بحث صغير تحت عنوان (المسألة الزنبورية ) وهو من (كتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين العلماء : الكوفيين والبصريين تأليف / الشيخ الإمام كمال الدين ابن البركات الأنباري النحوي )
وهذه المسألة التي أقدمها هي مسألة كثر خلاف العلماء حولها ولها أيضاً حكاية مشهورة بين سيبوبه
والكسائي قد عرضتها في مبحثي هذا سائلة المولى ليّ ولكم العلم النافع 0000
ذهب الكوفيون إلى انه يجوز أن يقال (كنت أظن أن العقاب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها). وذهب
البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال (فإذا هو إياها). ويجب أن يقال (فإذا هو هى).
أما الكوفيون فاحتجوا بالحكاية المشهورة بين الكسائى وسيبويه, وذلك أنه لما قدم سيبويه على البرامكة,
فطلب أن يجمع بينه وبين الكسائى للمناظرة؛ حضر سيبويه في مجلس يحي بن خالد وعنده ولده جعفر
والفضل ومن حضر بحضورهم من الأكابر , فأقبل خلف الأحمر على سيبوية قبل حضور الكسائى ,
فسأله عن مسألة , فأجابه سيبويه , فقال الأحمر : أخطأت, ثم سأله عن الثانية فأجابه فيها , فقال :
أخطأت , ثم سأله ثالثة, فأجابه فيها , فقال له : أخطأت , فقال له سيبويه : هذا سوء أدب , قال
الفراء : فأقبلت عليه وقلت : إن هذا الرجل عَجَلَةً وحِدَّةً , ولكن ماذا تقول في من قال : (هؤلاء أبُونَ ,
ومررت بأبيِنَ ) كيف تقول على مثل ذلك من (وأيت) و (أويت) فقدر فأخطأ , فقلت: أعد النظر, فقدر
فأخطأ, فقلت : أعد النظر, فقدر فأخطأ, ثلاث مرات يجيب ولا يصيب . فلما كثر ذلك عليه قال: لا أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره ,
قال : فحضر الكسائى , فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو سألك؟
فقال بل تسألني أنت, فأقبل عليه الكسائى فقال: كيف تقول : كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من
الزنبور فإذا هو هى, أو فأذا هو إياها؛ فقال سيبويه: فإذا هو هى, ولا يجوز النصب؟ فقال الكسائى:
لَحَنْتَ, ثم سأله عن مسألة من هذا النحو نحو (خرجت فإذا عبد الله القائمُ, القائمَ) فقال سيبويه في ذلك
بالرفع دون النصب, فقال الكسائى: ليس هذا من كلام العرب, والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه, فدفع ذلك
سيبويه , ولم يُجز فيه النصب, فقال له يحي ابن خالد : قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم
بينكما ؟ فقال الكسائي : هذه العرب وقفت ببابك قد اجتمعت من كل أوبٍ ؛ ووفدت عليك من كل صقع،
وهم فصحاء الناس ، وقد قنع بهم أهل المصرين ، وسمع من أهل الكوفة والبصرة منهم فيحضرون
ويُسألون ، فقال يحي وجعفر : قد أنصفت ، وأمر بإحضارهم ، فدخلوا وفيهم أبو فقعس وأبو زياد وأبو
الجراح وأبو ثروان ،فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه ، فوافقوا الكسائي ، وقالوا
بقوله فأقبل يحي على سيبويه فقال : قد تسمع ،وأقبل الكسائي علي يحي ، وقال : أصلح الله الوزير ! إنه
وفد عليك وفد عليك من بلده مؤملا ، فإن رأيت أن لا ترده خائباً ،فأمر له بعشر آلاف درهم ، فخرج
وتوجه نحو فارس ، وأقام هناك ، ولم يعد إلى البصرة
فوجه الدليل من هذه الحكاية أن العرب وافقت الكسائي ، وتكلمت بمذهبنا ، وقد حكى أبو زيد الأنصاري
عن العرب ( قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياه ) مثل مذهبنا ؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه :
وأما من وجهة القياس فقالوا : إنما قلنا ذلك لأن (إذا) إذا كانت للمفاجأة كانت ظرف مكان ، والظرف
يرفع ما بعده ، وتعمل في الخبر عمل وجدتُ لأنها بمعنى وجدت
وقد قال أبو العباس أحمد بن يحي بن ثعلب : إن (هو) في قولهم (فإذا هو إياها ) عماد ، ونصبت (إذا)
لأنها بمعنى وجدتُ على ما قدمناه 0

وأما البصريون فاحتجوا بإن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز إلا الرفع لأن (هو) مرفوع بالأبتداء ، ولابد
للمبتدأ من خبر ، وليس هاهنا ما يصلح أن يكون خبراً عنه ، إلا ما وقع الخلاف فيه ، فوجب أن يكون
مرفوعاً ، ولا يجوز أن يكون منصوبا بوجه ما ؛ فوجب أن يقال (فإذا هُوَ هِىِ ) فهو: راجع إلى الزنبور
لأنه مذكر ، وهي : راجع إلى العقرب لأنه مؤنث
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما ما رووه عن العرب من قولهم (فإذا هُو إيّاها ) فمن الشاذ الذي لا
يعبأ به كالجزم بلن والنصب بلم وما أشبه ذلك من الشواذ التي تخرج عن القياس ، على أنه قد روي أنهم
أعطوا على متابعة الكسائي جعلاً ؛ فلا يكون في قولهم حجة لتطرق التهمة في الموافقة 0
وأما قولهم (إن إذا إذا كانت للمفاجأة كانت بمنزلة وجدت ) فباطل ؛ لأنها أن كانت بمنزلة وجدت في
العمل فوجب أن يرفع بها فاعل وينصب بها مفعولان كقولهم (وَجَدْتُ زيداً قائماً ) فترفع الفاعل وتنصب
المفعولين ، وإن قالوا إنها بمعنى وجدت ولاتعمل عملها كما أن قولهم (حَسْبُكَ زَيْدٌ ) بمعنى الأمر وهو
اسم وليس بفعل ، وكقولهم (أحْسِنْ بِزَيْدٍ) لفظه لفظ الأمر وهو بمعنى التعجب ، وكقولهم (رَحِمَ اللهُ فلاناً )
لفظه لفظ الخبر وهو في المعنى دعاء ، وكقوله تعالى في قراءة من قرأ بالرفع ( لا تُضَارُّ وَالدةٌ بِوَلدهَا )
لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي ، وكقوله تعالى (فهل أنتم مُنْتَهُونَ ) أي : انْتَهُوا ، لفظه لفظ الإستفهام
والمراد به المر ، وكقوله تعالى (فَلَيَمْدُدْ لَهُ الرحمنُ مَداً ) لفظه لفظ الأمر والمراد به الخبر ، وكقوله
تعالى : ( وَالْوَلِدَاتُ يُرّضِعْنَ أولاَدَهُنَّ ) أي : ليرضعن ، لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر ، إلى غير
ذلك من الأماكن التي لا تحصى كثرة ، فكذلك نقول نحن هاهنا إذا ) بمعنى وجدت وهي في اللفظ
ظرف مكان ، وظرف المكان يجب رفع المعرفتين بعده ، فوجب أن يقال ( فإذ هُوَ هِىَ )
وإن قالوا (إنها تعمل عمل الظرف وعمل وجدت ؛ فترفع الأول لأنها ظرف وتنصب الثاني على أنها
فعل ينصب مفعولين ) فباطل ؛ لأنهم إن أعملوها عمل الظرف بقي المنصوب بلا ناصب ، وإن أعملوها
عمل الفعل لزمهم وجود فاعل ومفعولين ، وليس لهم إلى إيجاد ذلك سبيل 0
وإما قول أبي العباس ثعلب ( إن هو في قولهم فإذا هو إياها عِمَادٌ ) فباطل عند الكوفيين والبصريين ،لأن
العماد عند الكوفيين _ الذي يسميه البصريون الفصل _ يجوز حذفه من الكلام ، ولا يختل معنى الكلام
بحذفه ، ألا ترى أنك لو حذفت العماد الذي هو الفصل من قولك ( كان زيدٌ هُوَ القائمَ ) فقلت (كتن زيدٌ
القائمَ ) لم يختل معنى الكلام بحذفه ؛ وكان الكلام صحيحاً ، وكذلك سائر الأماكن التي يقع فيها العماد
الذي هو الفصل يجوز إثباته وحذفه ، واو حذفته هاهنا من قولهم (فإذا هو إيَّاها ) لاختلَّ معنى الكلام
وبطلت فائدته ؛ لأنه يصير (فإذا إياها ) وهذا لامعنى له ولا فائدة فيه ؛ فبطل ما ذهبوا إليه 0
الموضوع الأصلي: (المسألة الزنبورية ) || الكاتب: رياض الفراشات ||