(1) شجرة الأدب في الشرقية
الجذور .. الساق .. الأوراق
( فرع أدب الطفولة أنموذجاً )

بقلم: أ.د. أحمد زلط
....................

• مدخل :
لا يمكننا استشراف الرؤى المستقبلية للأدب في إقليم الشرقية ، دونما سبر أغوار الواقع الأدبي في اتجاهاته أو إشكالياته الحاضرة ، وذلك بعد رصد ملامح تكوينه انطلاقاً من جذوره ، وتحاول سطور البحث في تكثيف ملحوظ ـ الغوص في مكونات واقعه بهدف استشراف آفاق مستقبله ، ومن ثم أجتهد في تقديم محاولة راصدة للواقع الثقافي بعامة والأدبي بخاصة في محافظة الشرقية ... وهي محاولة أشبه بالمغامرة ؛ لأننا مازلنا نصدر أحكامنا الانطباعية على العمل الإبداعي والثقافي الذي يشذ عن قاعدة ـ مصر القاهرة ـ بأنه إقليمي وتجريبي و... هذه الأحكام الظالمة للمظاليم في الأقاليم لا تستند إلى أسس علمية ؛ لأنها تستعير من قاموس الرياضة الدوري الممتاز ودوري المظاليم ؟!. (1)
• الجــذور :
أما مُحددات مسار حركة الأدب في الشرقية ، فقد انطلقت مع بداية وزمن مقاومة الاحتلال أو نمو الوعي القومي في النصف الأول من القرن العشرين ، حيث قدمت الشرقية للوطن الأم بعض الرواد الأعلام في ميادين السياسة والفكر والاقتصاد والأدب والصحافة والعلم ، ممن عبدوا الطريق وأسهموا في منظومة التنوير الفكري والإبداع الأدبي في مصر ، ومن بين هؤلاء الرواد : أحمد عرابي ، طلعت حرب ، الدسوقى أباظة ، عزيز أباظة ، د. محمد مندور ، فكري أباظة ، هاشم الرفاعي ، أحمد مخيمر ، ثروت أباظة ، د.يوسف إدريس ، د. محمد العلائي ، د. غنيمي هلال ، صلاح عبد الصبور ، مرسي جميل عزيز ، محمد زكي عبد القادر ، محمد الهراوى ، فاروق منيب، عبد العزيز السعدني ، الشيخ محمد السنهوتي ، الشيخ محمود أبو هاشم وغيرهم. وقد تواصل الدور التجديدي والإبداعي مع نخبة من الشباب وقتذاك لهؤلاء الرواد فالتقت بعضهم أمثال : د. عبد الرحمن ميتكيس ، محمد الهلاوى ، أحمد الشافعي ، لطفي جادو ، د. أحمد هيكل ، د.محمد أبو الأنوار، ود. عبد الحكيم راضى، محمد عبد الواحد حجازي، وغيرهم.. وفي خط مواز لمجهود الجيل الذي ذكرناه آنفاً ، والذي تلي جيل الرواد قامت أول حركة تجمع أدبي من رواد الأدب في الإقليم في أعقاب حرب 1956 م ، من أدباء مدينة الزقازيق وما حولها ، ونستطيع أن نؤرخ لميلاد تلك الحركة زمنياً بميلاد جمعية الوعي القومي لرعاية الفنون والآداب في منتصف الخمسينيات ـ قبل إنشاء مديرية الثقافة ومراكزها بالمحافظة ـ فكانت تلك الجمعية منبراً لإنشاد الشعر وإقامة الندوات الثقافية والفنية ، ثم ذابت برجالها في أنشطة الثقافة الجماهيرية والمسرح المدرسي ، ومن أبرز رجال تلك الجمعية الرائدة الشاعر المرحوم محمد السنهوتي والشاعر محمد الصادق سعود ، والمرحوم الشاعر عبد العزيز عفارة ، والشاعر محمد الهلاوى ، والأديب المرحوم د. عبدالرحمن ميتكيس .. وغيرهم (2) ممن شكلوا مع الرواد جذور شجرة الأدب في الشرقية، وانتهت مرحلة الجذور مع مؤتمر أدباء مصر الذي عقد في الشرقية عام 1969 م.
***
• الـســــــاق :
وقد أسهمت مجلة " صوت الشرقية " منذ عام 1963م في نشر إبداع الأدباء الجدد في الشعر والقصة والمقالة والأغنية والرسوم الفنية أمثال : عبد المنعم سليم ، عنتر مخيمر ، فخري فايد ، عاطف مكي ، عبد الرحمن نور الدين ، سعيد الكيلاني ، د. أحمد والي،محمد حسن الشرقاوي ، محمد الهلاوى ، صلاح محمد على ، بدر بدير وغيرهم ، ومع مطلع السبعينيات كانت الساق ـ ساق شجرة الأدب الشرقاوي ـ قد استطالت واستوت على سوقها بإسهامات تلك الكوكبة مع مناخ المبدعين الشباب ـ وقتذاك ـ من مثل : أحمد رءوف الشافعي ، سليمان غريب ، عصمت مهدى – حسين على محمد ، صابر عبد الدايم، صلاح والي ، احمد هاشم ، محمد عبد السلام إبراهيم ، محمد عبد الواحد حجازي ، محمد سعد بيومي ، وكاتب البحث مع مزامينه أمثال : محمد سيلم بهلول ، يوسف الخضري ، عدلي فرج مصطفى ، عادل يني ، بهي الدين عوض ، محمد سليم الدسوقي ، نبيه الصعيدي ، فريد طه ، د. محمود عبد الحفيظ ، يوسف أبو ريه ، مأمون كامل ، د. محمد الغرباوى ، ود.عبد السلام سلام .. وغيرهم.
وقد شهد ربع القرن الأخير من القرن الماضي نقلة حضرية مهمة في الإقليم؛ إذ اكتمل للشرقية جامعة كبرى هي جامعة الزقازيق بكلياتها المتنوعة التي تضم زهاء مائة ألف طالب وطالبة مع كليات فرع الجامعة الأزهرية بالزقازيق ، ثم بروز أدوار روافد أخرى لمؤسسات المجتمع الثقافية أمثال : أدوار أندية الأدوب وفروعها بالعاصمة ومراكز المحافظة، والنادي الأدبي للشباب والرياضة ، واللقاء الأدبي الأسبوعي بمركز أعلام جنوب الزقازيق، ونشاط الأدب في قطاع المؤسسة الثقافية العمالية ونادي الشرقية ونادي الروتاري ، والجمعيات الأدبية والفنية ، والدوريات الإعلامية المحلية ( مجلات وصحف) وغيرها . وقد أسهم كل ذلك في بناء قاعدة لا يستهان بها من المتعلمين والمثقفين والعلميين وجمهور الأدب ، وكان من الطبيعي أن تفرز هذه النهضة عن كشف مواهب جديدة في ميدان الأدب والفن وغيرها ، كان من المنطقي أيضا أن تتشكل حول هذه الروافد التي أشرنا إليها حركة الأدب المعاصر في الشرقية (3) في ضوء ما عرضناه ، اتسعت قاعدة الأدب ، وتنوعت روافدها ، مما يمكن أن نطلق عليه مرحلة الأوراق ـ الثمار ـ امتداداً لمرحلتي الجذور والساق الآنفتين.
• الأوراق والثمار :
وليس من شك أن أغلب الأصوات المبدعة للمرحلة المعاصرة الأخيرة تحلق بلا تواصل مع من سبقها ! ، فهم ثمرة لمعطيات الذات ( الأنا الإبداعية ) معجونة بمثيرات النظام الكوكبي الثقافي القومي والعالمي . لا جرم أنهم أكثر عدداً ، ومن بينهم من جمع بين الإبداع والبحث والنقد ، ومنهم أيضاً من يوظف موهبته صوب منافذ الضوء المركزية فحسب !، بينما المطلوب من أغلب هؤلاء التواصل والإغراق المحليين.
إنني استشرف في نهاية توثيق مسار الواقع الأدبي في الشرقية، الواعدة في رسوخ النجومية الفنية لنفر غير قليل من هؤلاء أمثال : محمد الهادي ، د.عزت جاد ، فؤاد مغنم ، أحمد النحال ، نبيل يوسف ، يوسف شهير ، أحمد خاطر ، ميرال الطحاوى ، ليلى العربي ، مجدي جعفر، ، د. كارم عزيز ، إبراهيم عطية ، أميمه عز الدين ، عبد الله مهدي ، أحمد عبده ، العربي عبد الوهاب ، محمد جاهين بدوي ، سامي ناصف ، محمد السيسي ، د. وائل محمد ، د. إسلام عليوه ، داليا أحمد حسن ، هادي سلام وغيرهم .
***
تلكم هي الملامح الوثائقية الأساسية وليست الحصر الكامل للمبدعين للأدب أو لدارسيه ونقاده في الشرقية ، ولكننا في نهاية الأمر لا نستطيع إغفال أدوار لبعض الطارئين على الإقليم بداية بالشاعر المرحوم طاهر أبو فاشا ، والعالم الإمام محمد متولي الشعراوي ، ود. محمد عبد المنعم خفاجي في الأدب على أرض الشرقية ، في الالتفاف حولهم من الشباب يوم كانوا يدرسون بمعهد الزقازيق الديني طوال الثلث الأول من القرن العشرين، وقد أفاد منهم عبد العزيز السعدني ، ومحمد السنهوتي ، وعبد الرحمن ميتكيس ، وهاشم الرفاعي .. وغيرهم .
أيضاً هناك إسهامات ملحوظة في الآونة المعاصرة للناقد د. أحمد يوسف على ، والناقد د. مدحت الجيار ، والباحث د.صلاح السروي ، ود. محمد سلامه ، ود. على مطاوع ، ومن الشباب د. محمد غنيم ، وتعليب .. وغيرهم في تفعيل النقد في التجمعات الأدبية المعاصرة والتي تنتظم ما ذكرناهم مع نظراء لهم لا يسع البحث لحصرهم .
بقيت العلامات الفارقة في مسيرة الواقع الأدبي في الشرقية مع مطلع السبعينيات وهي تواصل الجهود الفردية التطوعية ، جماعة " أصوات معاصرة " في نشر مئات الأعمال الأدبية بإشراف الشاعر د. حسين على محمد لأدباء الشرقية والمحافظات وبعض البلدان العربية ولا تزال منتظمة في الإصدار بتمويل فردي ، وإشراف تطوعي ..أيضاً الآثار الملحوظة لجماعات أدبية مثل : " إبداع " و " رع " و " أحمد عرابي " في تنظيم الندوات والدورات والمهرجانات وطبع المجلات والكتب غير الدورية ، وللأستاذ إبراهيم الدمرداش ، وكاتب البحث ، والشاعر أحمد النحال بصماتهم في هذا الشأن .
وكان للصالونات الأدبية دورها الملحوظ والمؤثر في الرأي العام ، وأشهرها "صالون عرابي" الذي أداره المرحوم الفنان صلاح مرعي عام 1981 م ، ثم نجح "صالون د. صابر عبدالدايم " في فتح آفاق متميزة بين الأدباء من تيارات وأجيال مختلفة ، وحاول تواصل ذلك الدور صالون " د. السيد الديب " .. أيضاً كانت مهرجانات الشعر في كلية اللغة ومهرجانات كليات جامعة الزقازيق ، كان لهم جميعاً على امتداد ثلث قرن الفضل في اكتشاف أصوات جديدة من المبدعين والباحثين ، والمأمول التنسيق بين تلكم الجهود وإحداث الإخاء والتواصل بينها جميعاً .
***
في ضوء ذلكم المناخ ألفينا عشرات النماذج الإبداعية من الشرقية ، لها نتاجها الملحوظ طوال قرن مضى ، في الشعر ، والمسرح ، والرواية ، والقصة ، والقصة القصيرة ، والمقال ، وأشعار العامية ، والأغاني ( مرسي جميل عزيز ، محمد الهلاوى ، صلاح محمد على نموذجاً محلياً قومياً لذلك ) وغيرها من أنواع .
ولما كانت دراستنا الموجزة ـ بتكليف من أمانة المؤتمر ـ تقف عن ملمحين ، أولهما التأريخ الفني والزمني للأدب في الإقليم ، أما الثاني فيدور حول إسهام أدباء الإقليم في مجال أدب الطفولة ، وهو الملح الذي نتناوله فيما بقى من صفحات .
إن الأدباء الذين كتبوا لمرحلة الطفولة من إقليم الشرقية منذ عقد العشرينيات والى وقتنا الحاضر ، هي أسماء قليلة ، واستهلها رائد شعر الطفولة في مصر والعالم العربي محمد الهراوى ( 1885م – 1939م ) ، ومن بعده كتب النشيد والحكايات والأشعار للأطفال الأدباء محمد عبد المنعم العربي ، محمد السنهوتي ، عنتر مخيمر ، حسين على محمد ، عصمت مهدي ، صابر عبدالدايم ، أميمة عزالدين (*) ويمكن إضافة اسم كاتب البحث كأول (شرقاوي ) مصري عربي يتخصص في الأدب العربي (دراسات أدب الطفل ونقده في أطروحته للدكتوراه ) من كلية الآداب جامعة الزقازيق .
***
الموضوع الأصلي: شجرة الأدب في الشرقية || الكاتب: رياض الفراشات ||