قديماً قالوا: "إن الخلافَ في الرأي لا يُفسد للودِّ قضيةً". وقد شهدت ساحاتُ العلوم خلافاتٍ ومطارحات حفلت بالآراء والأفكار، ونجم عنها خيرٌ كثير، وفكر سديد، وعلم ينتفع به.
ولقد شدّني خلافٌ ناشب حول كلمتي (الحاسوب) و(الكمبيوتر) وهو بلا ريب فرع عن مسألة أكبر؛ تلك هي مسألة الصراع بين الأصيل والدخيل، وبين التعريب والتغريب، فكنت أتابعُه بشغف به، وإكبارٍ للمتحاورين الذين لم يُفسِد خلافُهم للودّ قضية، بل كنت أشعر برباط الأخوة الذي يربطهم، واعتصامهم بالحق الذي كان وما زال رائدَهم.
وحسْبُ هذا الخلاف أنه دفع إلى تخصيص ركن لمواضيع اللغة العربية والتعريب، وفتحِ ندوة تعريب الحاسوب وتقنية المعلومات ليكون قد آتى أكله على خير وجه. والشكر مصروف أولاً وآخراً إلى مجلتنا الحبيبة والقائمين عليها، جزاهم الله عن العربية وأهلها خير الجزاء.
وإذا قُدِّر لي أن أندرج في هذا الحوار أو أشترك في هذه الندوة، فإني أقف إلى جانب التعريب وأدعو إليه وأذود عنه مؤيداً ما جاء من دلائلَ بينةٍ عليه، ومؤازراً بإضافة النقاط التالية إليه:
1- إذا استسلمت الأمةُ للحضارة الوافدة وذابت فيها فسيكون مآلُها إلى الفناء. ولقد أشار إلى ذلك مؤسسُ علم الاجتماع عالمنا الفذّ ابنُ خلدون في مقدمته إذ يقول : "إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، ثم يقول: "إن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء"[1].

2- قبول المصطلح الأجنبي في العربية مرهون بصياغته وفق المقاييس والأوزان الصرفية العربية بحيث يصبح قابلاً للتعريف والاشتقاق بمختلف أنواعه والنسبة والتصغير... ككلمة دِرْهم التي استُعمل منها: دَرْهَمَه ومُدَرْهَم ودِرْهَمِيّ ودُرَيْهِم... ولعلّ من طريف استعمالاتها ما جاء على لسان أستاذنا الدكتور (مازن المبارك) حينما نفِد ما عنده من مال عندما كان طالباً مغترباً في القاهرة، فأرسل برقية يستنجد فيها بأهله، اقتصر فيها على كلمة (دَرْهِمُونا). ومن ذلك أيضاً فِهْرِس وفَهْرسة وفهارس ومفهرسة، وهندسة وهندسية ومهندس، وتِلْفاز وتَلْفَز، وبَسْتَر، وكَهْرَب، وقَوْلَب... فكل هذه المصطلحات دخلت في صميم العربية، واشتقت منها كلمات أنْسَتِ الناسَ أصلها الأول، فهل يستقيم ذلك في كلمة (كمبيوتر)؟!!..
3- إن التذرع بكثرة من يستعمل كلمة (كمبيوتر) لا يقتضي أبداً صوابها أو تصويبها؛ لأن الأكثرية لا تعني بالضرورة الحقَّ، فقد تكون الغلبة لغير أهل الحق لكثرتهم، يقول تعالى: {قالَ الذينَ غلبوا على أمرِهم لنتخذنَّ عليهمْ مسجِدا}، مع أن اتخاذ المساجد على قبور الصالحين منهيّ عنه شرعاً، لقوله: (ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ؛ إني أنهاكم عن ذلك) [رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة].
4- إن ما نشعر به اليوم من قصور لغتنا وعجزها عن اللَّحاق بركب الحضارة، شعر به الغربيون إبَّانَ نهضتهم حينما كانوا يترجمون الكتبَ العربية إلى اللاتينية، ولنستمع إلى بترارك شاعرِ الطليان يستنهضُ قومَه ويبث في نفوسهم الثقةَ والعزيمة؛ يقول: "ماذا؟ لقد استطاع شيشرون أن يكون خطيباً بعد ديمستن، واستطاع فرجليوس أن يكون شاعراً بعد هوميروس، وبعد العرب لا يُسمح لأحدٍ بالكتابة!! لقد جارينا اليونان غالباً، وتجاوزناهم أحياناً، وبذلك جارينا وتجاوزنا غالبية الأمم، وتقولون إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب! يا للجنون! ويا للخبال! بل يا لعبقرية إيطاليا الغافية أو المنطفئة"[2].
5- كثيراً ما يوجد مصطلحان؛ الأول عربي أصيل، والثاني أعجمي دخيل، فينتشر الثاني بين الناس بادي الرأي لا لكونه هو الأفضل أو الأنسب، وإنما لجهل الكثيرين بالمصطلح الأصيل؛ إما عن قصور أو تقصير أو عن كليهما.
ولكن للباطل جولة ثم يضمحل، وللحق دولة لا بد أن تظهر، فلا يلبث المصطلح الدخيل أن يزول، ولا يلبث المصطلح الأصيل أن يظهر وينتشر.
والأمثلة على ذلك كثيرة؛ أذكر منها (الهاتف والتلفون - السيارة والأوتوموبيل! - والجريدة والجورنال - ومبنى الحكومة والسراي).

6- في تراثنا العربي الإسلامي إرث هائل من المصطلحات العلمية استعملها أجدادنا وهم يتربعون على عرش الحضارة الغالبة المتبوعة، ونسيناها ونحن نقتات على فتات الحضارة مغلوبين تابعين. ولكن حركة التعريب الناشطة في أوائل هذا القرن ساعدت على إحياء جزء منها ولاسيما في علوم الطبّ، وما زالت الكثرةُ الكاثرة تنتظر من ينهض بها أو ينهد لها ليبعثها من مرقدها بعد طول سُبات، وليذيعها وينشرها بعد طول خمول، وقد وُفّقنا إلى شيء من هذا القبيل في عمل اتصلت أسبابنا به[3]، وهو تحقيق ما في تراثنا من مخطوطات في علم التعمية واستخراج المُعمَّى (التشفير وكسر الشفرة) إذ تكشّف لنا هذا التراث عن مئات المصطلحات العربية المستعملة في هذين العلمين مثل: (التعمية - التعمية المركبة - استخراج التعمية - المفتاح - الرمز - المدمج - الفاصل - الكلمة المحتملة - الأغفال - التبديل - الأحبار السرية - الإعاضة...)[4] مما يمكن أن يؤلف نواة لمعجم متخصص يستغني فيه الباحثون عن كثير من المصطلحات الدخيلة أو الوافدة في هذا المجال العلمي الخصب، ولا يخفى ما لهذا العلم من أهمية في حياتنا اليومية تتبدّى في التطبيقات المختلفة له في المجالات العسكرية، والمالية المصرفية، والتجارية، والإعلامية (القنوات الفضائية)، والمعلوماتية (أمن الحاسوب).
وبعدُ؛ فإنه لا يداخلني ريبٌ ولا يخالجني شكٌّ أن انتصار العربية واستحكام أمرها نتيجة حتمية تشير إليها كل المقدمات وتؤكدها كل الدلائل. فالعربية باقية ما دام في الأرض قرآن يتلى، وذكر يرفع {إنّا نحنُ نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ}.
فإذا كان الأمر كذلك فليكن لنا شرف المشاركة، ولتكن هذه المجلة منبراً سبّاقاً لتحقيق هذه الغاية في غدٍ مأمول قريب:
فإن يك صدرُ هذا اليوم ولَّى فإنَّ غدًا لناظره قريبُ

د. محمد حسان الطيان
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقدمة ابن خلدون ص 137.
[2] عن مقال للدكتور عبد الكريم اليافي في مجلة اللغة العربية بدمشق مج 63 ج2 ص198.
[3] وقد نتج عنه إنجاز موسوعة علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب, نشر جزؤها الأول سنة 1987 والثاني سنة 1997 عن مجمع اللغة العربية بدمشق ولا يزال العمل مستمراً.
[4] انظر فهرس علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب 1/385 - 398.

الموضوع الأصلي: فلنحملْ رايةَ التعريب || الكاتب: كبريـ انثى ـاء ||