نيابة حروف الجر بعضها عن بعض

من "نزع الخافض في الدرس النحوي" - (1 / 71-72)
2- إن القول بالتضمين إنما جرَّ إليه قولُ بعضهم بنيابة حروف الجر بعضها عن بعض فكان ذلك حافزاً لفقهاء العربية أن يضعوا " رسماً يُعمَلُ عليه ، ويُؤمَنُ التزام الشناعة لمكانه "(2) ، يقول ابن جني: " باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض : هذا باب يتلقاه الناسُ مَغسولاً ساذجاً من الصنعة ، وما أبعد الصوابَ عنه ، وأوقفه دونه ، وذلك أنهم يقولون : إنَّ إلى تكون بمعنى مع ... ويقولون : إن في تكون بمعنى على ... ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا ، لكنا نقول : إنه يكون بمعناه في موضعٍ دون موضعٍ على حسب الأحوال الداعية إليه ، والمسوغة له ، فأما في كل موضعٍ ، وعلى كل حالٍ فلا ، ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غُفْلاً هكذا لا مقيداً ، لزمك أن تقول : سرتُ إلى زيدٍ وأنت تريد: معه ، وأن تقول : زيد في الفرس ، وأنت تريد : عليه ... ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش ولكنْ سنضع في ذلك رسماً يعمل عليه ، ويؤمن من التزام الشناعة لمكانه .
__________
(2) الخصائص : 2/309 . وينظر : بدائع الفوائد : 2/258 ، والبرهان : 3/388 .

اعلم أنَّ الفعل إذا كان بمعنى فعلٍ آخر ، وكان أحدهما يتعدى بحرفٍ ، والآخر بآخر ، فإن العرب تتسع ، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه ، إيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه"(1).
فإتيان الفعل متعدياً بحرفٍ غير معتادٍ تعدِّيْه به هي أكثر صور التضمين وروداً ولأجلها اشتهر الخلاف بين النحويين في نيابة حروف الجر بعضها مناب بعض :
فالأخفش والمبرد وابن السراج ، يقولون بإقامة حروف الجر بعضها مقام بعض(2) وهو القول الذي اشتهر عند المتأخرين بأنه قول الكوفيين (3) .
والفراء والزجاج وابن جني وأكثر المتأخرين يقولون : لا نيابة بين الحروف ، ويضمن الفعل الذي تعدى بحرف جر غيرِ معتادٍ تعديْه به معنى فعلٍ آخر يتعدى بذلك الحرف ، إن أمكن ذلك وإلا فهو من وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل الشذوذ(4) ، وهو القول الذي اشتهر عند المتأخرين بأنه قول البصريين(5) .
__________
(1) الخصائص : 2/306 - 309 . وينظر : إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج : 3/806 ، والاقتضاب : 1/338 - 342 .
(2) ينظر : معاني القرآن للأخفش : 1/205 - 206 ، والكامل : 2/721 - 722 ، 1000 - 1001 ، والمقتضب : 2/319 - 320 ، وجامع البيان : 1/298 - 299 ، الأصول في النحو : 1/414 - 415 .
(3) ينظر : الاقتضاب : 1/338 ، والجني الداني : 46 ، ومغني اللبيب : 151، ومعاني النحو : 3/6 .
(4) ينظر : معاني القرآن للفراء : 2/251 ، 299 - 300 ، ومعاني القرآن وإعرابه : 1/416 - 417 ، وشرح الجمل لابن عصفور : 1/519 - 520 ، وشرح الكافية: 2/345 .
(5) ينظر : الاقتضاب : 1/338 ، والجني الداني : 46 ، ومغني اللبيب : 150 - 151 ، 861 ، ومعاني النحو : 3/6

الموضوع الأصلي: نيابة حروف الجر بعضها عن بعض || الكاتب: رياض الفراشات ||