الفتح والضم في أحرف المضارعة
من كتاب "حركة حروف المضارعة" جزى الله تعالى مؤلفه الذي لم أهتد إلى اسمه خيرا!
***
شغل اللغويون بالمضارع من حيث حركة حرف المضارعة. فقد اشتهر في لغة أهل الحجاز أنَّه إذا بني المضارع من ماضٍ رباعي ـ سواء أكان رباعي الأصول أم رباعيًّا بالزِّيادة ـ كانت حركة حرف المضارعة منه الضَّم. فتقول: أكرم يُكرم، قطَّع يقطِّع، دحرج يُدحرج.
وإذا جاء ما يشعر بمخالفته ذلك فعلى اعتبار آخر، وعليه يمكن تفسير قراءة أبي رجاء العطاردي{فَاتَّبِعُونِي يحَْبِبْكُمُ اللَّهُ } بفتح الياء. قال الكسائي:" يقال: يَحِبُّ وتَحِبُّ وأَحِبُّ... والفتح لغة تميم وأسد وقيس. وهي على لغة من قال: حَبَّ وهي لغة قد ماتت "( إعراب القرآن للنَّحاس 1 / 367).
فنلحظ هنا أنَّ الفتح على اعتبار أنَّ الفعل ثلاثي الماضي، وليس أحبَّ الرّباعي. وهو رأي وجيه ارتضاه النَّحاس. إذ قال: "فأمَّا فتحها فمعروف يدل عليه محبوب"( إعراب القرآن للنَّحاس 1 / 367). وهذا إشارة إلى اسم المفعول من الثّلاثي الذي يأتي على وزن مفعول كما تقتضيه القواعد الصَّرفيَّة. وإذا بني المضارع من ثلاثي أو خماسي أو سداسي كانت حركة حرف المضارعة الفتح.
فإن قيل: فلم فتحوا حرف المضارعة في الثّلاثي، وضمُّوه من الرُّباعي؟ قيل: لأنَّ الثَّلاثي أكثر من الرُّباعي، والفتحة أخفُّ من الضَّمة، فأعطوا الأكثر الأخف، والأثقل الأقل ليعادلوا بينهما.
فإن قيل: فالخماسي والسُّداسي أقلُّ من الرُّباعي فهلا وجب ضَمُّهُ ؟ قيل: إنَّما وجب فتحه لوجهين:
الأوَّل: أنَّ النَّقل من الثّلاثي أكثر من الرّباعي، فلمَّا وجب الحمل على أحدهما كان الحمل على الأكثر أولى من الحمل على الأقلّ.
والآخر: أنَّ الخماسي والسُّداسي ثقيلان لكثرة حروفهما، فلو بنوهما على الضَّمِّ لأدَّى ذلك إلى أن يجمعوا بين كثرة الحروف، وثقل الضَّم، وذلك لا يجوز فأعطوها أخفّ الحركات وهو الفتح (أسرار العربية للأنباري ص 404 - 405).
وهذا ما اشتهر في المسألة، وعليه الاعتماد في التعليم والتقعيد. غير أنَّه قد جاءت لغات تخالف هذا المشهور، من ذلك كسر حروف المضارعة.
حكم ضمّ حرف المضارعة في غير رباعي الماضي:
سبق البيان بأنَّ حكم حرف المضارعة إذا كان ماضيه على أربعة أحرف أن يضمّ، سواء كانت هذه الأربعة أصلية أم كان فيها مزيد.
ولكن هل لنا أن نضم هذه الأحرف في الخماسي والسُّداسي ؟
ذكر الأنباري "أنَّ بعض العرب يضمّ حروف المضارعة منهما فيقول: يُنطلق ويُستخرج بضمِّ حرف المضارعة حملاً على الرباعي "( أسرار العربية ص 405) ، وجعل أبو حيان ذلك من باب الشذوذ إذ قال: "وشذ ما روى اليماني من ضمِّ الياء في قولك: يُستخرج، وهو مبني للفاعل "( ارتشاف الضرب 1 / 88).
وعلل الأنباري اختيار الفتح في الأفعال الخماسية والسّداسيّة بأنَّه بسبب كثرة حروفهما "فلو بنوهما على الضَّم لأدى ذلك إلى أن يجمعوا بين كثرة الحروف وثقل الضم، وذلك لا يجوز فأعطوهما أخف الحركات وهو الفتح"( أسرار العربية ص 404 - 405).
وعلى هذا فيجب أن يقل استعمالها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع منها، إلاَّ أن إنسانًا لو استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين...(1).
وبهذا نعلم أن تلك القبائل التي تكلمت بهذه اللهجات لا تخطأ، ولا مَن سلك سبيلها في تلك الأفعال بعينها، وإن كان المختار والأعلى التحدث بأجود اللغتين، وأجود اللغتين ما اتفق مع تلك القواعد التي بنيت على الغالب والمطَّرد من كلام العرب.

الموضوع الأصلي: الفتح والضم في أحرف المضارعة || الكاتب: رياض الفراشات ||