واإسلاماه - قراءة أخرى - بقلم : د . خليل أبو ذياب

قراءة في مجموعة مسرحيات بعنوان: "وا إ ســـلا مــاه!"
بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب

ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
بين يدي القارئ العزيز مجموعة من المشاهد المسرحية التقطها كاتب مسرحي يبشر بموهبة متميزة لكتابة المسرحية ، وقدرة فائقة على التعامل مع هذا الفن وتوزيع الحوار على الشخوص في إطار العمل المسرحي ، فضلا عن إتقان الحبكة وتصعيد الحدث وتطويره لبلوغ الذروة أو العقدة ومن ثم لحظة التنوير المناسبة ..
وعلى الرغم من سيطرة جزئية الحدث ومحدودية الفكرة في هذه المشاهد ، فإنها تكشف عن قدرة الكاتب على بناء المسرحية المتعددة الفصول والمشاهد عندما يتوافر لديه الموضوع المناسب، ويعد له المخطط الدقيق،ويتقن توزيع الحدث على شخوصه.
وقارئ هذه المجموعة من المشاهد المسرحية يحس مهارة الكاتب وتفوقه في التقاط قضاياه الفكرية وتوفيقه في عرضها وطرحها للقارئ الذي يحس اشتراكا فكريا وتعاطفا وجدانيا معه فيها لتوحدهما في معاناتها.كما أنه حرص على الطرح المباشر لها بعيدا عن الإغراب أو الغموض والرمز التزاما برسالة المسرح الشعبي الواقعي الذي يحمل رسالة ويدعو إليها ، ويسعى ليكسب أنصارا لها .. ومن هنا جاءت عناية الكاتب بتصوير الواقع العربي والإسلامي في أغلب مشاهده المسرحية حيث استأثرت بثمانية مشاهد من مشاهدها العشرة ، ولم يفلت منها إلا مشهدان ، أحدهما تناول قضية " صكوك الغفران " التي حرصت الكنيسة على الاتجار بها في القرون الوسطى وترويج بيعها للمذنبين من النصارى .. والآخر رصد حركة الاستعمار الأمريكي الحديث والرغبة في توسيع نطاقه ليشمل الكوكب الأحمر / المريخ الذي وجهت له بعض الأقمار الفضائية لدراسته من مختلف الجوانب التي نخدم سياسة التوسع والسيطرة التي تتبناها أمريكا ، وتحقق المصالح الأمريكية الحديثة ..
أما مشكلات الواقع العربي والإسلامي فتدور حول ثلاثة محاور أساسية : المحور العربي ؛ وقد عالجه أو طرحه في خمسة مشاهد : حكاية أبي منقاش الذي اتهم بإسقاط طائرة الأباتشي الأمريكية في العراق .. والكاتب يرصد القضية من زاويتين أو مرحلتين : مرحلة الحكم العراقي قبل السقوط وتمجيد هذا العمل الفردي وإغداق الهدايا على البطل الفلاح .. ثم مرحلة سقوط هذا الحكم ودخول العلوج بغداد وسيطرة الأجنبي وبداية محاكمة أبي منقاش الذي أنكر ما نسب إليه وأكد أنه محض ادعاء كاذب لا أساس له من الحقيقة مؤكدا أنه لم يسقط إلا حدأة .. ويطلب منه الاعتراف بهذا وإعلانه فيفعل .. وهكذا تتحول الأباتشي في عهد الحكم المحلي إلى حدأة في عهد الحكم الأجنبي الأمريكي في زمن القهر العراقي وسقوط كل شيء ..
وفي المشهد أو الحدث الثالث " حدث في بلاد الأٌقدام " يطرح الكاتب قضية مهمة من قضايا الواقع العربي المنهار تدور حول التطبيع مع العدو الصهيوني في زمن الاستسلام من خلال إقامة مباراة ودية في كرة القدم بين فريق وطني عربي وفر يق لأبناء العم اليهود .. ويتم الاتفاق على أن تقام المباراة على أرضهم .. وبدأت الاستعدادات للقاء المرتقب ، ثم تأزمت المواقف بفعل وسائل الإعلام وما نقلت من أخبار وتهديدات .. كما سخر بيت المال لتحقيق النصر على العدو/ ابن العم في لعبة الأقدام .. ولم يمض طويل وقت حتى نقل خبر الهزيمة إلى الوالي العربي بسبب ممارسات جمهور العدو في الملعب .. ويدعو الوالي إلى إعلان الحرب على أبناء العم مبررا لها بما حدث في حرب البسوس بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب بسبب ناقة.. وتبدأ الاستعدادات لخوض المعركة ..
وقد انطوت المسرحية على كثير من اللقطات الساخرة التي تجسد مهزلة التطبيعه في هذا الزمن الرديء ..
وفي المسرحية الخامسة " سيدي الرئيس " يطرح الكاتب مشكلة الحكم أو الصراع على الكراسي بين الطامعين الذين يقدم لهم الكاتب" دعوة للمصالحة فقط" ومعروف أن مشكلة الحكم أو الصراع على الكراسي من أهم ما يميز السياسة العربية القديمة والمعاصرة على السواء .. ويبدو أن الكرسي يمتاز بسحر عجيب يجعل الجالس عليه لا يفكر أو لا يستطيع التفكير في النزول عنه إلا على جثته .. ولا يملك إلا أن يرتل له نشيد الخلود أو نشيد الإنشاد : " حبيبي أيها الكرسي .. حبيبي .. وستبقى لي أبدا " وعليه أن يثبته بالضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه بالتطلع إليه أو التفكير فيه فضلا عن المساس به .. بيد أن الذي يلفت النظر هنا تبنّي الوزير موقف الناصح الموجّه للرئيس ليلتفت إلى الشعب الذي يحتاج إليه الرئيس..ومثل هذا لموقف غريب على السياسة المعاصرة .. ويبدو أن الكاتب أراد للوزير أن يلعب دور الناصح الرشيد للرئيس في لعبة الحكم أو الكراسي ، وإن أظهره شريكا للرئيس في النهاية المحتومة آملا أن يغسل موته على ارض الوطن شيئا من ذنوبه .. ويرسم للرئيس صورة متعددة الجوانب أو الوجوه ، فهو الرئيس وهو الشعب وهو الغني وهو الفقير وهو الشاعر الذي يمجد الكرسي .. ثم يلتفت في النهاية إلى انتهاء دور الرئيس واختيار أنصاره لرئيس آخر لأداء دور آخر ..
وهكذا جاءت لعبة الكراسي أو الصراع على الحكم دعوة مفتوحة للمصالحة بين الطامحين والطامعين في الحكم عسى أن يجدوا وسيلة أسلم للصراع على الكرسي تهدف إلى تحرير نفوسهم من عبادة هذا الكرسي اللعين ..
وتأتي المسرحية العاشرة لتجسد لوحة أخرى من لوحات الانهيار للواقع العربي من خلال الصراع بين العربستان والغربستان .. ومنذ البداية يحدد الكاتب مواصفات كل منطقة منهما : العرب ومجلس الوالي والمسجد الجامع وبعض الأسواق وسور مضروب يفصل بين العربستان والغربستان حيث مجلس الحاكم والكنائس وبعض المصانع التي تعمل على توفير الصناعات اللازمة للعربستان .. ولا ينسى الكاتب التنبيه إلى بعض الأساليب التي تستخدم لسرقة أموال الشعب عبر الفواتير المزورة وكذلك انشغال الجند بسرقة حوانيت الناس ، وتسخير بيت المال للإنفاق الخاص للوالي .. ويلتفت إلى تدخل الغربستان في نقد المناهج الدراسية وتوجيهها ، كما يتدخل في إلغاء بعض العبادات الإسلامية مثل دعاء القنوت ، وحذف بعض آيات القرآن الكريم .. ويستجيب الوالي لكل مطالبهم ما عدا إسقاط آيات القرآن الكريم .. ولسنا ندري لماذا نبّه الكاتب على هذا الأمر مع أن منهم من دعا إلى تبديل الآيات المقررة بآيات أخرى من القرآن ، ولا داعي للآيات التي تغضب الغربستان .. ولسنا ندري لماذا كل تلك المغامرة أو المخاطرة التي ارتكبها الوالي ؟! وهنا يتدخل القاضي ليعلن ضرورة المواجهة مع الغربستان وعدم الخضوع لمطالبهم برغم عدم امتلاكهم مثل أسلحتهم ، ولكنهم يمتلكون سلاح التكبير " الله أكبر" الذي يدركون مفعوله العظيم ..
وفي المسرحية السادسة " البحث عن معتصم " يعالج الكاتب سوء الواقع العربي وفظاعة المصائب والنكبات التي تصبّ عل رؤوس المسلمين ولا يجدون من يدفع عنهم وينتصر لهم وينقذهم من جحيمها المستعرة لتبدأ عملية البحث عن معتصم جديد .. وإذا نجحت المرأة المسلمة ووجدت المعتصم الذي أنقذها من علوج الروم ، فإن مسلمي هذا العصر لم يجدوا ذلك المعتصم لينقذهم ويدفع عنهم أذى المعتدين .. وهكذا حال فساد الواقع العربي والإسلامي في كل مكان : في البوسنة وكوسوفا والصومال وكشمير وأفغانستان والصين والفلبين والشيشان .. وسائر بلاد الإسلام ـ دون العثور على معتصم جديد يحقق لهم الإنقاذ المطلوب والنجاة المرتجاة ..
ويعزو أحد شخوص المسرحية سبب مآسي المسلمين إلى إخوانهم الذين خذلوهم وأسلموهم إلى الأعداء .. أما مؤتمراتهم ومؤامراتهم فيقول عنها : " يجتمعون حول موائد الكلام ؛ اسمع بربك ماذا يصدرون في مؤتمراتهم ومؤامراتهم ... " إننا ندين ونشجب ونستنكر وبشدة العدوان الصارخ ضد إخواننا المسلمين .. ونطالب الأمن الدولي بسرعة التدخل من أجل إنقاذهم ..." !
وهكذا يطلبون النصرة لنا على أعدائنا ، يطلبون لنا الرحمة من جلادينا " !
وهكذا لم يبق أمام المسلمين وقد تراكمت مصائبهم في كل مكان ، وتكالبت عليهم قوى الشر إلا أن يلوذوا بالفرار بحثا عنة معتصم جديد ينقذهم من عدوهم بعد أن خذلهم ساداتهم كما أنقذ سلفه تلك المسلمة ..
وتلقانا لوحة أخرى تجسد مأساة المسلمين ممثلة في ضياع الأند لس وزوال ما كان لهم من سلطان بعد أن سادهم التناحر والتطاحن على الحكم والمطامع الخاصة متناسين في زحمتها أعداءهم الحقيقيين المتربصين بهم حتى سهل عليهم افتراسهم واستئصال شافتهم وانتزاع ذلك الفردوس المفقود من أيديهم .. تلك كانت المسرحية الرابعة " حديث موسى " .ز وهكذا تناسى المسلمون رسالتهم في الأندلس وهي خلافة الله وعمارة الأرض فانهار سلطانهم وتبدد ملكهم .. وهكذا بدا الفرق كبيرا وضخما بين " موسى الذي يسعى إلى حتفه ، وموسى الذي يسعى إلى شهوته " !!
وتلقانا المسرحية التاسعة لترصد طرفا من مهازل التاريخ الإسلامي في زمن العباسيين في عهد الخليفة المهتدي الذي ولي الخلافة بعد ابن أخيه المعتز الذي خلعه القادة الترك ، والذي لم يكن أسعد حظا من سلفه إذ قتلوه ولما يمض على خلافته بضعة أشهر.. ويخلص المشهد لتقرير حقيقة مفادها الاعتراف بخطأ الاستعانة بالترك
بقي من لوحات المجموعة ثلاث لوحات تسجل إحداها طرفا من مفاسد الكنيسة من خلال صكوك الغفران التي باع البابوات الجنة بموجبها للمذنبين من النصارى .. وهنا حاول أحد شياطين اليهود إفساد خطة البابوات لابتزاز أموال أتباعهم فتقدم للبابا ليشتري منه النار ، وتمت الصفقة ، ثم أخذ يعلن في أفواج المذنبين النصارى الطامعين في صكوك الغفران بأنه اشترى النار ولن يسمح لأحد منهم بدخولها ونجحت خطته الخبيثة واكتشف البابا مبلغ الخسارة التي مني بها على يد ذلك اليهودي الماكر ولم يجد بدا من مساومته لاسترجاع النار من حوزته ولتعود صكوك الغفران من جديد تحمل أكداس الأموال إلى خزائن البابا .. وتتجسد هذه المهزلة أيضا من خلال الأضعاف المضاعفة منن الأموال التي حصل عليها اليهودي من هذه الصفقة العجيبة مشفوعة بصك مجاني لدخول الجنة !!
أما الثانية فهي التي طرحتها المسرحية الثامنة التي تناولت حرص أمريكا على استعمار المريخ لتحكم سيطرتها على العالم في إطار منظومة النظام العالمي الجديد .. ومما يلفت النظر هنا مساهمة الدول الصديقة في تمويل هذه الحرب وحرص الرئيس الأمريكي على شكرهم .. كما أن هذه الحرب هي فرصته لاستمرار تأييد الشعب له وحصوله على أصواتهم في الانتخابات القادمة ..
وأما الثالثة فهي التي أخذت رقم الأولى في المجموعة وهي حكاية السيدة نون .. وقد كتبها المؤلف على هامش معركة الحجاب " صورة مع التحية إلى دعاة تحرير المرأة ".. وهو يسعى إلى تقرير فشل هذه الدعاوى التحررية لمنافاتها لأخلاقيات المجتمع الإسلامي .. ولذلك جعل هؤلاء العوانس يسقطن في هوة الخداع الذي تغلغل في نفوسهن عندما تكشفت حقيقتهن بدءا من الرئيسة السيدة نون /نوال التي خدعت عضوات الجمعية وأعلنت لهن أنها ضد الزواج ، وأنها تزوجت قضية تحرير المرأة عندما تبينّ أنها تزوجت من وسيم خادم الجمعية .. ثم تبيّنّ أنه تزوج ثلاث عضوات أخريات .. وعندما دخلت حنان بحجابها الإسلامي أنكرن ذلك واتهمنها بالرجعية والتخلف .. ولكنها دعتهن إلى العودة إلى الله قبل فوات الأوان .. كما تصف السيدة " ريد " بأنها داعية إلى أبواب جهنم .. وهذه هي الدعوة التي أراد ألكاتب توصيلها إلى أمثال هؤلاء النسوة الداعيات إلى التحرر والانفلات من ربقة الأخلاق الإسلامية ..
وهذه كانت أهم المحاور التي حرص على مناقشتها في المجموعة .. ومما يحسب للكاتب ثوفيقه في التقاط القضايا التي تحمل هموم المجتمع وتتطلب توجيها مناسبا .. وكما ذكرنا فقد كان الكاتب يملك قدرة جيدة على إجراء الحوار وتوزيعه بشكل مناسب على شخوصه .. كما كان حريصا على تصعيد الحدث ليبلغ ذروته ، كما كانت لحظة التنوير تأتي غالبا تلقائية وغير متكلفة أو مفتعلة ..
على أن ما يلفت النظر في بناء مشاهده المسرحية دقته في رصد مظاهر الإخراج المسرحي فيها : فتح الستارة وإسدالها وتحديد مسار المشاهد ورسمها ورصد حركات الممثلين عند خروجهم وعند دخولهم وعند النطق بعباراتهم وأقوالهم وتوزيع العبارات بطريقة تمثيلية بارعة كما في هذه العبارة مثلا مسرحية الحصار الأخير)
الوزير : اكتب له بالقصر على كورنيش المدينة فقط .
المغني : هـا هـا .. لو أعاد سيدي القول .
الوزير : اكتب . له . بالقصر . الذي . على . كورنيش . المدينة .....
الوالي : يا .. يا .. يا وزيري .. الـ .. الـ ...الغربستان قادمون .
الوزير : جا .. جا .. جاءك الموت يا تارك الصلاة . "
وكذلك الإضاءة والإظلام .. والتركيز على الشخصيات الجماعية كالجوقة والكورس وجماعات الجند والحرس والشعب والجمهور ..
بيد أنه تلقانا على ندرة حوارات طويلة كتلك التي وردت على لسان الرئيس الأمريكي وهو يلقي خطابه بمناسبة الهبوط على المريخ معلقا على بعض الصور والوثائق الخاصة بهذه العملية .. (مسرحية " على هامش المحاولة الاستعمارية الجديدة لغزو الكوكب الأحمر) . وواضح أن مثل هذه الخطابات تتنافى ومنهجية المسرحية وتقنيات بنائها الفنية ..