من الثقافة اللغوية .. ثقافة التعبيرات الثابتة

سبقنا أجدادنا إلى معاني القول وضروبه، وعبروا تعبيرات تناقلوها، فصارت أعلاما على معانيها.
وإن هذه الأعلام تمثل لنا نحن الخلف:
1- معين ثقافة لغوية.
2- مصدر معرفة بمنشئيها وبطرق أدائهم.
3- إصابة المعنى بأقل عدد من الكلمات.
4- حضور القديم ووجوده في وجداننا حماية لنا من آثار الأدب الأجنبي المترجم.
5- ....
لكل هذا ولغيره أنقل من "أدب الكاتب" لابن قتيبة - (ج 1) ما يروي العطش ويشبع الجوع في هذا الباب.
باب تأويل كلامٍ من كلامِ الناس مُستعملٍ
1- يقولون : ( حَلَبَ فُلاَنٌ الدَّهْرَ أشْطُرَه ) أي : مَرَّت عليه صُرُوفُهُ من خيره وشره ، وأصله من أخْلاَفِ الناقة ، ولها شَطْرَان : قَادِمَان وآخِرَان . فكل خِلْفَين شَطْر
2- ويقولون : ( ما بفلان طِرْق ) أي : ما به قُوّة . وأصل الطِّرْق الشحم ، فاستعير لمكان القوة ؛ لأن القوة أكثر ما تكون عنده.
3- ويقولون : ( ادْفَعُهُ إليهِ بِرُمَّته ) . وأصله أن رجلا دفع إلى رجل بعيراً بحَبْلٍ في عنقه . والرُّمَّة : الحبل البالي ، فقيل ذلك لكل مَنْ دفع شيئاً بجملته لم يحتبس منه شيئاً . يقول : ( ادْفَعه إليه برُمَّته ) أي : كُلَّهُ . وهذا المعنى أراد الأعشى في قوله للخَمَّار : فَقُلْتُ لَهُ هذِهِ هاتِهَا ... بِأَدْمَاءَ فِي حَبْلِ مُقْتَادِهَا
أي : بِعْنِي هذه الخمر بناقة برُمّتها.
4- ويقولون : ( ما به قَلَبَة ) . قال الفَرّاء : أصله من القُلاَب ، وهو داء يصيب الإبل . وزاد الأصمعي : يشتكي البعيرُ منه قَلْبَه ، فيموت من يومه . فقيل ذلك لكل سالم ليست به علة يُقَلّبُ لها ، فَيُنْظَر إليه . قال الراجز :
وَلَمْ يُقَلّبْ أرْضَهَا الْبَيْطَارُ ... وَلاَ لحبْلَيْهِ بِهَا حَبَارُ
الْحَبَارُ : الأثَرُ أي : لم يقلِّب قوائمها من علة بها
وقد كان بعضهم يقول في قولهم : ( ما به قَلَبة ) أي : ما به حَوَل ، قال أبو محمد عبد الله : هذا هو الأصل ، ثم استعير لكل سالم ليست به آفة.
5- ويقولون : ( فُلان نَسِيجُ وَحْدِه ) ، وأصله أن الثوب الرفيع النفيس لا ينسج على منوالِ غيرِه ، وإذا لم يكن نفيساً عُمِلَ على منواله سَدَى عِدَّة أثواب . فقيل ذلك لكل كريم من الرجال.
7- ويقولون : ( لَئِيمٌ رَاضِعٌ ) ، وأصله أن رجلا كان يَرْضَع الغنم والإبل ولا يحلبها ؛ لئلا يُسْمَع صوت الحَلْبَ ، فقيل ذلك لكل لئيم من الرجال إذا أرادوا توكيد لؤمه والمبَالَغَةَ في ذمه.
8- ويقولون : ( هُوَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ ) . قال ابن الكلبي : هو الْعَدْل بن جَزْء بن سَعْد العشيرة ، وكان ولي شُرْطة تُبع ، وكان تُبّع إذا أراد قَتْلَ رجلٍ دفعه إليه ، فقال الناس : ( وُضِعَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ ) . ثم قيل ذلك لكل شيء قد يُئس منه.
9- ويقولون : لمن رفع صَوْته : ( قَدْ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ ) ، وأصله أن رَجُلاً قُطِعت إحدى رِجْليه ، فرفعها ووضعها على الأخرى ، وصرخ بأعلى صوته ، فقيل لكل رافعٍ صوتَه : قد رفع عَقِيرته . والعقيرة : الساقُ المقطوعةُ .
10- ويقولون : للمرأة السيئة الخلق : ( غُلٌّ قَمِلٌ ) ، وأصله أن الغُلّ كان يكون من قِدٍّ ، وعليه شَعْر ، فيقمَل على الأسير.
11- ويقولون : : ( هُوَ ابْنُ عَمِّي لَحًّا ) أي : لاصقُ النسبِ ، من قولهم : ( لَحِحْتْ عَيْنُه ) إذا لصقت .
ويقولون : في النكرة : ( هو ابن عم لَحّ )
12 - ويقولون : ( أَرَيْته لَمْحًا بَاصرًا ) أي : نظراً بتحديقٍ شديد
، ومَخْرَجُ بَاصِرٍ مخرجُ لابنٍ وتامر ورامح ، أي : ذو تمر ولبن ورمح وبصر.
14 - ويقولون : ( بَرِحَ الخفاء ) أي : انكشف الأمر وذهب السِّتْرُ ، وبَرِحَ في معنى زال.
ويقال : صار في البَرَاح ، وهو المتَّسع من الأرض .
15 - ويقولون : ( لاَ تُبَلّمْ عليه ) أي : لا تُقَبّحْ ، وأصله من ( أبْلَمَت الناقة ) إذا ورم حَيَاؤُها من شدة الضّبَعَة.
16 - ويقولون : ( النَّاسُ أخْيَافٌ ) أي : مختلفون ، مأخوذ من الْخَيْفِ وهو أن تكون إحدى العينين من الفَرَس سَوْداء والأخرى زَرْقاء .
17 - ويقولون : ( صَدَقُوهم القتالَ ) ، وهو مأخوذ من الشيء الصَّدْق وهو الصُّلْبُ ، يقال : رمح صَدْقٌ ورجل صَدْقُ النظر وصَدْقُ اللقاء.

18 - ويقولون : ( طَعَنَهُ فقطَّرَه ) أي : ألقاه على أحدِ قُطْرَيْهِ ، والقُطْرَان : الجانبان.
19 - ويقال ( طعنه فجدّله ) أي : رمى به إلى الأرض ، ومنه يقال للأرض : ( الْجَدَالَةُ ) . قال ذلك أبو زيد وأنشد :
قَدْ أَرْكَبُ الآلَةَ بَعْدَ الآلَهْ ... وَأَتْرُكُ الْعَاجِزَ بِالْجِدَالَهْ
مُنْعَفِرًا لَيْسَتْ لَهُ مَحَالَهْ ...
20 - ويقولون : ( نَظْرَةٌ من ذي عَلَق ) أي : من ذي هَوًى قد عَلِقَ بمن يهواه قلبه .
21- ويقولون : ( بَكى الصبي حتى فَحَمَ ) بفتح الحاء ، أي : انقطع صوتُه من البكاء من قولك : ( فُلان مُفْحَم ) إذا انقطع عن الخصومة وعن قول الشعر.
22 - ويقولون : ( عمل به الفَاقِرَةَ ) وهي الداهية ، يراد أنها فاقرة للظهر أي : كاسرة لفَقَاره . يقال : ( فَقَرَتْهُمُ الفاقرة ) ( ورجل فَقِر وَفَقِيرٌ ) أي : مكسور الفَقَار ، ويقال : هو من ( فَقَرْتُ أنْفَ البعير ) إذا حززته بحديدة ، ثم وضعت على موضع الحزِّ الجريرَ وعليه وَتَر ملويٌّ لتذلَّهُ وترَوَّضه.
22 - ويقولون : ( هو ابن بَجْدَتها ) يقال : ( عنده بَجْدَة ذلك ) أي : عِلم ذلك ، ( وهو عالم ببَجْدَة أمرك ) أي : بدِخْلَتِهِ.
23 - ويقال : ( غَضِبَ واسْتَشَاط ) أي : احتدَّ وهو من ( شَاطَ يَشِيطُ ) إذا احترق كأنه الْتَهَبَ في غضبه. قال الأصمعي : هو من قولهم : ( ناقة مِشْيَاط ) وهي التي يظهر فيها السِّمَنُ سريعاً.


24 - ويقولون : ( سَكْرَانُ مَا يَبُتُّ يَبِتُّ ) أي : لا يقطع أمراً. من قولك : ( بَتتُّ الْحَبْلَ ) ( وطلّقها ثلاثاً بَتَّة ). قال الأصمعي : ولا يقال : يُبِتُّ. قال الفرّاء : هما لغتان : بَتَتُّ عليه القضاء ، وأبتَتُّه.
25- وقولهم : ( صَدَقَةُ بَتَّة بَتْلة ) من ( بَتَلْتُ ) أي : قطعتها ، يراد أنها بائنة من صاحبها مقطوعة ، لا سبيل له عليها. ومنه قيل لمريم العذراء : ( البَتُولُ ) أي : المقطوعة عن الرجال.
26 - ويقولون : ( كما تَدِينُ تُدَان ) أي : كما تَفْعَلُ يُفْعَل بك ، وكما تُجَازِي تُجَازَى. وهو من قولهم : ( دِنْتُه بما صَنَعَ ) أي : جازيته.
27- ويقولون : ( عَدَا فُلان طَوْرَه ) أي جاَوَزَ مقداره ، وهو من ( طِوَار الدار ) أي : ما كان ممتداً معها من الفِنَاء. ومنه يقال أيضاً : ( لا أطُور به ) ، أي : لا أقْرَب فِنَاءه.
28 - ويقولون : ( هو في أمْرٍ لا يُنَادَى وَلِيدُه ) ، نرى أن أصله شِدَّةٌ أصابتهم كانت المرأة تنسى وليدها وتَذْهَلُ عنه ، فلا تناديه. ثم صار مَثَلاً في كل شدة. وقال أبو عبيدة : هو أمر عظيم لا يُنَادَى فيه الصغار ، وإنما يُنَادَى فيه الْجِلَّةُ الكبار. وقال أبو العَمَيثل الأعرابيُّ : الصبيان إذا رأوا شيئاً عجيباً تحشدوا له مثل الْقَرَّاد والحاوي فلا يُنَادُوْنَ ولكن يتركون يَفْرَحُون ، والمعنى أنهم في أمر عجيب. وقال غير هؤلاء : يقال هذا في موضع الكَثْرَة والسَّعَة ، أي متى أهْوَى الوليد بيده إلى شيء لم يُزْجر عنه ، وذلك لكثرة الشيء عندهم.
29- ونحوٌ منه قولهم : ( هم في خَيْر لا يُطَيَّرُ غُرَابُه ). يقول : يقع الغراب على شيء ، فلا يُنفَّر لكثرة ما عندهم.
30 - ويقولون : ( هو جِلْفٌ ) أي : جافٍ ، وأصله من أجْلاَفِ الشاء ، وهي المسلوخة بلا رأس ولا قوائم ولا بطن.
31- ويقولون : ( لكل سَاقِطَةٍ لاَقِطَةٌ ) أي : لكل نادرة من الكلام مَنْ يحملها وَيُشِيعها.
32- ويقولون : ( حَلَفَ لَهُ بِالْغُمُوسِ ) ، وهي اليمين التي تَغْمِسُ صاحبها في الإثم.
33 - ويقولون : ( خَاسَ الْبَيْعُ وَالطّعَامُ ) ، وأصله من ( خَاسَتِ الْجِيفَةُ ) في أول ما تُرْوِح فكأنه كَسَدَ حتى فَسَدَ.

34 - ويقولون : ( أفْعَلْ ذلك عَلَى مَا خَيَّلْتَ ) أي : على ما شَبَّهْتَ ، من قولك : ( هو مَخِيلٌ للخير ) أي : خَلِيقٌ له.
35- ويقولون : ( تركته يَتَلَدَّد ) ، أي : يتلفّتُ يميناً وشمالاً. وأصله في ( اللَّدِيدَين ) ، وهما صَفْحَتَا العنق.
36 - ويقولون : ( لحمٌ سَاحٌّ ) بالتشديد ، وأصله من ( سَحَّ يَسُحُّ ) أي : صَبَّ كأنه يصبُّ الوَدَك صَبًّا.
37- ويقولون : ( كَبِرَ حتى صار كأنه قُفّة ) ، وهي الشجرة اليابسة البالية . ويقال : ( قَفَّ شَجَرُنا ) إذا يبس.