صدفات من بحر اللغة :

ابن : الأصل في همزة ابن أن تكتب همزة وصل ، ولا تحذف همزتها في الرسم ، ويستثنى من ذلك أن تقع ( ابن ) نعتاً بين علمين ، أولهما منون وثانيهما أب لأولهما ، ولم تقع ( ابن ) في أول السطر ، نحو :علي بن أبي طالب ، فلا تحذف الهمزة من نحو : أحبُّ الحسن والحسين ابنيْ عليّ ؛ لأنه مثنى ، ولا من نحو : كان أحمد ابنَ خالد ؛ لأنه ليس نعتاً ، ونحو : هذا زيدٌ الفاضلُ ابنُ عمرٍو ؛ لأنه ليس بين علمين .
أما علة سقوط همزة ابن في الكتابة وعلة سقوط التنوين من الموصوف بها فقد علله ابن يعيش في شرح مفصل الزمخشري فقال : لما كثر إجراء ابن صفة على ما قبله من الأعلام إذا كان مضافاً إلى علم وكثر استعماله استجازوا فيه التخفيف ما لم يستجيزوه مع غيره ، فحذفوا ألف الوصل من ابن ؛ لأنه لا ينوى فصله عما قبله، وحذفوا تنوين الموصوف أيضاً ؛ لأنهم جعلوا الاسمين اسماً واحداً لكثرة الاستعمال وأتبعوا حركة الاسم الأول حركة الاسم الثاني , ولذلك شبهه سيبويه بـ ( امرئٍ ) في كون حركة الراء تابعة لحركة الهمزة . فإذا قلت : هذا زيدٌ بنُ عمرٍو ، فهذا مبتدأ ، وزيدٌ الخبر ، وما بعده نعته . وضمة زيد ضمة إتباع لا ضمة إعراب ؛ لأنك عقدت الصفة والموصوف وجعلتهما اسماً
واحدا.
البدل : هو تابع مقصود بالحكم بلا واسطة ، وأقسام البدل أربعة :
الأول : بدل كل من كل : ، وهو بدل الشيء مما هو طبق معناه ، نحو قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم صراط اذين أنعمت عليهم.
الثاني : بدل بعض من كل : ويبدل الجزء من الكل ، قليلاً كان ذلك الجزء أو مساوياً أو كثيراً ، نحو : أكلت الرغيفَ ثلثَه أو نصفَه أو ثلثيْه . ولابد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه ، ويكون هذا الضمير مذكوراً كقوله تعالى : " ثم عموا وصموا كثيرٌ منهم " ، أو مقدراً كقوله تعالى : " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " والتقدير : منهم .
الثالث : بدل الاشتمال : وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالاً بطريق الإجمال ، نحو : أعجبني زيدٌ علمُه أو حسنُه ، ونحو : سُرق زيدٌ ثوبُه أو مالُه . وحال بدل الاشتمال في الضمير مثل حال بدل البعض من كل ، ومن ذلك قوله تعالى : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " فالضمير ظاهر في ( فيه ) ، مثال المقدر قوله تعالى : " قُتل أصحابُ الأخدودِ النارِ ذاتِ الوقود " والتقدير : النار فيه .
الرابع : البدل المباين : وهو ثلاثة أنواع : بدل الغلط ، وبدل النسيان ، وبدل الإضراب ( الإعراض عن الشيء على آخر ) وقولنا : خذ السكينَ السهمَ ، يصلح أن يكون مثالاً عل كل من الأنواع الثلاثة .

إبدال الفعل و الجملة : يبدل كل من الفعل والجملة ، فمثال الفعل قوله تعالى : " وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً{68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. "
، أما الجملة فمثالها قوله تعالى : " أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين " ، وقد تبدل الجملة من المفرد ، نحو قول الشاعر : إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ** وبالشام أخرى ، كيف يلتقيانِ ؟ فقد أُبدل ( كيف يلتقيان ) من ( حاجة أخرى ) ، أي : إلى الله أشكو هاتين الحاجتين ـ تعذر التقائهما .

الإبدال من أسماء الاستفهام وأسماء الشرط : إذا أبدل اسم من اسم استفهام من اسم شرط ذُكر مع البدل همزة الاستفهام أو إن الشرطية . فمثال الأول قولنا : كم ماُلك ـ أعشرون أم ثلاثون ؟ وقولنا : ما صنعت ـ أخيراً أم شراً ؟ ومثال الثاني قولنا : مَن يقمْ ـ إن زيدٌ أ عمرٌو ـ أقمْ معه ، وقولنا : ما تصنع ـ إن خيراً أو شراً ـ تُجزَ به ، وقولنا : متى تسافرْ ـ إن غداً أ بعد غدٍ ـ أسافرْ معك .

أغراض البدل : يبدل من الاسم لزيادة التقرير أو الإيضاح ، نحو : جاءني زيدٌ أخوك ، جاء القومُ أكثرُهم ، سُلب عمرٌو ثوبُه ، وقوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " .

الموضوع الأصلي: صدفات من بحر اللغة || الكاتب: رياض الفراشات ||