج3، ص 925.
[6] المصدر السابق، ج3، ص 925.
[7] المصدر السابق، ج3، ص 917.
[8] المصدر السابق، ج3، ص 1123.
[9] المصدر السابق، ج3، ص 1123.
[10] المناوي: "التوقيف"، مصدر سابق، ص 463.
[11] الكفوي: "الكليات"، مصدر سابق، ص 544.