جزيرة الكنز - مسرحية ذات فصل واحد

تظل الوظيفة في هذا العصر هي الكنز الذي نحلم بالوصول إليه والحصول عليه ، هذه محاولة متواضعة للوصول إلى ذلك الكنز .
المنظر : في خلفية المسرح تعلو لوحة كبيرة تظهر للنظارة بوضوح وقد كتب عليها ( مكتب جزيرة الكنز ... للوظائف الجاهزة ) تحت اللوحة مباشرة يظهر مكتب المدير وقد انتظمت عليه عدد من المعاملات والأوراق وأجهزة الهاتف ، وأمام المكتب رصت عدد من الكراسي في نظام وبينهم طاولة مستطيلة زينتها مزهرية مجففة وفي ركن المكتب مباشرة شماعة عتيقة ، وبجوارها نافذة كبيرة تطل على الخارج .
المشهد : أصوات ضوضاء ... وجلبة خارج المسرح ... يدخل العامل ( العم عثمان ) وهو يلهث ويضع يده على صدره :
العم عثمان : أستغفر الله .. وكأنه الحشر .. البلاد كلها تتكدس في الخارج .. عجيب .
( خارج المسرح تزداد الضوضاء والجلبة وأصوات ارتطام )
العم عثمان : الناس سيقتحمون المكتب .. لابد من مكافحة الشغب .. سأتصل حالاً (يمسك بالتلفون)
( يدخل مدير المكتب – الأستاذ : عادل – وهو يحمل حقيبته ويجر عبائته خلفه وقد تلثم بشماغه )
العم عثمان ( وهو يتأمل الأستاذ عادل ) : أستاذ عادل ! .. عجيب من الذي فعل بك كل هذا ؟
عادل : سؤال سخيف حقاً .. ألم يفعلوا بك مثلي أيها العجوز ؟
العم عثمان : أووه .. إنهم المتكدسون في الخارج .. عجيب .. هل رأيت الحشر ؟
عادل : لا .. طبعاً .
العم عثمان : ولا أنا .. ما الذي حل بالناس ؟ البلاد كلها عاطلة عن العمل ! هذه كارثة .
عادل : هؤلاء المساكين .. جاءوا بحثاً عن الكنز الذي أعلناه لهم .. وصدقوه !
العم عثمان : صدقوه ! .. وهل تكذب عليهم يا سيدي ؟
عادل : لا شأن لك .. هيا احضر لي كوباً من الشاي .. حتى نبدأ اللعب .
عثمان : عجيب .. وكيف تلعب وهؤلاء المساكين ينتظرونك منذ الصباح .
عادل ( في غضب ) : أووه .. قلت لك هيا انصرف .
العم عثمان : عفواً .. إسمي عثمان وممنوع من الصرف ( يخرج ) .
عادل : العجوز الأحمق ( يستوي على مكتبه ويبدأ يقلب في أوراقه ) .
( يدخل العم عثمان وهو يحمل الشاي ويضعه على مكتب المدير )
العم عثمان : يبدو أن الزحام في الخارج والداخل أيضاً .
عادل : لا شأن لك أيها العجوز .
( يرن هاتف المكتب فيرد العم عثمان )
العم عثمان : نعم .. هنا مكتب جزيرة الكنز للملابس الجاهزة .. أ .. أ .. أقصد للوضائف الجاهزة .
( يخطف عادل منه السماعة ويتولى الرد )
عادل : عفواً .. عفواً ياسيدي .. هنا مكتب جزيرة الكنز للوظائف الجاهزة .. ويسعدنا خدمةالشباب
.. نحن نعلم بمأساتكم .. ماذا ؟ تحملون الشهادة الجامعية وبعضكم يحمل الثانوية .. ولم تحصلوا على عمل حتى الآن .. أعوذ بالله عطالة منذ خمس سنوات .. ومازلتم على قيد الحياة .. حسناً حسناً نحن في انتظاركم .. مع السلامة ( يضع السماعة ) .
العم عثمان : لا حول ولا قوة إلا بالله .. مساكين هؤلاء الشباب .. مساكين .
عادل ( للعم عثمان ) : إسمع أيها العجوز .. إنني أحذرك من الرد على المكالمات .. أتسمع ؟
العم عثمان : أسمع جيداً والحمدلله .. جوارحنا حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر .
عادل : إذن أصمت لو سمحت .. ( ينظر في ساعته ) .. لقد تأخر سكرتير المكتب هذا .
العم عثمان : عسى المانع خيراً إن شاء الله .
( يدخل سكرتير المكتب من النافذة محدثاً جلبة )
عادل : من هذا ؟ من هناك ؟
العم عثمان : لابد أنهم الناس بدأو يقتحمون المكتب .. وفي هذه الحالة لابد من استدعاء الشرطة .. جوالك يا سيدي حتى أتصل بالشرطة .
السكرتير : السلام عليكم .. لا تخافا أنا عصام .
العم عثمان : وعليكم السلام ما هذا يا عصام ؟ وأتوا البيوت من أبوابها .. عجيب .
عصام : المعذرة يا جماعة لم أجد وسيلة إلا هذه .. لقد سد الناس جميع الأبواب .
العم عثمان : المساكين .. يطمعون في كنزكم الموعود .
عادل ( في حنق ظاهر ) : هيا اخرج أيها العجوز من هنا .. هيا اخرج .
العم عثمان : لا بأس .. ولكن على الباقي تدور الدوائر ( يخرج ) .
عادل : أووه .. سأقتل هذا العجوز يوماً ما .
عصام : دعك منه يا سيدي .. تعال وانظر .
( يأخذه إلى النافذة ليطلا على الناس الذين ترتفع أصواتهم ويعلو ضجيجهم )
عادل : يا الله .. ما كل هؤلاء ؟ لقد ازداد العدد .
عصام : أرأيت يا سيدي ؟ .. لقد فعلت الدعاية والإعلام فعلهما في الناس .
عادل : إذا ماذا تنتظر أيها الأحمق ؟ هيا أدخلهم علي حالاً .. ولكن تأكد من دفع الأتعاب .
عصام : حالاً .. حالاً .. يا سيدي ( يخرج ) .
( يصلح المدير من هندامه ويرتب أوراقه وفجأة يدخل مجموعة من الشباب خلفهم عصام )
عصام : قلت لكم عودوا .. عودوا .. الدخلو بنظام .. بنظام يا شباب .
الأول : السلام عليكم .
عادل : وعليكم .. نعم من أنتم .. ( لعصام ) .. من هؤلاء يا عصام ؟
عصام : هؤلاء يا سـ ..
الثاني ( مقاطعاً ) : نحن الذين هاتفناك يا سيدي .. نحن الذين قلت لهم أنا أعلم بمأساتكم .. وفي خدمتكم .
الثالث : نحن من يحمل الشهادات الجامعية والثانوية ومازلنا على رصيف الحياة .
الرابع : أتعني ماذا يعني رصيف الحياة يا سيدي .. يعني أن تعيش على هامش الدنيا .. عالة على مجتمعك .
الأول : أصدقاؤنا .. ملوا منا .. حتى أهلونا أيضاً .. لقد قال لي أبي يوماً : يا ولدي لقد أنفقت عليك صغيراً ولا يمكنني الإنفاق عليك الآن .. إخوانك بحاجة إلى المال .
عادل : أووه .. نحن لسنا مبرة خيرية .
الأول : ولكنكم أعلنتم عن الكنز الذي نبحث عنه منذ سنوات .
عادل : وأي كنز ؟
الجميع : الوظيفة .
الأول : .. أرجوك يا سيدي .. ساعدنا .. لقد مللنا من البحث .. مللنا من كل شيء .. كل شيء .
الثاني : الجميع يتظاهرون بمساعدتنا .. يصرحون في الصحف يتحدثون في المجالس .. لكنهم يضعون العقبات والحواجز أمامنا .
الثالث : الخبرة .. اللغة .. الشهادات .. الدورات .. لبن العصفور .
عادل : كفوا عن هذا الكلام .. بإمكانكم أن تعرضوا مأساتكم على أبواب المساجد .. ستجدون هناك من يعطيكم .
الرابع : حتى أنت يا سيدي تسخر من واقعنا .
الأول : حتى أنت تتاجر بمأساتنا .
عادل : المعذرة يا شباب .. هذا مكتب خدمات .. من يدفع يخدم .
الثاني : ومن لم يجد ما يدفع .
عادل : فليعد إلى رصيف الحياة .
( ضوضاء وجلبة في الخارج .. وصافرات الشرطة )
عادل : ماهذا ما الذي يحدث في الخارج ؟
عصام ( وقد استطلع الأمر ) : يا ويلي .. الشرطة قادمة يا سيدي .
عادل : أصمت أيها الجبان .
( يدخل خمسة من الجنود شاكوا السلاح يتقدمهم ضابط وفي الخلف يظهر العم عثمان )
الضابط : لقد وقعت أخيراً يا أستاذ حمد .
عادل ( في خوف ) : عـ .. عـ .. عمن تتحدث يا سيدي الضابط .
الضابط : عن المحتال العالمي الأستاذ حمد سابقاً وعادل حالياً .
عادل : هـ .. هـ .. هذه إهانة .. هل عندكم إذن بالمداهمة .
الضابط : أراك ستعلمنا واجبنا .. لقد وقعت وانتهى كل شيء أيها المحتال .
عادل : محتال ! .. ها .. ها .. ( يضحك ) وهل تسمي مساعدة الناس والبحث لهم عن وظائف إحتيال .. ما الذي فعلته أنت لهؤلاء الشباب .. ما الذي قدمته لكل هؤلاء العاطلين .. الذين يفترشون الأرض ويتكدسون على بابي .. ما الذي فعلته لهم ؟
الضابط : كف عن التلاعب بمشاعر الناس .. أنت لا تساعدهم أنت تتاجر بمعاناتهم .. ترسم لهم الأحلام الوردية وتمنيهم السراب الضائع .
عادل : أنا ..
الضابط : نعم أنت وأمثالك .. أنتم الذين صنعتم هذه المأساة .. لولا الله ثم هذا العم الطيب لما وصلنا إليكما .. أيها المحتالان الماكران .
عصام : أ .. أ .. الذنب ذنبه يا سيدي .. أنا مجرد عامل مسكين .
عادل : مسكين أيها السكين .. أولست أنت العقل المدبر لكل شيء ؟
الضابط : أصمتا الآن هيا أيها الجنود خذوهما إلى السجن ( يخرج الجميع ) .
الأول ( كالذاهل ) : ما الذي يحدث هنا ؟ هل تلاشى الحلم ؟ هل اختفى الكنز ؟
الثاني : لقد كان هذا المجرم يحتال علينا وعلى العشرات من أمثالنا .
الثالث : والوظيفة .. والكنز .. ؟
الرابع : لقد ضاع كل شيء .. كل شيء .
الثاني ( متأملاً ) : لا .. لا .. لم نفقد الأمل .. لقد وجدت الكنز يا شباب .. وجدت الكنز .
الجميع : وجدت الكنز !
الأول : وأين هو ؟
الثالث : دلنا عليه ؟
الثاني : إنه هنا ( يشير إلى أيديهم ) .. في أيدينا ثمة كنز نجهله .. في قلوبنا عزيمة قوية .. وفي أيدينا سواعد فتية .. هي كل ما نحتاجه لإستخراج الكنز .
الرابع : وماذا تقصد ؟
الثاني : سنعمل في كل شيء ( يدور على زملائه ) .. سنعمل في المخابز .. والمطاعم .. وسنزرع في المزارع .. سنمتهن كل شيء .. إن من يملك مهنة لا يمكن أن يموت من الجوع أبداً .
الثالث : نحن !!!
الرابع : نعم نحن الشباب .. بلادنا من سيديرها إلا نحن .. أنظروا خلفكم .
( تطفأ الإنارة .. وتظهر صور لعدد من المصانع والمزارع والمشاريع في بلادنا )
الرابع : أرأيتم هذه المصانع .. والمزارع .. من سيديرها إلا نحن .. من لها إلا أنا وأنتم يا شباب .
الجميع : إذاً ماذا تنتظر هيا بنا .
الرابع : هيا

( تطفأ الإنارة )
ستارة