إن إعراب بعض الكلمات في بعض أجزائها يكون مشكلا، ومن هذه الكلمات في باب النداء "يا أبت، يا أبتا، يا أمت، يا أمتا، يا ويلت، يا ويلتي ويا ويلتا .
وأنقل من مواضع من "النحو الوافي" ما يفيد في رفع الإشكال في إعراب هذه الكلمات وأشباهها.
الموضع الأول:
3- إن كان المنادى الصحيح الآخر هو كلمة "أب"، أو "أم" جاز فيه اللغات الست السابقة، ولغات أربع أخرى؛ وهي:
حذف ياء المتكلم، والإتيان بتاء التأنيث ( 1 ) الحرفية عوضا عنها، مع بناء هذه التاء الحرفية على الكسر، أو على الفتح ، وكلاهما كثير قوي . أو على الضم، وهو قليل، ولكنه جائز؛ نحو: يا أبت أنت كافلنا، ويا أمت، أنت راعيتنا.
والمنادى في هذه الصور الثلاث منصوب بفتحة ظاهرة ( 2 ) دائما. وهو مضاف. وياء المتكلم المحذوفة مضاف إليه. وجاءت تاء التأنيث عوضا عنها، مع بقائها حرفا للتأنيث كما كانت، وليست المضاف إليه.
والصورة الرابعة -وهي أقلها من السماع الوارد، ولا يصح القياس عليها: الجمع بين تاء التأنيث السالفة التي هي العوض. وألف بعدها أصلها ياء المتكلم؛ نحو: يا أبتا... يا أمتا.
وكقول الشاعر:
يا أمتا أبصرني راكب ... في بلد مسحنفر ( 3 ) لاحب ( 4 )
وقول الآخر:
يا أبتا علك أو عساكا ... ..........................
وفي هذه الصورة جمع بين العوض -وهو التاء- والمعوض عنه، وهو: الياء المنقلبة ألفا. ولذا قال بعض النحاة: إن هذه الألف ليست في أصلها ياء المتكلم؛ وإنما هي حرف هجائي، وزائد لمد الصوت. وهذا الرأي أوضح وأيسر في إعراب تلك الصيغ المسموعة.
__________
1- سبقت الإشارة لهذا "في باب الإضافة لياء المتكلم ج3 م97 ص146" والأكثر في هذه التاء أن تظل تاء عند النطق بها وقفا ووصلا، وأن تكتب تاء متسعة "أي" غير مربوطة" ويجوز كتابتها مربوطة, كما يجوز الوقف عليها بالهاء. لكن الأفضل الاقتصار على الرأي الأول الذي يقضي باعتبارها تاء متسعة في جميع أحوالها.
2 - لأن تاء التأنيث توجب فتح ما قبلها دائما. ولا داعي للإطالة بأنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لمناسبة التاء.
3 - واسع.
4 - معهود ممهد.
الموضع الثاني:

ما كانت فيها الياء محذوفة، ولكن عوض عنها تاء التأنيث المبنية على الفتح أو على الكسر، مثل: يا أبت "أي: يا أبي" فكلمة: "أب" من "أبت" منادى منصوب؛ لأنه مضاف للياء المحذوفة التي عوض عنها تاء التأنيث، وتاء التأنيث حرف، إذ الياء لم تنقلب إليها، كما تنقلب إلى الألف، ولهذا كانت كلمة "أب" منصوبة، ولكن بفتحة مقدرة، منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لمناسبة تاء التأنيث؛ لأن تاء التأنيث تقتضي فتح ما قبلها. ذلك قولهم، وهو صحيح دقيق. ولكن من الممكن الاختصار فنقول: إنها منصوبة بفتحة ظاهرة.
ج- ما كانت فيها الياء منقلبة ألفًا، مثل: يا "صاحبا" لا تترك زيارتي. فكلمة "صاحب" منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لمناسبة الألف، ومن التيسير أن نقول: منصوب بالفتحة الظاهرة.
الموضع الثالث:

هناك صورة أضعف من هذه، وأندر استعمالا في السماع الوارد، حتى خصها كثير من النحاة بالضرورة الشعرية، نذكرها لندركها إذا صادفتنا في بعض الكلام القديم، هي الجمع بين هذه التاء وياء المتكلم بعدها، أو الجمع بين الياء المنقلبة ألفا والتاء بعدها.
كقول الشاعر:
أيا أبتي ( 1 ) ، لا زلت فينا، فإنما ... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا
وقول الآخر:
كأنك فينا يا أبات ( 2 ) غريب ( 3 ) ... ................................
هذا، ولا تكون تاء التأنيث عوضا عن ياء المتكلم إلا في أسلوب النداء على الوجه السالف، دون غيره من الأساليب. ووجودها في آخر كلمتي: "أب، وأم" يحتم استعمال كل واحدة منهما منادى، ويمنع استعمالها في غيره4...
ونشير إلى أمرين هامين:
أولهما: أن الأحكام السابقة كلها مقصورة على المنادى صحيح الآخر، وشبهه إذا كانت إضافتهما محضة -كما أسلفنا- ( 5 ) فإن كانت غير محضة فالمنادى واجب النصب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم منع من ظهورها الكسرة التي لمناسبة الياء. وهذه الياء ثابتة دائما ومبنية على السكون أو الفتح؛ كقولهم: "يا رائدي للهدى وقيت الردى، ويا مرشدي للخير صانك الله من الزلل". فالمنادى:
__________
1 - والأيسر في الإعراب أن تكون كلمة: "أب" منادى منصوب مضاف والتاء عوض عن الياء المحذوفة. أما المذكورة فحرف هجائي ناشئ من بناء التاء على الكسرة مع إشباع هذه الكسرة. أو: أن التاء للتأنيث اللفظي، والياء بعدها مضاف إليه، وقد فصلت التاء بين المتضايفين.
2 - ويقال في الإعراب: "أب" منادى، منصوب، مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا، والتاء حرف للتأنيث اللفظي، يضبط بالفتحة، أو الكسرة، أو الضمة -كما سلف.
3 - وإلى بعض ما سبق -في نداء "أب" أو "أم"- يقول ابن مالك باختصار:
وفي الندا: "أبت"، "أمت"، عرض ... واكسر، أو افتح، ومن اليا التا عوض
يريد: عرض في النداء أسلوب خاص، هو: يا أبت، يا أمت بكسرة التاء، أو فتحها، وقد ترك الضم -ثم صرح أن التاء عوض من ياء المتكلم المضاف إليه، واقتصر على هذا تاركا التفصيلات التي عرضناها.
4 - انظر رقم "1" من ص68.
5 - في ص58.