خصا ئص الحروف العربية ومعانيها .. حسن عباس - 1

وما زال الأخ العزيز "وليد محمد" يتحفنا بوارداته "النتية" التي تثري المنتدى.

الباب الثاني معاني الحروف العربية على واقع المعاجم اللغوية :
الفصل الأول الحاسة اللمسية وحروفها‏ تضم الحساسية الجلدية أربعة إحساسات رئيسة هي:‏ الإحساس بالتماس والضغط ، والإحساس بالألم ، والبرودة، والسخونة.‏ ففي كل سنتمتر مربع من بشرة الانسان يوجد أربعة أنواع من النقاط اللمسية. كل نوع يستجيب لواحد من الاحساسات الرئيسة الأربعة . ويستطيع التيار الكهربائي أن يثير في كل نوع من هذه النقاط الإحساس الخاص به.‏ فأطراف الأصابع وطرف اللسان، هما أكثر المناطق الجلدية وفرة بالنقاط اللمسية وبانتقال أطراف الأصابع على الأجسام يتحول الاحساس بالتماس إلى إحساس بالخشونة أو الملاسة، أو الدغدغة السطحية.كما يمكن اختبار شكل الشيء ومعرفة زواياه وأضلاعه واتجاهاته بالنسبة لبعضها بعضاً بواسطة حاسة اللمس. وبضغط أطراف الأصابع على الأجسام يحصل الإحساس بالصلابة والليونة والرطوبة والجفاف..‏ الحروف اللمسية :‏ هي أبسط الحروف العربية وأقلها تعقيداً.وهي :‏ التاء-الثاء-الذال-الدال -الكاف-الميم.‏ ا-حرف التاء‏ مهموس انفجاري شديد. يقول عنه العلايلي: إنه (للاضطراب في الطبيعة الملامس لها بلاشدة). تعريف قاصر. ويقول عنه ابن سينا: (إن صوته يسمع عن قرع الكف بالإصبع قرعاً بقوة)‏ وعلى الرغم مما أسند إلى هذا الحرف من الشدة والانفجار وما وصف بالقرع بقوة، فإن صوته المتماسك المرن يوحى بملمس بين الطراوة والليونة، كأنّ الأنامل تجسّ وسادة من قطن. أو كأنّ القدم الحافية تطأ أرضاً من الرمل الجاف . ونظراً للفارق الصوتي بين موحيات (التاء والثاء) قالوا: التراب (للجاف)، والثرى (للتراب) الندي.‏ وهكذا صنفت حرف (التاء) في زمرة الحروف اللمسية، لأن صوته يوحي فعلاً بإحساس لمسي مزيج من الطراوة والليونة ، ولأنه لايوحي بأي إحساس آخر أو بأية مشاعر إنسانية . وهذا يتفق مع قول العلايلي من حيث حصر اختصاصه بملامس الطبيعة بلا شدّة.‏ فهل يستطيع هذا الحرف التأثير في معاني المصادر التي تبدأ به، بما يوحي من طراوة وليونة وفقاً لخصائصه الصوتية؟. وهل ستلتزم معاني هذه المصادر بطبقته الهرمية اللمسية؟.‏ إذن فلنحتكم إلى المعاجم اللغوية.‏ ولكن قبل الدخول في دنيا المعاجم اللغوية، لابدلي من ابداء ملاحظتين اثنتين.‏ الأولى:‏ لما كانت (عين) الفعل الثلاثي تحرك بالفتحة في أغلب الحالات فإنني سأكتفي بتشكيلها في حالتي (الضم والكسر) فقط. ولذلك فإن (عين ) الفعل الثلاثي المسيبّة بلا تشكيل يجب قراءتها (بالفتحة) حرصاً على تطابق معانيه مع الغرض المقصود من وضعه. فثمت أفعال ثلاثية تقبل (عينها) أكثر من حركة واحدة، قد تتغير معانيها بحسب حركة (عينها)، وقد تتعاكس أحياناً، كما في لفَت الشيء (لواه) ولفِت الرجل (حمق). وأصل الشيء (استقصى بحثه حتى عرف أصله)، وأصُل النسب (شرُف)، وأصِل اللحم (فسد).. أما الأفعال والاسماء التي ترد في سياق الشرح فإني لم التزم بتشكيلها، وإن كنت اقوم بذلك أحياناً حرصاً على ضبط النطق بها، وتوضيحاً للمعاني الحقيقية للأمثلة المضروبة.‏ الثانية :‏ لقد سبق أن عرضت في الحرف العربي والشخصية العربية (ص 129) وما بعدها عن تأثير تحريك عين الفعل الثلاثي في معانيه تحت عنوان (حركات الشكل و(عين ) الفعل الثلاثي ). وقد خلصت إلى النتائج التالية:‏ 1-الثلاثي المضموم (العين) يدل على الفعالية الذاتية، وهو لازم اطلاقاً (كرُم، أدُب).‏ 2-الثلاثي المكسور (العين) يدل على (حالة ذاتية). وهو لازم في معظم الأحيان (حزِن سوِد..) وأما عندما يكون متعدياً فإن الحدث يتجه نحو الذات، كما في (لهِم-لقِم-عشِق...)‏ 3-أما الثلاثي المفتوح (العين) فكثيراً مايكون متعدياً: (ضرَب، سكن..)، ولازما أحياناً: (جنَح).‏ فحبذا لويعود القارئ إلى ذلك البحث الموسّع للاطلاع على دقائق هذه الملابسات في تحريك (عين ) الفعل الثلاثي وذلك لمعرفة علاقة هذه الحركات بمعاني أحرف (ا.و.ي) المخففة عنها، وكذلك للتثبت أيضاً من صحتها على واقع المعاجم اللغوية في الفصول القادمة. إنها لفرصة ثمينة كيما يطلع القارئ على مدى مابلغه العربي من فائق الحساسية بمعرض تعامله مع حركات الشكل، وكيما يكتشف أيضاً خطأ المعاجم في تحريك (عين) الفعل الثلاثي المتعدي بالكسرة بلا مبرر.‏ وللقارئ أن يعتمد ماسيرد في الأبواب والفصول القادمة حركات الشكل المثبتة سواء في الأمثلة المضروبة أو الشروح، ولكن شريطة أن يأخذ بحسبانه إمكانية تحريك (عين) الفعل الثلاثي بأكثر من حركة شكل وفقاً للمعاني المقصودة.‏ 1-فماذا عن معاني التاء؟.‏ بالرجوع إلى المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة، عثرت على مئة مصدر جذر تبدأ بالتاء مما هو غير مولد أو معرب أو دخيل أو محدث أو عامي.... كان منها ثمانية عشر مصدراً تدل معانيها على الرقة والضعف والتفاهة، بما يحاكي الرقة والضعف في صوت التاء. منها:‏ تبتب (شاخ). التّبن (القش اليابس). تخّ العجين (لان واسترخى). التراب. ترف النبات (كثر ماؤه ونضر). تره (وقع في الترهات). تفتف (اتسخ بعد نظافة).التّفّ (*** الظفر). تِفه (قلّ وخسّ وحقر). تكّ الرجل (حمق). التّلب (الخسار) تلف (هلك). تاع الجمد (ذاب وسال). تام الحب فلانا (استعبده وذهب بعقله).‏ وكان منها ستة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الشدة والغلظة والقساوة والقوّة بما يتجافى مع موحيات الرقة والضعف في صوت التاء.منها:‏ تبّ الشيء (انقطع) . تَبِر(هلك) . تَبرَ الشيء (كسره) تبل فلانا (ثأر منه). تُرِز لحمه (صلُب وغلُظ). تُرِص الشيء (احكِم وضبِط). التّعل (حرارة الحلق الهائجة). تغر (انفجر). تِفئ (احتد وغضب). تفنه (طرده). تلتل (سار شديداً). تازتيزا (غلُظ واشتد).‏ وكان منها ثلاثة مصادر للشميات المستكرهة.هي:‏ تمِه اللحم (فسد ريحه). تنتلت البيضة (فسدت). تهِم اللبن (تغير وأنتن).‏ وكان منها خمسة مصادر للبصريات، مما يدل على الامتلاء والارتفاع. هي:‏ تَئِقَ الوعاء (امتلأ) . تَرِعَ الاناء(امتلأ). تلِع الرجل (طال عنقه). تمَك السنّام (طال وارتفع وامتلأ). التيهور (موج البحر المرتفع).‏ وكان خمسة للأصوات. هي:‏ تأتأ (كرّر التاء إذا تكلم ). تختخ (انبهم كلامه للكنة). تغتغ المتكلم (لم يسمع كلامه لسقوط أسنانه) .تهته (ردّد في كلامه ته ته). تِسْ تِسْ (زجرٌ للتيس).‏ وكان منها خمسة مصادر للمشاعر الإنسانية:‏ ترِح (حزِن). تلِه(ذهب عقله من هم، أو خوف أو عشق). تاق توقاً(اشتاق إليه، نزع). تاه تيها(تكبر) . تفِئ (احتدّ وغضب).‏ لقد اقتصرت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بالخصائص الصوتية لهذا الحرف، من ضعف ورقة وتفاهة على (38%) فقط. كما أن نسبة المصادر التي تجاوزت طبقته اللمسية قد بلغت (12%) مما يقطع بأن حرف التاء ضعيف الشخصية. وهذا ماهيأ الفرص للحروف الأخرى، كيما تتسلط بخصائصها الصوتية على معاني المصادر التي تبدأ به، فبلغت نسبة المصادر التي تدل على الشدة والقوة والقسوة ، بما يتعارض مع خصائصه الصوتية 26%.‏ ولكن ماذا عن حرف (التاء) في المصادر التي تنتهي به؟.‏ بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على سبعة وتسعين مصدراً تنتهي بحرف التاء. كان منها ثلاثة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الضعف والرقة والتفاهة. منها:‏ بلِت (انقطع عن الكلام حياء). خبت ذكره(خفي). ختّ (خسّ وردؤ) . سكت. الشخت(الضامر خلقة). صمت. قلِت فلان (فسد وقلّ لحمه). قنت (أطاع الله).الفتات (ماتكسّر من الشيء وتناثر). لتّ السويق (بلّه بشيء من الماء). نات (تمايل لضعف أو نعاس). هبَت (لان واسترخى) . الوتاوت (الوساوس).‏ مع الإشارة إلى أن معاني هذه المصادر قد تأثرت في الأعم الأغلّب بخصائص أصوات الحروف المشاركة الأخرى، كما سنرى عند دراسة خصائص أصواتها. وأذكر منها على سبيل المثال أحرف (خ.ف.ن.هـ).‏ كما كان منها واحد وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الشدة والقساوة والغلظة' مما يتجافى مع خصائص صوت (التاء) ويتوافق مع خصائص أصوات الحروف القوية المشاركة، منها:‏ بتّ الشيء (قطعه). بغته (فجأه). زمته (خنقه) . سمت الشيء (استأصله) خرت الشيء (شقّه وثقبه) . صلت فلانا بالسيف (ضربه به) . عفته (لواه، كسره من غير تفريق للأجزاء). قرِت الدم (يبس). نحته (قشره). هرت الشيء (شقّه ليوسعه). وحت الشيء (ضغطه، داسه شديداً)‏ وكان منها ستة مصادر للأصوات .هي:‏ أنت أنيتا(أنّ أنينا). صات (صاح) . نهت االقرد (صاح). كتّت القدر (صوّتت عند الغليان) . هوّت به وهيّت به (صاح به).‏ وكان منها أربعة مصادر للمشاعر الإنسانية . هي:‏ بهته (أدهشه). مقته(أبغضه). شمت به (فرح بمكروه أصابه) محته (ملأه غضباً).‏ وهكذا كان حرف (التاء) في نهاية المصادر من حيث تأثيره في معانيها، أو من حيث التزامه بطبقته الحسية أضعف منه في أول المصادر. مما يقطع بأنه من الحروف الضعيفة الشخصية، إذ اقتصر تأثيره على تلطيف معاني بعض المصادر المطبوعة أصلاً بخصائص أصوات الحروف المشاركة الأخرى