الترجمة الحرفية للقرآن الكريم

الترجمة : التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده .
وتنقسم الترجمة بهذا المعنى العرفي والاصطلاحي إلى ثلاثة أقسام :
1 ـ الترجمة الحرفية.
2 ـ الترجمة المعنوية.
3 ـ الترجمة التفسيرية .


1 ـ الترجمة الحرفية للقرآن الكريم مستحيلة عرفاً وشرعاً ، أي عدم إمكان وقوعها عرفاً، وحرمة محاولتها شرعاً .

أما استحالتها عرفاً فلها طريقان في الاستدلال :

الطريق الأول :
أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال، إذ لا بد في تحقيقها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأولية ( المعاني الأصلية ) والثانوية (البلاغية )، وبجميع مقاصد القرآن الثلاثة.
وكل ذلك مفقود في غير العربية، وما كان لبشر أن يحيط بها فضلاً عن أن يحاكيها في كلام له.

الطريق الثاني :
أن ترجمة القرآن بهذا المعنى ادعاء لإمكان وجود مثل للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل، وفيه تكذيب شنيع لقوله تبارك وتعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) سورة الإسراء : 88.
فنفى الله تعالى المثلية عن القرآن ، وتحدى الثقلين ، وقرر عجزهم على فرض معاونة بعضهم لبعض ، واجتماع قواهم البيانية والعلمية عليها .

أما استحالتها شرعاً فمن عدة وجوه :

1 ـ إن طلب المستحيل العادي حرام ، أياً كان هذا الطلب ولو بطريق الدعاء ، وأياً كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة ، لأنه ضرب من العبث ، وتضييع للوقت والمجهود في غير طائل ، والله تبارك وتعالى يقول : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) سورة البقرة: 195 ، والنبي يقول : (( لا ضرر ولا ضرار )) رواه الحاكم وابن ماجه، ولقد يعذر بعض الجهلة إذا ظنوا أن بعض المحالات أمور ممكنة فطلبوها، ولكن الذي يحاول ترجمة القرآن بهذا المعنى لا يعذر بحال ، لأن القرآن نفسه أعذر حين أنذر .

2 ـ إن محاولة الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب ربهم ، مكتفين ببدل أو أبدال يزعمونها ترجمات له، وعلى مرّ الزمان سيذهب عن الترجمات اسم الترجمة ، ويبقى اسم القرآن عَلَماً عليها ، وسيقال : هذا قرآن بالإنكليزية ، وذاك قرآن بالفارسية ، وذلك قرآن بالفرنسية ، وهكذا .

ثم إذا امتدّ الزمان، سيجتزئون ويحذفون هذا المتعلق بعد، ويطلقون لفظ ( القرآن ) على الترجمة، وما لنا نذهب بعيداً ؟ فكل الناس يقولون هذه رواية " ماجدولين " لترجمتها العربية والأصل فرنسي، وهذا إنجيل " برنابا " أو إنجيل "مرقس " أو إنجيل " متى " نقول هذا لترجمتها العربية ، والأصل غير عربي .

وجاء في ملحق لمجلة الأزهر :
( أن أهالي " جاوة " المسلمين ، يقرؤون الترجمة الإفرنجية ويُقرئونها أولادهم ، ويعتقدون أن ما يقرؤون هو القرآن الصحيح ) ( أنظر : مناهل العرفان : 2 / 165.

ولو ذهبنا إلى هذا القول بجواز الترجمة الحرفية، لأصبح لكل قطر من هذه الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية قرآن من هذا الطراز، فهل نشك بعد هذا في حرمة كل ما يؤدي إلى صرف الناس عن كتاب الله عز وجل .

3 ـ لو جوّزنا هذه الترجمة، لاستغنى الناس عن القرآن بترجماته، ولتعرّض الأصل العربي للضياع، كما ضاع الأصل العبري للتوراة والإنجيل، وما دام الأصل العربي شاهد الحق قد ضاع، فإن ذلك نكبة كبرى تغري النفوس على التلاعب بدين الله تبارك
وتعالى تبديلاً وتغييراً وتحريفاً، ولا ريب أن كل ما يعرّض الدين للتغيير والتبديل والتحريف، وكل ما يعرّض القرآن للإهمال والضياع، حرام بإجماع المسلمين .

4 ـ إن القرآن الكريم قد اشتمل على نصوص تشريعية ذات طبيعة مرنة، يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، وقد اختلفت الصحابة ومن جاء بعدهم في تفسير تلك النصوص، ولا زالت هذه النصوص قابلة للتفسير أيضاً.
ولا بدّ للمترجم عند ترجمته للقرآن أن يتخيّر معنى من المعاني التي يحتملها النص، ويتجاوز بقية المعاني، وبذلك تتعدد التراجم وتختلف، وإذا تعددت الترجمات المختلفة، فسينشأ خلاف حتمي بين صفوف الأمة ، أشبه باختلاف اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل .
وهذا الخلاف يصدّع بناء المسلمين ويفرّق شملهم، ويهيئ لأعدائهم فرصة ذهبية للنيل منهم، ويوقظ فتنة عمياء بينهم، فيقول كل طائفة لأخرى : قرآننا خير من قرآنكم، وتقع الفتنة كقطع الليل المظلم، ويخرّون ضحايا هذه الترجمات، بعد أن كانوا إخواناً متحابين يوحّد بينهم القرآن، ويؤلف بينهم الإسلام .
وهذه الفتنة أوجس منها خيفة أمير المؤمنين " عثمان بن عفان " رضي الله عنه، فأمر بحرق جميع المصاحف الفردية، وجمع الأمة على مصحف واحد، هو المصحف العثماني، وأقرّه الصحابة فلم ينكر عليه أحد.

5 ـ إن الأمة الإسلامية قد أجمعت على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى، وترجمة القرآن تساوي روايته بالمعنى، ولا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية، فالرواية بالمعنى لغتها لغة الأصل، وهذه الترجمة لغتها غير لغة الأصل، وإذا كانت رواية القرآن بالمعنى غير جائزة إجماعاً، فهذه الترجمة ممنوعة أيضاً قياساً على هذا المجمع عليه .

6 ـ الناس جميعاً على اختلاف أجناسهم وشرائعهم، مسلمين وغير مسلمين، أجمعوا على أن الأعلام لا يمكن ترجمتها، سواء كانت موضوعة لأشخاص من بني آدم أم لأفراد من الحيوان، أم لبلاد وأقاليم، أم لكتب ومؤلفات، فالعلَم أثناء الترجمة ثابت لا يتغيّر، متمتعاً بحصانته العلمية، لا ترزؤه الترجمة شيئاً، وما ذاك إلا لأن واضعي هذه الأعلام قصدوا ألفاظها بذاتها، واختاروها دون سواها للدلالة على مسمياتها.
وفي القرآن الكريم كثير من ذلك، فمنها أسماء السور، وأسماء الأنبياء، وأسماء الأماكن.

7 ـ حلول هذه الترجمات بين المسلمين، يذهب بمقوّم كبير من مقوّمات الأمة، كأمة عزيزة الجانب قوية المنعة .

ولذلك يقول المستشرق " ريسلر " :
( ولما كانت روعة القرآن في أسلوبه، فقد كُتب ليُقرأ ويُتلى بصوت عال ، ولا تستطيع أية ترجمة أن تعبر عن فروقه الدقيقة المشبعة بالحساسية الشرقية، ويجب أن نقرأه في لغته التي كتب بها، لنتمكن من تذوّق جمله وقوته وسمو صياغته، ويخلق نثره الموسيقي المسجوع، سحراً مؤثراً في النفس، حيث تزخر الأفكار قوة، وتتوهج الصور نضارة، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن سلطانه السحري، وسموه الروحي، يسهمان في إشعارنا بأن محمداً كان ملهماً بجلال الله وعظمته ) ( أنظر : الحضارة العربية ، ريسلر : 13.

ويقول " جيب " :
( لا شك أن تأويل كلمات القرآن إلى لغة أخرى لا يمكن إلا أن يشوهها ويحول الذهب إلى فخّار) ( أنظر: الاتجاهات الحديثة في الإسلام ، تعريب جماعة من الأساتذة الجامعيين: 30.