جامعة الفاتح كلية العلوم الاجتماعية التطبيقية
التغير الاجتماعي بمنطقة الطينة
مقدمة من: تاج الدين محمد صالح إسماعيل
رسالة مقدمة لنيل الإجازة العليا (الماجستير)
إشراف: د. ابوبكر يوسف شلابي - د. مأمون محمد عبيد عام 1996/ 1424

الخلاصة والنتائج:-
بعد معايشة الباحث الطويلة نسبياً لمنطقة الطينة كان فيها دارساً وباحثاً لإحدى مجموعات قبيلة الزغاوة وهم الكوبي حيث تعلقت دراسته بدراسة مجتمعهم ونظامهم السياسي وما شهده من تغير خلال العقود الأربعة الماضية، والباحث كان قد حدد مسبقاً طائفة من العوامل حاول من خلال الدراسة والبحث التحقق منها والنظر في صحتها أو عدم صحتها وتقويم ما استطاع تحقيقه من نتائج حول أهداف الدراسة وفروضها التي كانت تدور حول المجتمع ونظامه السياسي التقليدي وما طرا عليه من تغير باعتباره نظاما تقليديا لمجتمع قبلي محلى في طور انتقاله إلى مجتمع الدولة والارتباط بالنظام السياسي المركزي الحديث وتوصل الباحث بالدراسة والملاحظة والمعايشة إلى حقيقة النظام السياسي ووظيفته الاجتماعية في الماضي وما طرا عليه من تغير وهو تغير غير الكثير من وظيفته ودوره الاجتماعي السابق وشكل بنائه وقد ساهم في هذا التغير العديد من العوامل افترضها الباحث كعوامل ساهمت مساهمة ايجابية في إحداث ما طرا على البناء الاجتماعي والنظام السياسي من تغير ومن أهم هذه العوامل:-

1- التعليم.. لقد كان التعليم احد أهم العوامل المنبهة التي أثرت في مجتمع الكوبي بالطينة وساهمت في إحداث الكثير من التغيرات الاجتماعية والسياسية وأدت إلى رفع درجة الوعي بين الناس وساهمت في نشر اللغة العربية لغة التواصل القومي التي ربطت الكوبي ودمجتهم بمجتمع السودان وبالوطن العربي وبإحداثه وتطوراته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كما إن التعليم وتوسيع قاعدته أبرزت فئة جديدة من الشباب المتعلم في المجتمع وهى فئة ساهمت في الارتقاء بوعي الناس السياسي والاقتصادي وبدفعهم للخروج بقضاياهم ذات الطابع القومي من المحلية إلى الفضاء الوطني وربطهم بمؤسسات الدولة القانونية والسياسية والإدارية الأمر الذي أدى إلى تقليص دور النظام السياسي والتشكيك في كفائتة وجريد السلطان من معظم صلاحياته القانونية والاقتصادية وتخلى الناس عن إتباع تلك الطقوس والعادات السابقة التي كانت تتبع في تعظيم السلطان خوفاً منه واحتراماً له، وبانتشار التعليم بدأت المؤسسات الجماهيرية والأحزاب السياسية تجد طريقها في الدخول إلى المنطقة لتساهم بدورها في تشكيل حياة سياسية جديدة والانتقال بالمجتمع من مجتمع بسيط إلى مجتمع الدولة الحديثة وهو ما أدى إلى تراجع الاهتمام بالنظام السياسي التقليدي القائم حيث صار الاهتمام بالإحداث الوطنية والقومية جزءاً من مشاغلهم السياسية.

2- التغير البيئي.. كانت البيئة إحدى العوامل التي حددها الباحث كعامل من عوامل التغير فالمنطقة كانت تتمتع بتوازن وتوافق بيئي من حيث وفرة المياه وكثافة الغطاء النباتي وتعدد الحيوانات المتوحشة والبرية هذا الغنى وفر للناس وللحيوانات معظم احتياجاتهم من الغذاء والعلاج والسكن وفى السبعينات بدأت المنطقة تشهد اضطرابا بيئياً نتج عنه شح في الإمطار وتدهور سريع في الغطاء النباتي واختفاء لمعظم الحيوانات المتوحشة والبرية الأمر الذي أدى حدوث حالة من الجفاف والتصحر في المنطقة حيث فقدت الناس معظم التسهيلات البيئية التي كانت تقدمها لهم البيئة وفقدوا بذلك ثروتهم الاقتصادية من الماشية واختفى معظم نمط حياتهم وقيمهم وتصوراتهم للزمن البيئي وما كان يعكسه لهم من تحديد وتقسيم لفصول السنة ولحركاتهم وتنقلهم ولعلاقتهم بقيم ومفاهيم الخير والشر والتفاؤل والتشاؤم، كما إن الاضطراب في التوازن البيئي أدى إلى هجرة معظم الناس من المنطقة وهى هجرة أحدثت فراغاً سكانيا كبيرا وانفلاتا امنيا نتيجة لتدهور اقتصاد الناس الأمر الذي إربك النظام السياسي وافقده القدرة على ممارسة الضبط الاجتماعي والامنى فالهجرة أحدثت ضعفاً في التضامن الاجتماعي والتعاون نتيجة لتفتت العشائر وانقسام العائلات والأسر، وإذا كان البيئيون يؤكدون على أهمية الطرق والمواصلات باعتبارها تلعب دورا مهما في التجمعات السكنية فان موقع الطينة الحالي على الحدود بين السودان وتشاد وقربها من ليبيا وارتباطها بعدة طرق محلية ودولية أدت إلى إحداث العديد من مظاهر التغير من حيث تجدد النشاط الاقتصادي التجاري وسهولة تحرك وتنقل الناس وانتقال البضائع والسلع بين عدد من الدول.

3- الهجرة.. كانت الهجرة إحدى العوامل في إحداث التغير فالهجرة أسهمت في الانتقال بمجتمع الكوبي من حياة البداوة الرعوية إلى الحياة الحضرية حياة المدينة واقتصاد السوق وقد تجلى ذلك بوضوح في النشاط التجاري والاستثماري الذي أصبح يمارسه الكوبي في منطقة الطينة وغيرها من مناطق السودان فالنشاط الاقتصادي الجديد لم يعد نشاطا يتمثل في رعى الماشية وما يمثله من تضامن وتعاون جماعي في الزراعة وفى دفع المهور وغيرها من المناشط الاقتصادية بل أصبحت المصلحة الاقتصادية هي التي تحرك الدورة الاقتصادية والتي أدت إلى انتقال معظم أفراد المجتمع من مهنة الرعي إلى مهنة التجارة خاصة في جيل الأبناء وقد نتج عن هذا الانتقال انتشار الملكية الفردية وتبلور شخصية الفرد بالنظر إلى إن الفرد كان قد تمتع بالحرية الفردية في المهجر كما إن الدور الذي كانت تلعبه العشيرة والعائلة الممتدة بدا يتقلص لصالح الأفراد والأسر وللدوافع الاقتصادية وشمل التغير نظام الزواج فلم يعد الزواج الداخلي (الاندوجامي) يقابل بالرفض والاستهجان كما كان في السابق ولم يعد المهر يمثل إحدى حالات التضامن والتعاون الاجتماعي وتنشيط الدور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، وأسهمت الهجرة أيضا في إدخال عنصر النقود على الاقتصاد المحلي للمجتمع الذي كان ينظم اقتصادياته عن طريق المقايضة فأصبح الاقتصاد يتوجه نحو السوق ومن اجل الربح المادي وهو ماادى إلى إحداث تغير في النسق ألقيمي وفى تحول مراكز الأشخاص فأصبح التجار يمثلون فئة اجتماعية وطبقية جديدة لها قيمها ومكانتها الاجتماعية فالفرد لم يعد يقاس بما يمتلكه من ماشية أو بوضعه الاجتماعي السابق بل أصبح مقياس الثروة والمكانة والتمايز الاجتماعي يقاس بما يمتلكه الفرد من نقود وسيارة أو شاحنة أو المتجر الملئ بأصناف البضائع المتعددة.، وتغير دور الثروة ووظيفتها فرأس المال النقدي لا يستخدم من اجل تنشيط الدورة الاقتصادية والاجتماعية من خلال الحصول على الزوجة بل أصبحت الثروة النقدية تستخدم من اجل المزيد من كسب الثروة وتراكمها من خلال عمليات التبادل التجاري المحلي والدولي فالنشاط الاقتصادي في منطقة الطينة توسع وأصبح رأس المال النقدي والعيني من البضائع والماشية يتحرك ويناسب بحرية مضافا إليه رأس مال جديد بواسطة عمليات التبادل الحرة والمتنوعة حيث أصبحت العملات النقدية الليبية والدولار الامريكى والفرنك الفرنسي والجنيه السوداني هي عملات التبادل والتداول التجاري، لقد حدث تقسيم للعمل وتبادل للأدوار في النشاط الااقتصادى وظهرت مهن جديدة فالرجال تركز معظم نشاطهم الانتاجى نحو الاتجاه إلى السوق حيث ممارسة التجارة واستثمار الماشية بغرض الاتجار بها والهجرة للعمل في ليبيا أما المرأة فلم تتحمل أعباء النشاط الاقتصادي ولم تعد تمثل قيمة للتبادل وأداة في الديات فقد أصبح العديد منهن يمارسن العمل التجاري ويتوجهن إلى السوق من اجل الكسب المادي وقد حقق البعض منهن استقلالا اقتصاديا كاملا وغنى ماديا كبيرا واستوعبت العمالة الوافدة معظم عمل المرأة ودورها في النشاط الاقتصادي وذلك من خلال ماتقوم به من عمل ماجور كما إن الهجرة أضافت أنماطا غذائية جديدة، لقد تغيرت علاقات الفئات الجديدة تغيراً ملحوظاً بالنظام السياسي فلم يعد التجار على علاقة اقتصادية أو تبعية بالسلطان بل أصبح ارتباطهم بمؤسسات الدولة الرسمية حيث يقومون بدفع الضرائب والعوائد مباشرة إلى الضابط الإداري في المجلس المحلي كذلك يقومون بدفع التخليص الجمركي لبضائعهم إلى ضباط الجمارك ولم يعد السلطان قدراً على توفير الأمن والحماية والاستقرار فقد حل محلة رجال الشرطة والجيش في بسط الأمن وإلقاء القبض على الجناة،وشمل التغير طبقتي العبيد والحداحيد حيث هاجر البعض منهم إلى مدن السودان الأخرى والى ليبيا ومارسوا العمل المأجور وعادوا بعد أن توفرت لهم بعض النقود ليشاركوا في النشاط الاقتصادي وبما اكتسبوه من مهن جديدة كخياطة الملابس وصناعة الشنط الحديدية فقد أصبح هذا النوع من النشاط جزءاً من نشاطهم الاقتصادي وكلها نشاطات تهدف إلى الكسب المادي وهى نشاطات حسنت من قدرتهم المالية ووفرت لهم مستوى معيشياً أفضل إلا أنهم مازالوا بعيدين عن الاندماج في مجتمع الكوبي، لقد سهلت الهجرة الاتصال والمعرفة الواسعة بالعالم الخارجي وأسهمت بدرجة كبيرة في تعميق الوعي السياسي القومي للكوبي وربطتهم بتطورات الأحداث القومية وبالتفاعل والاندماج العملي فيها وذلك من خلال تواجدهم الطويل في ليبيا ومشاركتهم الفعلية في كل النشاطات السياسية العربية واشتراكهم في المؤتمرات القومية وتأثرهم بقيم وثقافة المجتمع الجماهيري.