المثلّثات اللغويّة
إن اللغة العربية لغة شريفة، بها نزل كتاب الله عز وجل على سيّد المرسلين- صلى الله عليه وسلّم- فأعجز أصحاب الفصاحة والبيان، وتحدّاهم بأن يأتوا بسورة مثله فعجزوا.
وعلم العربيّة من أجل العلوم وأعظمها وأشرفها؛ ذلك أنّ كل علم من العلوم مفتقر إليه، وهو سلّم العلوم كما يقال.وامتازت اللغة العربيّة عن غيرها بأنّه لغة حيّة الوجود، حوت كثيرا من العجائب والأسرار ليس هذا مجال سردها، وكيف لا تتفوق على اللغات وهي لغة نزل بها أصح كتاب وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومما تتميّز به وجود ما يُسمّى بالمثلثات اللغوية،وهو موضوع شيّق، يحتاج النظر كثيرا في معجمات اللغة، فيا ترى، ما المثلثات اللغوية؟ وما أنواعها؟
يمكن أن نقول: إن المثلثات اللغوية مجموعة مكونة من ثلاث كلمات، لها نفس بنية الحروف، وما يتغير منها هو حركة فاء الكلمة أو عينها.
ولعل أقدم كتاب وصل إلينا في مجال المثلثات هو كتاب قطرب تلميذ سيبويه، واسمه: أبو محمد علي بن المستنير المتوفى سنة 206 هـ، ولا ندري هل أُلّف كتاب قبله أو لا؟ إلا أننا نجد أنفسنا أمام كُتيّب عظيم الفائدة، حوى بين دفتيه ثلاثا وثلاثين كلمة، فتح بابا جديدا من أبواب العربية، لعله لم يكن معروفا، ثم جاء العلماء من بعدُ وألفوا في المثلثات كتبا فاقت بكثير ما جمعه قطرب، ولا ضير في ذلك، فإنّ لقطرب فضل السبق في هذا الحقل، ويعتبر المؤسس الأول له كما يظهر، وكما يقال: إن أول الغيث قطرة ومعظم النار من مستصغر الشرر.وكتابه اعتنى به الأوائل وشرحوه وبعضهم نظمه.
وأمّا أنواع المثلثات فنوعان:
1-:المثلث المختلف المعنى، ويعني أن الكلمة إذا تغيرت حركة فائها أو عينها فإن ذلك يؤدي إلى اختلاف معناها وانتقالها من معنى إلى معنى دلالي آخر، ومن أشهر الأمثلة على ذلك كلمة: الغمر، فإنها جاءت في العربية بفتح الغين وكسرها وضمها، ولكل منها معنى مختلف عن الآخر، فهي بفتح الغين تعني الماء الكثير، وبكسرها تعني الحقد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم (( لا تجوز شهادة ذي الغِمر على أخيه )) أي لا تجوز شهادة صاحب الحقد على أخيه، وبضم الغين تعني الرجل الذي لم يجرب الأمور، وإن شئت فقل الرجل الجاهل.
وقد نظم هذه المعاني الثلاثة أحدهم فقال:
إنّ دموعي غَمر وليس عندي غِمر
يا أيها ذا الغُـمر أقـصر من التعب
2-المثلث المتفق المعنى: وهو الذي حوى ثلاث كلمات لها الصيغة الصرفية نفسها واختلفت حركة عين الكلمة أو فائها، ومع ذلك لا يتغير معنى الكلمة، ومثال دلك على سبيل المثال لفظة الدواء، فإنها جاءت بفتح الدال وكسرها وضمها مع التشديد، وكلها لها معنى واحد وهو ما يداوى به، وأيضا مثل كلمة الشجاع، فإنها جاءت مثلثة الشين، أي بفتحها وكسرها وضمها مشددة، ومع ذلك فمعناها لم يتغير وتعني: البطل الجرئ المقدام، وغير ذلك كثير.
فائدة:
من خلال قراءتي البسيطة في كتب التفسير وإعراب القرآن وجدت نوعا قريبا من موضوع المثلثات، وأحسب أنه لم يُؤلف فيه كتاب- وإن كان مفرقا في بطون كتب اللغة والتفسير والنحو- ، وهو أن ترد كلمتان فقط، لهما الصيغة الصرفية وترتيب الحروف أنفسهما، ومع تغير ضبط فاء الكلمة أو عينها يتغير معنى الكلمة، فعلا كانت أم اسما، ومثال ذلك كلمة: قرح، جاءت بفتح القاف وبضمها، وبالفتح تعني الجراح، وبالضّمّ تعني ألم الجراح، وأيضا مثل الفعل: يصدون، فإنه جاء بضم الصاد وبكسرها، وبالضّم يعني يعرضون، وبالكسر يضجون.
الموضوع الأصلي: المثلّثات اللغويّة || الكاتب: رياض الفراشات ||