بسم الله الرحمن الرحيم
حذف ياء المتكلم الزائدة المتصلة بأفعال النهي
حذفت في ثمان مواضع
(حذف ياء التحول يفيد دائمًا الاستمرار)

1- تكلمون: ذكرت مرة واحدة وحذفت فيها الياء؛
في قوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ(ي) (108) المؤمنون.
هذا نهي دائم من الله عز وجل لأصحاب النار ردًا على طلبهم: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَـاـلِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـاـلِمُونَ(107) المؤمنون، فكان حذف الياء علامة أبدية خالدة لهذا النهي عن طلب الخروج من النار.

2- تكفرون: ذكرت مرة واحدة وحذفت فيها الياء؛
في قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ(ي) (152) البقرة.
هذا نهي من الله تعالى بعدم الكفر بالذي لم يخلق الإنس والجن إلا لعبادته، فكان حذف الياء علامة لهذا النهي الدائم عن الكفر.

3- تستعجلون: ذكرت مرة واحدة وحذفت فيها الياء؛
في قوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَـاـنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَـاـتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ(ي) (37) الأنبياء.
هذا نهي دائم من الله عز وجل للكافرين بعدم استعجالهم الله تعالى في إنزال العقاب بهم، فالأمر كله إليه، ولا يفعل سبحانه وتعالى إلا ما يريده هو وقت ما يشاء، قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(34) الأعراف. وفي ذلك تهديد لهم بتعجيل العذاب؛ فقد جاءت هذه الآية بين آيتين؛ فالتي قبلها بينت سخرية الكفار بالرسول صلى الله عليه وسلم من تعظيمهم لآلهتهم، وكفرهم بالله وكتابه، وهذا مما يغضب الله تعالى، ويوجب غضبه عليم وعقابه لهم؛ (وَإِذَا رَءاَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ ءاَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَـاـنِ هُمْ كَـاـفِرُونَ(36) الأنباء.
والتي جاءت بعدها يسألون فيها: متى هذا الوعد؟ استخفافًا بعذاب الله؛ قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَـاـدِقِينَ(38)الأنبياء.
والله تعالى سيريهم آياته بنصرة نبيه، وعقاب من يظل على كفره في الدنيا والآخرة، وعلى هذا كان حذف الياء لهذا النهي الدائم لأن عدم الأخذ به يعجل عقابهم ونهايتهم ، وليس لهم في ذلك أي خير.

4- تنظرون: ذكرت ثلاث مرات، وقد حذفت الياء في جميعها؛
في قوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ(ي) (195) الأعراف.
طلب الله عز وجل من رسوله أن يتحدى قومه في آلهتهم القابعة في مكانها؛ بلا قدرة على المشي، ولا البطش، ولا الإبصار، ولا السمع؛ بأن يكيدوا له، وألا يمهلوه ولا ينظروه حتى لا يأخذ حذره؛ فكان حذف الياء علامة لشدة هذا التحدي الذي لا تراجع عنه، وثقته بالذي يعتمد عليه في تحديه، لذا جاء ما بعدها مبينًا سر هذه الثقة في التحدي؛ (إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَـاـبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّـاـلِحِينَ(196) الأعراف.
ومثل ذلك كان حذف الياء في تحدي نوح عليه السلام لقومه؛ في قوله تعالى: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ(ي) (71) يونس.
ولنفس السبب كان حذف الياء في تحدي هود عليه السلام لعاد قومه؛ في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(ي) (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) هود.
وقد نصر الله عز وجل أنبياءه وعصمهم من الكفار.

5- تقربون: ذكرت مرة واحدة وحذفت فيها الياء؛
في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ(ي) (60) يوسف.
حذفت ياء تقربوني في نهي يوسف عليه السلام إخوته -الذين لم يعرفوه- أن يأتوا مصر إن لم يحضروا أخوهم معهم وجعل الإتيان به شرط لعودتهم لشراء متاعًا لهم في سنين القحط تلك التي مرت على مصر والشام في زمن يوسف عليه السلام ولما كان النهي مشروطًا لا ينتهي إلا بالوفاء بالشرط يعتبر النهي مستمرًا حتى يتم الوفاء بالشرط وإحضار أخاهم معهم في حال قدومهم.

6- تفضحون: ذكرت مرة واحدة وحذفت فيها الياء؛
في قوله تعالى: (قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ(ي) (68) الحجر.
لو قدر لقوم نوح عليه السلام الذين تعودوا فعل الفاحشة، أن يعتدوا على ضيوفه لو كانوا من البشر، وهو على ما عليه من العجز في صدهم؛ لكانت فضيحة دائمة لا شيء يغسل عارها. لذلك حذفت الياء لمعنى الاستمرار فيما ينهاهم عنه من الفضيحة التي يريدون ارتكابها، وهو لا يدري أن ضيفه هم ملائكة العذاب المرسلون لهم.

7- تخزون: ذكرت مرتان وحذفت الياء فيهما؛
في قوله تعالى: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَـاـقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ(ي) فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ(78) هود.
وهذه مثل السابقة في الخشية من خزي دائم لا يزول، كالخشية من فضيحة دائمة؛ إن فعلوا ما يريدون من الفاحشة، لذلك تم حذف الياء لمعنى الاستمرار في النهي عن فعل الفاحشة في ضيفه فيما يخزيه خزيًا دائمًا لا يمحى ولا يزول.
وفي نفس الحادثة، ونفس الخشية من خزي دائم يلتصق به ولا يفارقه فيما ينهاهم عنه؛ كان حذف الياء في قوله تعالى: (قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ(ي) (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ(ي) (69) الحجر.

8- تسألن: ذكرت مرتان؛ وحذفت الياء في أولاهما؛
في قوله تعالى: (قَالَ يَـاـنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـاـلِحٍ فَلا تَسْـءـَلْنِ(ي) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَـاـهِلِينَ(46) هود.
هذا نهي دائم من الله تعالى لنوح عليه السلام أن يسأله فيما ليس له به علم، لا يحل له لنوح عليه السلام فعله لما وصف الله تعالى فاعله بأنه من الجاهلين، فلم يرضاها الله لنبيه، ولا يرضاها الله لغيره. فلأجل ذلك كان حذف ياء تسألني في النهى عنه.
أما إثباتها ياء تسألني في قوله تعالى: (قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْـءـَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا(70) الكهف.
فلأن نهي الرجل الصالح لموسى عليه السلام عن السؤال كان نهيًا مؤقتًا؛ لقوله (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) وبعد ذلك لموسى أن يسأل ما بدا له من الأسئلة.