دفق قلم: الأدب والالتزام

بقلم: د. عبد الرحمن صالح العشماوي
...........................................

د. عبد القدوس أبو صالح، أديب ذو مكانة في عالم الأدب واقتدار، وذو رؤية واعية للأدب وأجناسه المختلفة، ودوره في حياة البشر، وله مع نصوص الأدب قديمها وحديثها صولات وجولات تذوّقاً ونقداً ودراسة يعرفها كل من تتلمذ على يديه، ودخل معه من بوابة الأدب الكبيرة إلى رياضه الغنّاء وبساتينه الفيحاء.
وهو الآن رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية خلفا للشيخ أبي الحسن الندوي - رحمه الله - التي أصبح مكتبها الرئيسي في الرياض منذ رئاسة الدكتور عبد القدوس لها.
تحدث د. عبد القدوس عن الأدب بين الالتزام والإلزام في مقال طويل نشر في عدد الخميس من مجلة الأدب الإسلامي الصادر ما بين ربيع الأول وجمادى الأول لعام 1427هـ، وهو مقال حافل بالآراء المتزنة المنبثقة من تصور صحيح لدور الأدب في حياة الأمم، ولمعنى كلمة (الالتزام) في الأدب، والفرق الكبير بينها وبين الإلزام، وأورد آراء عدد غير قليل من الأدباء والنقاد والشعراء في العالم قديماً وحديثاً عرباً وغير عرب، ونقل عددا من التعريفات لكلمة (الالتزام) ولمصطلح (الالتزام الأدبي) موضحا الرأي الموضوعي في هذه المسألة التي ما يزال دعاة (الفن للفن) أو (الأدبية الخالصة) أو (حرية الأدب المطلقة) يرفضونها جملة وتفصيلا ولا يقبلون الأدب إلا جامحاً شاطحاً غير منضبط بضوابط دين أو خلق.
وإذا كان منهج الأدب الإسلامي الذي يرأس د. عبد القدوس - وفقه الله - رابطته العالمية يقوم على (الالتزام الواعي) فإن الدكتور جدير بأن يحلّي هذه المسألة بأدلتها وشواهدها وموضوعيتها في أذهان كثير من شبابنا الذين يتلقون عبر الملاحق الثقافية (الحداثية) ثقافة أدبية متغربة، تعادي (الالتزام الأدبي) بحجة الحرص على فنية الأدب، ويتلقون تلك الثقافة نفسها في قاعات المحاضرات في بعض كليات الآداب في بعض الجامعات، ولأن د. عبد القدوس متخصص في دراسة الأدب ونقده، وأستاذ للأدب على مدى سنوات طوال في الجامعات، فإن تناوله لهذه المسألة مقيد لكل من يبحث عن الحقيقة في موضوع (الأدب والدين) من الشباب.
لقد أورد الدكتور في مقاله آراء واضحة في مسألة الالتزام الأدبي لعدد من الأدباء المشاهير عربيا وغربيا مثل (ت.س. إليوت، والشاعر والناقد الأمريكي ألن تيت، ونورمان مالر، وتسيفن سبندر، وتولو ستوي، ود. عبد الرحمن رأفت الباشا، ود. طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأحمد أمين، ومحمود تيمور، ود. شوقي ضيف، ود. مصطفى هدَّارة)، وهي آراء قائمة في مجملها على تصور سليم لدور الأدب في الحياة، وبيان خطورة عبثية الأدب، والنظر إلى فنيته فقط دون أفكاره ومضامينه، ومن أمثلة ذلك قول الروائي الأمريكي (نورمان مالر): إن الالتزام هو طوق النجاة في خضم القيم المتصادمة في عالم اليوم صداما أفضى إلى الفوضى.
وقد أورد د. عبد القدوس في مقاله الضافي آراء بعض دعاة الفن للفن الذين يرفضون أن يكون لأي نص أدبي بُعدٌ خلقي أو اجتماعي، وأوضح جوانب الخلل المتفق عليها عند معظم أدباء ومفكري العالم في تلك الآراء الداعية إلى (فوضى الأدب) على حد قول نورمان مالر.
إن ساحتنا الأدبية في عالمنا العربي بحاجة ماسة إلى حضور أدبي مكثف لأمثال أستاذنا القدير د. عبد القدوس حتى يضعوا معالم واضحة يستدل بها عشاق الأدب من الأجيال الحديثة حتى لا يخطئوا الطريق.
إشارة
وهزِّي نخلة الإيمان حتى .:. تساقط فوقنا رُطب اليقينِ
.........................................
* الجزيرة ـ في 16/4/2006م.

الموضوع الأصلي: دفق قلم: الأدب والالتزام || الكاتب: رياض الفراشات ||