وعلى مستوى اللغة، فهي لغة واضحة وسهلة ولينة ومهذبة بالبيان القرآني والنبوي تأبى الإغراب والغموض والإبهام، وتتخذ أبعادا تراثية وتاريخية ودينية، أي أنها لغة تناصية بكل معاني الكلمة ومكثفة بالإحالات المرجعية التاريخية والسياسية والإنسانية والأدبية، كما أنها حبلى بالملامح الرمزية القابلة للفهم والاكتشاف والتأويل. وهذا يعني أنها لغة موحية ومعبرة وانزياحية انزياحا مقبولا ومعقولا بعيدا عن هلوسات الحداثة وخرق الإبهام وتغر يبات الشعر الأدونيسي، وتمتاز اللغة كذلك بعفتها وسموها الأخلاقي وطهارتها الدينية بعيدا عن ألفاظ الجنس والعهارة والإباحة والكفر والتمادي في البوح بالمجون و الانحلال الخلقي والتغزل المادي الإباحي، ولا تخرج الحقول الدينية كذلك عن مراجع دلالية معينة كالدين والسياسة والاجتماع والتاريخ والطبيعة والتصوف والأدب والذات والموضوع...

وإذا انتقلنا إلى التركيب، فإننا نجد الشاعر الإسلامي يزاوج بين الجمل الاسمية التقريرية الدالة على الثبات والتأكيد والجمل الفعلية الدالة على الحركة والتوتر الدينامكي والدرامي، وهذا يدل على مدى تأرجح الشاعر بين ثنائية الألم والأمل، والشر والخير، والتشاؤم والتفاؤل، كما يلاحظ أن الصياغة التركيبية للنصوص الشعرية تحاكي الصياغة القرآنية أو النبوية أو المنقبية الصوفية أو السرد الحكائي اقتباسا وتضمينا.
وتمتاز الصورة الشعرية لدى الشعراء الإسلاميين بالوضوح الدلالي والمقصدي، واعتمادها على المتخيل الديني والمرجع التناصي وإسلامية الرسالة، كما ترتكز هذه الصورة على الانزياح والخرق والرمز بكل أنماطه، وخاصة الرمز الديني والصوفي والتاريخي والطبيعي لتجسيد صراع الذات والموضوع، والخير والشر، والإيمان والكفر، ويبتعد هؤلاء الشعراء عن استخدام الأساطير الوثنية معوضين ذلك بالرمز ووضوح المعنى والدال، و مركزين كذلك على الصورة النفسية والشعورية والذهنية دون نسيان جوانبها الجمالية والفنية، ويحضر التضمين أو الاقتباس باعتباره محسنا بديعيا مهيمنا في القصيدة الإسلامية المعاصرة إلى جانب الطباق والمقابلة.
وتداوليا، ينوع الشاعر الإسلامي ضمائره الخطابية، إذ يوظف ضمير المتكلم للتعبير عن الذات، وضمير الخطاب للحديث عن الموضوع المرجعي، وضمير الغياب للإحالة عن غياب الإنسان أو الموضوع، ويعني كل هذا أن الشاعر الإسلامي يستعمل الالتفات بكثرة وذلك بالانتقال من الذات نحو الآخر، ومن المحلي إلى الوطني، ومن العربي والإسلامي إلى الإنساني.
ويتضح مما سبق، أن القصيدة الإسلامية لهي قصيدة ملتزمة بالدين الإسلامي والهدي النبوي، وأنها قصيدة ذات تصور إسلامي للإنسان والكون والله، وأنها دفاع عن الهوية الحضارية والدينية والعقيدة الإسلامية، وهي ذات نزعة روحية وصوفية وثورية تستهدف تغيير الإنسان من الأسوإ إلى الأحسن عبر الحل الإسلامي، وتنطلق هذه القصيدة كذلك من الذات نحو الموضوع في إطار خطاب شعري جمالي وفني يعتمد على التناص والتضمين واللغة المهذبة دينيا والإيقاع المنساب بالشاعرية والصدق والحقيقة والعاطفة النبيلة والصورة الشعرية السامية.
..........
هوامش الدراسة:
..........................
1- د. مصطفى الشكعة: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية- كتاب الشعر – دار الكتاب اللبناني بيروت، ط1، 1973، ص:105؛
2- العربي بن جلون: جدال وسجال، ص: 64؛
3- العربي بن جلون: ( حوار مع محمد علي الرباوي)، جدال و سجال، ص:64؛
4- د. عبد الباسط بدر: مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، دار المنارة، جدة، ط1، 1986، ص:46؛
5- محمد حسن أبريغش: الأدب الإسلامي: أصوله وسماته، دار البشير، عمان، ط1، 1992، ص:108؛
6- أحمد عبد اللطيف الجدع وحسين أدهم جرار: شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، الجزء الأول، ص:9؛
7- عمر الملاحي:تجليات الوعي في القصيدة الإسلامية المعاصرة، رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب، وجدة، المغرب، تحت إشراف الدكتور حسن الأمراني، السنة الجامعية1999-2000، ص:24؛
8 د. محمد علي الهاشمي: ( من عيون الأدب الإسلامي –دراسة في شعر محمد مفلح)، مجلة الأدب الإسلامي، السنة2، العدد6، شوال 1415هـ؛
9- محمود مفلح: ديوان" إنها الصحوة...إنها الصحوة"، دار الوفاء، مصر، ط1، 1988، ص:8؛
10- محمود مفلح: نفسه، صص:9-11؛
11- أحمد مطر: ديوان" إنني المشنوق أعلاه" قصيدة ما بعد النهاية، ط1، لندن، 1989، ص:38؛
12- حسن الأمراني: ( أوراق مهربة من زمن الحصار)، ديوان الزمان الجديد، دار الآمان، ط1، 1988، ص: 171؛
13- حسن الأمراني: نفسه، ص: 90؛
14- مصطفى محمد الغماري: ديوان" حديث الشمس والذاكرة"، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص. ص:17-18؛
15- مصطفى محمد الغماري: نفسه، ص:78؛
16- انظر سليم زنجير:مجلة الأمة، عدد26، السنة الثالثة، صفر1403؛
17- أدونيس: أبجدية ثانية، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، ط1، 1994، ص:27؛
18 - أنظر د. محمد حسن أبريغش: الأدب الإسلامي: أصوله وسماته، دار البشير، عمان، ط1، 1986، ص.ص:141-142؛
19- صابر عبد الدايم: مجلة الأدب الإسلامي، المجلد الخامس، العدد العشرون، 1419هـ؛
20- د. حسن الأمراني كاملية إلى المستضعفين في الأرض)، مجلة الأمة، العدد:62، صفر 1406، ص: 16؛
21- د. حسن الأمراني: ( كاملية إلى المستضعفين في الأرض)، مجلة الأمة، ص:19-20.