- 2 -
اللسان والمعرفة والشريعة


أطلق ابن خلدون على علوم اللغة: علوم اللسان العربي، وعلى الرغم من أن هذا المصطلح ليس له، فقد سبقه إليه - فيما أعلم - الفارابيُّ (ت339هـ)[1]، فإنه يبدو وكأنه أحيا هذا المصطلحَ الذي كان غير حاضر، أو على الأقل ليس حاضرًا حضور المصطلح الآخر: علوم اللغة، أو علوم العربية، أو ما شابههما، واستمر حضور هذين بعد ذلك، ومهما يكن فإنه والفارابي قد استبقا - فيما يبدو - اللغويين المحدثين في بلاد المغرب العربي الذين يميلون إلى استخدام "اللسان" بدلاً من اللغة، ويستبدلون بعلم اللغة: الألسنية أو اللسانيات.

أقام ابن خلدون علوم اللسان العربي على أربعة أركان: اللغة، والنحو، والبيان، والأدب، هذه القسمة الرباعية هي التي كانت معروفة حتى زمنه، ولا شك أنها قسمة أساسية من جهة، وبسيطة من جهة أخرى، فالتطورُ الكبير الذي طرأ على علوم اللغة رَسَمَ خريطةً جديدة للمعرفة اللسانية، وهي خريطة من نسخ متعدِّدة، أعني أنها مختلفة تبعًا لاختلاف المدارس العلمية التي تنتمي إليها، فما يكون عِلمًا برأسه لدى مدرسةٍ ما، قد ينطوي تحت علم آخر عند مدرسة أخرى، وما يهمنا هنا هو الدلالة العامة، فالصورة الحالية غير الصورة التي كانت حتى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وهذا بدهيٌّ إذا ما وضعنا في حسباننا التراكمَ المعرفي، واتِّساعَ الرؤى، وتلاقحَ العقول، وتشابُكَ العلوم، وأيضًا جدل العلوم، وليس ابن خلدون مطالَبًا بأن يتجاوز ما كان عليه الفكرُ اللغوي في عصره، وخاصة أنه ليس عالمًا لغويًّا صِرفًا؛ بل هو عالم اجتماع ينظر إلى اللسان وعلومه بوصفها ظواهرَ اجتماعيةً، لقد تولَّدت من العلوم الأربعة علومٌ استقلَّت أو كادت، ومن هذه الأخيرة انبثقت علوم أخرى، وخلع بعضها إهابَ العلم الذي انتمى إليه تاريخيًّا ليلبس إهابًا جديدًا، وأكثر من ذلك فإن علوم اللسان اليوم اتَّسعت دائرتُها لتنظر إلى اللغة الإنسانية من حيث هي لغة، لا من حيث هي لغة جنس أو قوم، وإلى لغة هذا الجنس أو ذاك في أوجه تشابهها واختلافها مع اللغات الأخرى (الدراسات المقارنة)، والزوايا التي تدرس بها اللغة أو اللغات اليوم عديدة: تاريخية، ووصفية، وتوليدية... إلخ، إضافة إلى أن دراسة اللغة لم تعد اليوم دراسةً صِرفة؛ بل أصبحت لها تجاذباتها وتشابكاتها مع العلوم الإنسانية وغيرها، وهكذا نشأت علوم جديدة في تلك المناطق التي تتقاطع فيها العلوم اللغوية مع العلوم الأخرى، من مثل: علم اللغة الاجتماعي، وعلم اللغة النفسي، وعلم اللغة التاريخي.

وأدرج ابن خلدون - وهو يصنِّف المعرفة البشرية - علومَ اللسان تحت ما أسماه: العلوم النقلية الوضعية، في مقابل العلوم العقلية الطبيعية، وتشمل هذه الأخيرةُ المنطقَ، والعلوم الطبيعية، والإلهية، والعددية، وقد قدَّم الأُولى (النقلية)، ربما في إشارة إلى شرف موضوعها، أو رتبتها في التحصيل آنذاك، و"النقلية" هذه تنطوي تحتها علوم الشريعة وعلوم اللسان.

وهي قسمة تعكس بوضوح ثقافةَ صاحبها وحياته العلمية والسياسية، كما تعكس المناخ الثقافي والعلمي العام الذي كان سائدًا في عصره، فالرجل يغلب عليه التكوين العلمي (النقلي)، كما أن العلوم النقلية هي المقدَّمة عند الناس، ومفهوم العلوم النقلية عنده: "هي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول؛ لأن الجزيئات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلِّي بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل، وهو نقليٌّ، فرجع هذا القياس إلى النقل؛ لتفرُّعه عنه"[2]، أما العلوم الطبيعية فـ"هي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ووسائلها، وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها"[3]، وظاهرٌ أنه يشير في النص الأول الخاص بالعلوم النقليَّة إلى علوم الشريعة، أو الشرعيات من الكتاب والسُّنة على حَدِّ تعبيره، ولا يمكننا أن نلحق بها علوم اللسان؛ إذ ليس فيها خبرٌ عن واضع شرعي.

فلماذا ألحقها ابن خلدون، وما هي وجهة نظره في الجمع بينهما؟

قد يمكن تفسير ذلك بأحد أمرين:
- هذه العلوم (الشرعية واللسانية) تعتمد على النص (المقدَّس والموحى به، واللغة) وتتمحور حوله، وليست علومًا مبتدعة من لدن الإنسان نفسه، على أن العلوم الشرعية نفسها ليست على مستوى واحد في علاقتها بالخبر الشرعي، فلا شك أن ثمة فرقًا كبيرًا بين علمَي القراءات والتفسير بالمأثور من ناحية، والتفسير بالرأي من ناحية أخرى، وبين علم الحديث من ناحية، وعلم مصطلح الحديث من ناحية أخرى، وعلم الفقه من ناحية، وعلم أصول الفقه من ناحية أخرى.

- علوم اللسان وسيلة أو آلة لعلوم الشريعة، وقد أُلحقت الوسيلة أو الآلة بغايتها أو ثمرتها، فاندرجت معها تحت "النقل".

ويبدو أنَّ التعليل الأخير أقربُ إلى القبول، فعلوم اللسان داخلةٌ في العلوم العقلية بالمفهوم الخلدوني، اهتدى إليها الإنسانُ بعقله، ولم يأخذْها عن الشارع، وليس ارتباطها بالعلوم النقلية إلا من باب أنها تؤسِّس لها، فالكتاب والسنة اللذان هما الخبر، وردا باللغة العربية، وأولئك الذين نقلوها إلينا هم أصحاب هذه اللغة، ولا يمكن فهمُهما إلا من خلال اللغة وأصحابها.

وإذا كان ابن خلدون قد قدَّم "النقلية" على "الطبيعيَّة" نظرًا للموضوع، فإنه قدَّم أيضًا علوم الشريعة على علوم اللسان، على الرغم من أن الأخيرة آلةُ الأولى، و"معرفتها ضرورية على أهل الشريعة"[4]، وقدَّم "الطبيعية" على علوم اللسان في فرش حديثه.

وكان حقُّه أن يسير في أحد خطَّيْن:
إذا ما اعتدَّ بالموضوع وشرفه وآلته، بدأ بعلوم الشريعة، فعلوم اللسان، فعلوم الطبيعة.

وإذا ما اعتدَّ بأوليَّة التحصيل أو التلقِّي العلمي، بدأ بعلوم اللسان، فعلوم الشريعة، فعلوم الطبيعة.

وقد يرد احتمالٌ أن مُنْطَلَقه كان غيرَ هذا وذاك، أعني: الأهمية، فالعلوم الشرعية أهم، تليها الطبيعية، وأخيرًا علوم اللسان؛ لكن هذا الاحتمال يمكن النفاذ إليه إذا ما استصحبْنا موقفَه من علم المنطق، وهو من العلوم الطبيعية، ومن علوم الآلة أيضًا، فقد قدَّمه في الفصل التأسيسي للعلوم العقلية وأصنافها (الفصل العشرين)، ثم قدَّم عليه عند الفرش العلوم العددية، والهندسية، وعلم الهيئة، وأعقبه بالطبيعيات والطب... إلخ.

إن هذا الاضطراب يشير بوضوح إلى خللٍ في الرؤية تجاه تصنيف هذه العلوم وترتيبها، ويبقى لنا في السياق الذي نريد أنَّ علوم اللسان، ومنها النحو، ذاتُ ارتباط وثيق بالشرعيات، وأنها من علوم الآلة، وليست مقصودةً لذاتِها.

وهنا وقفة أخرى: هل علوم اللسان هي علوم آلة فحسب حقًّا، قيمتُها ليست فيها، إنما في خدمتها لعلوم الشريعة، وأن تفاضلها فيما بينها إنما يكون بمقدار وفائها بالغرض الأساس، وهو معرفة علوم الشريعة؟

لا شك أن هذه العلوم تخدم الشريعة، وأن فهم النصوص الدينية يقوم عليها؛ لكن الوقوف بها عند هذا الحد ليس صوابًا؛ ذلك أن اللغة بحدِّ ذاتها غاية في ذاتها، اللغة - كما تقرر الدراسات اللغوية الحديثة - ليست وعاء للفكر، ولكنها موجِّه له، أو هي فكر، ووظيفتها ليست التواصل فحسب؛ بل هي أبعد من ذلك بكثير، ليست انعكاسًا للإنسان والمجتمع والزمان والمكان؛ بل شريكة في صياغة ذلك كله، وفيما ينتج عنه من حضارة بالمفهوم العام للحضارة، ومن ثَمَّ فإن الدراسات اللغوية تكتسب الأهمية نفسَها لـ"اللغة" ذاتها.

وعلى كُلٍّ؛ فإن ابن خلدون قد صدر عن رؤية ثقافية وتاريخية وتراثية مستقرَّة، وليس مطالبًا بأن يَخرُج عن ذلك كله، لولا أنه من أولئك العلماء الذين يملكون القدرة على النفاذ إلى حقائق الأشياء، وتجاوز قشورِها وظواهرها.

د. فيصل الخفيان
ـــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الفارابي: "إحصاء العلوم"، تحقيق عثمان أمين، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1350هـ - 1931م.
[2] ابن خلدون: "المقدمة"، مصدر سابق، ج3، ص 931.
[3] المصدر السابق، ج3، ص 930.
[4] المصدر السابق، ج3، ص 1128.