كتاب "نهج الصواب ..." ..2

الفصل الأول: ما جاء على ثلاثة أوجه.

ومن ذلك (الكذب) في قوله تعالى: [ وَلا تَقُولوا لِمَا تَصِفُ ألسِنَتُكُم الكَذِبَ ][33] قرء[34] بفتح[35] (الكذب) ووجهه أنه مفعول (تقولوا) أو أنه بدل من الضمير المستتر في (تصف) العائد إلى (ما) أي: لما تصفه ألسنتكم الكذب. وقرء[36] بالجر على أنه بدل من (ما). وقرء[37] بالرفع على أنه صفة لـ (ألسنتكم). وفي قراءة الرفع ضم الكاف والذال على أنه جمع (كذوب) أو (كاذب) وإن أردت تحقيق المقام فراجع الكشاف[38].

ومن ذلك (حور) في قوله تعالى: [ وحور عين ][39] فأنه قرء[40] برفع (حور) ووجهه أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره (لهم حور عين) أو أنه عطف على (ولدان)[41]. وقرء بنصبه[42] ووجهه أنه مفعول لفعل محذوف تقديره (تعطون حوراً عين). وبالجر[43] عطفاً على (جنات) وقيل عطفاً على (أكواب) لفظاً لا معنى.

ومن ذلك (يفعل) في قولهم (لا ينهين أحدكم عن أمرٍ ثم يفعله) يجوز رفع (يفعل) على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: (هو يفعل). ونصبه على أن (ثم) أُعطيت حكم واو المعية في نصب المضارع بعدها بـ (أن) مضمرة، قال ابن مالك[44]: (إن "ثم" قد تعطى حكم واو الجمع بعد الطلب)[45]. أي: قد تعطى (ثم) حكم (واو المعية) بعد الطلب في نصب المضارع بعدها بـ (أن) مضمرة. وجزمه على أنَّ (يفعل) معطوف على (ينهين) محلاً وذلك لأن (ينهين) مبني لفظاً على الفتح لاتصاله بنون التوكيد ومجزوم محلاً لاتصاله بـ (لا) الناهية.

ومن ذلك (غدوة) في قولهم (لدن غدوة أتى زيد)[46] يجوز رفع غدوة على إضمار (كان) التامة والتقدير (لدن كان غدوة). والنصب على التمييز لأن (لدن) ههنا اسم مبهم فيصح تمييزه بـ (غدوة). والجر على أن (لدن) مضاف إلى (غدوة).

تنبيه: (لدن) في هذا كله ظرف زمان.

ومن ذلك (ما أحسن زيد)[47] يجوز رفع (زيد) على الفاعلية لـ (أحسن) و (أحسن) فعل متصرف و (ما) نافية والمعنى نفي الإحسان عن زيد. ونصبه على أنه مفعول لـ (أحسن) و (أحسن) فعل تعجب فاعله مضمر عائد إلى (ما). وخفضه على أن (أحسن) اسم تفضيل مضاف إلى (زيد) و (زيد) مضاف إليه و (ما) استفهامية والمعنى حينئذٍ الاستفهام عن أحسن ما في زيد من الأجزاء.

ومن ذلك (يعطي) من قولهم {ألم تسأل زيداً فيعطيك الجواب} يجوز رفع (يعطي) على أنه خبر لمبتدأ محذوف و (الفاء) عاطفة جملة والتقدير (فهو يعطي الجواب). ونصبه بعد (الفاء) للسببية وكانت في جواب الاستفهام. وجزمه على أن (الفاء) عاطفة على (تسأل) و(تسأل) مجزومة بـ (لم).

ومن ذلك قولهم (أكلت السمكة حتى رأسها)[48] يجوز رفع رأسها ووجهه أن (حتى) ابتدائية ورأسها مبتدأ والخبر محذوف تقديره (حتى رأسها مأكول). ويجوز نصبه ووجهه أن (حتى) عاطفة و (رأسها) معطوف على (السمكة). ويجوز جره ووجهه أن (حتى) جارة بمعنى (إلى).

ومن ذلك (عبيد) في قولهم (كم عبيدٍ لك خدموني) يجوز خفض (العبيد) على أن (كم) خبرية مبتدأ والمسوّغ للابتداء التصدير و (عبيد) تمييز لها. وتمييز (كم) الخبرية مجرور وخبرها (خدموني). ونصبه على أن (كم) استفهامية استفهام تهكم و (عبيد) تمييزها وتمييز (كم) الاستفهامية منصوب والمعنى: أخبرني بعدد عبيدك الذين خدموني وعلى هذا (كم) أيضاً مبتدأ والخبر (خدموني). ورفع (العبيد) على أنه مبتدأ وساغ الابتداء به وإن كان نكرة لكونه مخصصاً بـ (لك) وخبره (خدموني) و (كم) على هذا الوجه خبرية في محل نصب على أنها مفعول فيه وتمييزها محذوف تقديره (وقت) والعامل بها (خدموني) ولكن قدمت عليه لأن لها الصدر في الكلام والمعنى: عبيدُك خدموني في كثيرٍ من الأوقات.

ومن ذلك (خالد) في قولهم (جاءَ الضّاربُ بكرٍ وخالد) يجوز رفع (خالد) على أنه معطوف على (الضارب). ونصبه على أنه معطوف على (بكر) تابع إلى محله لأنه في محل نصب على المفعولية لـ (ضارب). وجره على أنه عطف على (بكر) أيضاً ولكن تابع إلى لفظه.

الموضوع الأصلي: كتاب "نهج الصواب ..." ..2 || الكاتب: رياض الفراشات ||