171- إِذَا نَزَا بِكَ الشَّرُّ فَاقْعُدْ بِه‏.‏

يضرب لمن يؤمر بالحلم وترك التسرّع إلى الشرّ‏.‏ ويروى ‏"‏ إذا قام بك الشر فاقعد‏"‏‏.‏

172- إيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ‏.‏

أي لا ترتكب أمراً تحتاج فيه إلى الاعتذار منه‏.‏

173- إذَا زَلّ العَالِمُ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ‏.‏

لأن للعالم تبعاً فهم به يقتدون، قال الشاعر‏:‏

إن الفقيه إذا غَوَى وأطاعه * قومٌ غَوَوْا معه فَضَاع وَضَيَّعَا

مثل السفينة إن هَوَتْ في لجة * تَغْرَقْ ويَغْرَقْ كُلُّ ما فيها مَعَا

174- أَنْتَ أعْلَمُ أَمْ مَنْ غُصَّ بِها‏.‏

الهاء للقمة‏.‏ يضرب لمن جرّب الأمور وعَرَفها‏.‏

175 إنَّهُ لَدَاهِيَةُ الغَبَرِ‏.‏

قال الكذاب الحِرْمَازِيّ‏:‏

أنْتَ لها مُنْذِرُ مِنْ بيْنِ البَشَرْ * داهية الدَّهْر وَصَمَّاء الغَبَرْ

أنْتَ لها إذا عَجَزَتْ عَنْهَا مُضَرْ‏.‏

قالوا‏:‏ الغَبَر الداهية العظيمة التي لا يهتدى لها، قلت‏:‏ وسمعت أن الغَبَر عينُ ماء بعينه تألَفُها الحيَّاتُ العظيمة المنكرة، ولذلك قال الحرمازيّ ‏"‏وصماء الغَبَرْ‏"‏ أضاف ‏[‏ص 45‏]‏ الصماء إلى الغَبَر المعروفة، وأصل الغبر الفساد، ومنه العِرْقُ الغَبِر، وهو الذي لا يزال ينتقض، فصماء الغبر بلية لا تكاد تنقضي وتذهب كالعرق الغبر‏.‏

176- إلاَّ دَهٍ فَلاَ دَهٍ‏.‏

روى ابن الأعرابي ‏"‏ إلاَّ دَهْ فلا دَهْ‏"‏ ساكن الهاء، ويروى أيضاً ‏"‏إلا دِهِ فلا دِهِ‏"‏ أي إن لم تعط الاثنين لا تعط العشرة، قال أبو عبيد‏:‏ يضربه الرجل يقول أريد كذا وكذا، فإن قيل له‏:‏ ليس يمكن ذا، قال‏:‏ فكذا وكذا، وقال الأصمعيّ‏:‏ معناه إن لم يكن هذا الآن فلا يكون بعد الآن، وقال‏:‏ لا أدري ما أصله، قال رؤبة *وَقُوّل إلاَّ دَهِ فَلا دَهِ* قال المنذري‏:‏ قالوا معناه إلا هذه فلا هذه، يعني أن الأصل إلا ذه فلا ذه - بالذال المعجمة - فعربت بالدال غير المعجمة، كما قالوا‏:‏ يَهُوذا، ثم عرب فقيل‏:‏ يَهُودا، وقيل‏:‏ أصله إلا دهي أي إن لم تضرب، فأدخل التنوين فسقط الياء، قال رؤبة‏:‏

فاليومَ قد نَهْنَهَنِي مُنَهْنِهِي * وَأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ

وَقُوَّلٌ إلاَّ دهِ فَلاَ ده * وحَقَّةٌ لَيْسَتْ بقول التُّرَّهِ

يقول‏:‏ زَجَرني زواجر العقل ورجوعُ حلم ليس يُنْسب إلى السَّفَه وقُوّل، أي ورجوع قُوَّل يقلن‏:‏ إن لم تتب الآن مع هذه الدواعي لا تَتُبْ أبداً وقَوْلة حَقَّة، أي وقَالَة حقة، يقال‏:‏ حَقٌّ وحَقة كما يقال‏:‏ أهْلٌ وأهْلَة، يريد الموتَ وقربه‏.‏

روى هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن عَقيل عن أبي طالب قال‏:‏ كان عبد المطلب بن هاشم نديماً لحرْبِ بن أمَيَّة حتى تنافَرَا إلى نُفَيل بن عبد العُزَّى جدّ عمر بن الخطاب، فأنفر عبدَ المطلب فتفرقا، ومات عبد المطلب وهو ابن عشرين ومائة سنة، ومات قبل الفِجَار في الحرب التي بين هَوَضازن، ويقال‏:‏ بل تَنَافرا إلى غزى سلمة الكاهن، قالوا‏:‏ كان لعبد المطلب ماء بالطائف يقال له ذو الهرم، فجاء الثَّقَفِيُّون فاحتفروه، فخاصمهم عبد المطلب إلى غزىّ أو إلى نُفَيْل فخرج عبد المطلب مع ابنه الحارث، وليس له يومئذ غيره، وخرج الثقفيون مع صاحبهم، وحَرْبُ بن أمية معهم على عبد المطلب، فنفِدَ ماءُ عبد المطلب، فطلب إليهم أن يَسْقوه فأبوا، فبلغ العَطَشُ منه كل مبلغ، وأشرف على الهلاك، فبينا عند المطلب يثُير بَعيره ليركب إذ فَجَّرَ الله له عَيْناً من تحت جِرَانِه، فحمِدَ الله، وعلم أن ذلك منه، فشرب وشرب أصحابه رِيَّهُمْ، وتزوَّدُوا منه حاجتهم، ونَفِدَ ماء الثقفيين ‏[‏ص 46‏]‏ فطلبوا إلى عبد المطلب أن يَسْقيهم، فأنعم عليهم، فقال له ابنه الحارث‏:‏ لأنحيَنّ على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقال عبد المطلب‏:‏ لأسقينَّهم فلا تفعل ذلك بنفسك، فسقاهم، ثم انطلقوا حتى أتوا الكاهن وقد خَبَؤُا له رأسَ جرادة في خَرَزَة مَزَادة، وجعلوه في قِلادة كلبٍ لهم يقال له سَوّار، فلما أتوا الكاهنَ إذا هم ببقرتين تَسُوقان بينهما بَخْرَجاً ‏(‏البخرج - بزنة جعفر - ولد البقرة‏)‏ كلتاهما تزعم أنه ولدها، ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر أحد البَخْرَجَيْنِ، فهما تَرْأمان الباقي، فلما وقَفَتَا بين يديه قال الكاهن‏:‏ هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال الكاهن‏:‏ ذهَبَ به ذو جسد أربد، وشدق مرمع، وناب معلق، ما للصغرى في ولد الكبرى حق، فقضى به للكبرى، ثم قال‏:‏ ما حاجتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ قد خَبأْنا لك خَبْأً فأنبئنا عنه ثم نخبرك بحاجتنا، قال‏:‏ خبأتم لي شيئاً طار فَسطَع، فتصوَّب فوقع، في الأرض منه بُقَع، فقالوا‏:‏ لاده، أي بينه، قال‏:‏ هو شيء طار فاستطار، ذو ذَنَب جرار، وساق كالمنشار، ورأس كالمسمار، فقالوا‏:‏ لاده، قال‏:‏ إن لاده فلا ده، هو رأس جرادة، في خرز مَزَادة، في عنق سوّار ذي القلادة، قالوا‏:‏ صدقت فأخبرنا فيما اختصمنا إليك فأخبرهم، وانتسبوا له، فقضى بينهم ورجعوا إلى منازلهم على حكمه‏.‏

- إِذا كانَ لَكَ أَكْثَرِي فَتَجافَ ليِ عَنْ أَيْسَرِي‏.‏

يضرب للذي فيه أخلاق تُسْتَحْسن وتَبْدُر منه أحياناً سَقْطة‏:‏ أي احتمل من الصديق الذي تحمده في كثير من الأمور سيئةً يأتي بها في الأوقات مرة واحدة‏.‏

178- أَنا غَرِيرُك مِنْ هذَا الأمْرِ‏.‏

أي أنا عالم به فاغْتَرَّنِي، أي سَلْنِي عنه على غرة أخبرك به من غير استعداد له، وقال الأصمعي‏:‏ معناه أنك لست بمغرور من جهتي، لكن أنا المغرور، وذلك أنه بلغني خبر كان باطلاً فأخبرتك به، ولم يكن ذاك على ما قلت لك‏.‏

179- أَنا مِنْهُ فالِجُ بْنُ خَلاَوَةَ‏.‏

أي أنا منه بريء، وذلك أن فالج بن خلاوة الأشجعي قيل له يوم الرقم لما قتل أنيس الأسْرَى‏:‏ أتنصر أنيساً‏؟‏ فقال‏:‏ أنا منه بريء، فصار مثلا لكل مَنْ كان بمعزِلٍ عن أمر، وإن كان في الأصل اسْماً لذلك الرجل‏.‏ ‏[‏ص 47‏]‏

180- أَنْتَ تَئِقٌ، وَأَنا مَئِقٌ، فَمَتَى نَتَّفِقُ‏؟‏

قال أبو عبيد‏:‏ التَّئِقُ السريعُ إلى الشر، والمئِق‏:‏ السريعُ إلى البكاء، وقال الأصمعي‏:‏ هو الحديد يعني التئق، قال الشاعر يصف كلباً‏:‏

أصْمَع الكَعْبين مَهْضُوم الْحَشَا * سرطم اللَّحْيَيْن معاج تَئِقْ

والمَأَق بالتحريك‏:‏ شبيه الفُوَاق يأخذ الإنسان عند البكاء والنَّشِيج، كأنه نَفَس يقلعه من صدره‏:‏ وقد مَئِقَ مأقا‏.‏ والتَّأق‏:‏ الامتلاء من الغضب‏.‏ يضرب للمختلفين أخلاقا‏.‏

الموضوع الأصلي: مجمع الامثال 18 || الكاتب: رياض الفراشات ||