وداع القرن
بقلم: إبراهيم اليازجي[/align]

من تأمَّل كرور الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، ورأى الثواني تجر الأيام، والأيام تجر الأعوام، والناس يذهبون بين ذلك أفواجا، ويمرُّون فرادى وأزواجاً، ورأى أن هذه الحركة التي نرى بها الشمس تطلع من المشرق، ثم نراها تغيب في المغرب، يتخلّلها من حركات دقائق الكون ما يُمثِّل دبيب عوامل الفناء، حتى يًرد كل منظور إلى عالم الهباء؛ وقف حائراً دهِشا، يتأمّل في الكائنات وفي نفسه، وقد اختلط عليه الوجود بالعدم، حتى كاد يتهم شواهد حسه. ثم نظر فتمثّل وراءه ماضياً تغيب أوائله في ظلمات الأزل، وأمامه آتياً تتصل أواخره بحواشي الأبد، وهو بينهما كنفّاخة قذفها التيّار فوق أديم البحر، فما كاد يقع عليها ضوء الشمس، حتى عادت إليه فغاصت فيه آخر الدهر، فملكه من الرهب ما ارتعشت له أعضاؤه، ومن الإشفاق ما جمدت له دماؤه؛ ثم تمنّى لو تخلّص من هذا الوجود المشوه، وأيقن أن الكون ضرب من الزور المموّه، إنما هي صور تتبدّل، وأشكال تتحوّل، وهي المادة إلى أن تنحلّ الأرض، وينتثر نظام السيارات والأقمار، وتتبدّد ذرّات الشمس في الفضاء، فيمّحي رسمها من صحيفة الأدهار.
ودّعنا القرن التاسع عشر، كما يودِّع المرءُ يومه عند انقضائه، وقد تذكّر ما لقي بين صباحه ومسائه، وما تقلّب عليْه بين حاليْ كَدَرِهِ وصفائه. ثمّ استشفّ ـ من خلال يومه المقبل ـ وميضَ صباح الغد، باسماً عن ثغور الآمال، مبشِّراً بما فاته في يومه من الغبطة ونعمة البال، فبات يَعِد نفسه المواعيد، ويرى كلَّ بعيد من الأوطار أقربَ إليه من حبلِ الوريد. وقد ذُهِل أكثرُنا عن أنه يُودِّع شطراً من دهره، وقد يكون من بعضنا أطيب شطريْ عمره، فإذا التفت إلى خلفه، رأى خيال نشأته وشبابه، وتمثَّلت له أوقات لذته ومجالس أترابه، والصفحة التي ارتسم عليها تأريخ ميلاده، ودُوِّن فيها تذكار أبهج أعياده، فحنَّ إلى أيامه السوابق حنين المحب المفارق، وقد حيل بينه وبينها، وطُويت عليها صفحة الفناء، وخُتِم عليها بطابع الأبد، فهي هناك إلى يوم اللقاء.
نحن اليوم بين فصلين من مُصحف تأريخ الدهور، وقد قرأنا الأول حرفاً حرفاً، واستقريْنا ما فيه من السطور، والثاني مطويٌّ عنّا، نشتغل بهجاء الحرف الأول من عنوانه، ولا ندري ما خطّ فيه قلم الغيب، من غرائب حدثانه، فندع التكهُّن عليه لخرّاصي السياسة، وأصحاب الجفر والكواكب، ونعود إلى تصفُّح ما مر بنا من صحف القرن الذّاهب، وما سُطِّر فيها من البدائع والغرائب؛ فلا جرْم أنه كان من أعظم القرون آثاراً، وأجلَّها شأناً وأسرفها تذكاراً. بل القرن الذي لم يمر بالأرض مثله، من يوم تحرَّكت على محورها فنشأ الليل والنهار، ومنذ دارت حول الشمس فتتابعت السنون والأعصار، فهو على الحقيقة بكرُ الزمن، وإن كان آخر ما مرَّ بنا من أعقابه، ومُجدِّد شباب الدهر بعد الهرم. لا بل هو عين شبابه، ففيه أخذت الدنيا كمال زخارفها، وبرزت الحضارة في أبهى مطارفها، وانتشر العلم في الأرض انتشار نور النهار، فانبسطت أشعته على كلِّ قصيٍّ من الأقطار، وتجلّى به كل مكنون من الحقائق والآثارـ وأصبح الإنسانُ خِدْنَ الطبيعة، وقد حسرت له من نِقابها، وألقت إليهِ مقاليدَ جوِّها وتُرابِها، بل استسْلمت إليه بجملتها حتى كان من أربابها، فبرز في حدٍّ جديد غير ما عرّفه به حكماء الدهر السابق. وأدرك بسطةً من العرفان، يضيقُ بها نطاق تعريفه بالحيوان الناطق، فهو اليوم الحيوان المكتشف المخترع، المتفنن المبتدع، الطيّار على مناكب الهواء، الماشي على صفحات الماء، الذي زوى أطراف الأرض فهي بين يديْه قيْد ميلٍ أو شبْر، وطوى مسافاتها حتى كأنما يُسافر فيها على أجنحة الفكر، وقبض على عنان البرق فجعله رسول خواطره، يُسيِّره في البلاد، وساح بين الكواكب فأدرك حركاتها وطبائعها وقاسَ ما بيْنَها من الأبْعاد، وخلق لنفسه حواسَّ لم تكنْ مما عهده أسلافه من قبل، فأبصر من الخفايا ما لا تُذكر في جنبه مدارج النمل، وسمع من الأصوات ما لا يُقاس بخفائه صوتُ الكُحل، بل خرق الحجب ببصره فتخلّل ما بين دقائق الأجسام، واستبطن الضلوع والأحشاء، وسافر بين الجلود والعظام، بل تسلّل إلى باطن الدماغ، فاسترق السمع على ما يتناجى هناك من الخواطر والأوهام.
هذا هو إنسان القرن التاسع عشر، وما ذكرنا من صفته إلا مبلغ ما يتناوله الرمز ويسعه الإيماء، ولو شئنا الإفاضة في أيسر تلك المعاني، لكان غاية ما ننتهي إليه العجز والإعياء، فما عسى أن نعدد من تلك العجائب الباهرات، مما لو وُجِد أقله في الزمن الغابر لاعتقد ضرباً من السحر، أو انتُحلت به الكرامات والمعجزات. وحسبك من يُلقِّن الجماد فينطق لا كما نطق الببغاء، ومن يُسمعك كلام الغابرين فتعرفُه بنغمته وقائلُهُ في قبضة الفناء، ومن يُريك الهواء ماءً سائلاً، ثم يُريكه جمداً معقوداً، ومن يُسخِّر السحاب فيمطر في معمعان القيظ ماءاً بروداً، ويصرفه متى شاء فيبدِّد ما فيه من الصواعق تبديداً، إلى غير ذلك مما يطول الكلامُ في استقصائه، ويضيق هذا المقامُ عن إحصائه.
وهنا قد يعرض للمتأمل أن ينظر، أين كان موضع كل أمة من القرن التاسع عشر، وما الذي اكتسب الشرقيُّ فيه من المآثر، وما خلّف فيه من الأثر. فلا جرْمَ أن أهل القرن الواحد، وإن شاع بينهم فتنازعوا أيّامَه على السواء، وكانت عناصر الحياة مقتسَمة بينهم على غير أثرة ولا استثناء، فهيهات أن تستوي نسبةُ كل منهم إليه، فيقفوا فيه مواقف الأكفاء. وإنما الذي يتساوون فيه شمسُه وهواؤه، وتربته وماؤه، وبقي وراء ذلك فضل المدارك والهمم، والأعمال التي تتفاوت بها طبقات الأمم، وتتفاضل باعتبارها الأقدار والقيم. فإذا كان القرن التاسع عشر هو الذي نشأت فيه تلك العظائم، وأقام للحضارة هذا البناء الرفيع الدعائم؛ فهو من القرون التي ليس فيها للشرق ذكر يؤثر، ولا أثر يُذكر، ولا خرج الشرقي منه إلا بما احتُقب من ظلمات العصور الغوابر، وازداد عليه ما لحقه هذا العصر من الذل والمفاقر. فلا اختطّ لنفسه سبيلاً يبلغ به إلى مواطن الفلاح، ولا أقام له عزا يعصمه من تطاول الطامع والمجتاح، فضلاً عن أن يُنشئ لنفسه فخراً يُدوَّن في صحيفة الأحقاب، أو أثراً يرفع من بصر الذراري والأعقاب. ولكنَّ عصر الشرقي، إن نشط للجري في سبيل الأمم الراقية، والحصول على المجد الصّاعد والمفاخر الباقية.
هذا هو القرنُ الذي ابتدأناه عن أمم، إذا جعل رائده إلى ذلك صادق الهمم، ولم يتّكل في بلوغه على الأقدار والقسم. والله المسؤول أن يهدي خطواتنا إلى أقوم سبيل، بفضله تعالى وتسديده، إنه بالنجاح كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــ
*المصدر: نقلاً من كتاب "المنتخب من أدب المقالة" للدكتورين كمال اليازجي، وإميل المعلوف، دار العلم للملايين، د.ت. ، ص ص55-58.