(1)
سمعت أو قرأت أن كلمة "السياسة" غير عربية، وأن اشتقاقها جاء من كلمة "الياسا" التي ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" وفي تفسيره في سورة المائدة بزيادة السين وإبدال الألف الأخيرة تاء مربوطة.

وهاك كلام ابن كثير في البداية والنهاية ، ج13، جنكيز خان:
... وأما كتابه "الياسا" فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، ويحمل على بعير عندهم ... ثم ذكر الجويني نتفا من "الياسا" من ذلك "أنه من زنا قتل محصنا كان أو غير محصن وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل ومن سحر قتل ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل ومن انغمس فيه قتل ومن أطعم أسيرا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، ...".
وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى "الياسا" وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] وقال تعالى: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما].

وهاك كلام ابن كثير في تفسيره:
وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.
(2)
لكن كلمة السياسة كلمة قديمة ورد ذكرها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والمعاجم العربية.
فقد وردت كلمة سياسة في الحديث الذي رواه البخاري (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ. وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ. وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: إِخْ إِخْ؛ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ. فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ. وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى. فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ! قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي).
وورد فعلا في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم (عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ. وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ).
(3)
وكذلك وردت في المعاجم فقد ذكرها الخليل في العين: والسِّياسة فعل السائس الذي يسوس الدوابَّ سياسةً يقوم عليها ويروضها، والوالي يَسُوس الرَّعيّة وأمْرهم.

وذكرها ابن دريد في "جمهرة اللغة": وسسْستّ القومَ أسوسهم سِياسةً، وكذلك الدوابّ.

وذكرها الجوهري في الصحاح: [سوس] سست الرعية سياسة. وسوس الرجل أمور الناس، على ما لم يسم فاعله: إذا ملك أمرهم.
ويروى قول الحطيئة:
لقد سوست أمر بنيك حتى * تركتهم أدق من الطحين
قال الفراء: قولهم سوست خطأ.
وفلان مجرب قد ساس وسيس عليه، أي أمر وأمر عليه.

وذكرها الصاغاني في العباب الزاخر: ومحمد بن مُسلِم بن سُسْ كالأمر من السياسة من أصحاب الحديث، وسُسْتُ الرَّعِيَّة سِياسَة. وفلان مُجَرِّب قد ساسَ وسيسَ عليه: أي أمَرَ وأُمِرَ عليه.

وذكرها ابن سيده في "المحكم والمحيط الأعظم":
وإنَّ سِياسَةَ الأقوَامِ فاعْلَمِ ... لَها صَعْداءْ مَطْلَعُها طَوِيلُ
وفي "المخصص": قال سيبويه: ولا فعلَ لها، قال: والإبَالَة سِيَاسَة الإبِل.

وذكرها الفيومي في "المصباح المنير": و"سَاسَ" زيد الأمر "يَسُوسُهُ" "سِيَاسَةً" دبره وقام بأمره.
وذكرها الزبيدي في " تاج العروس من جواهر القاموس": وساس الأمر سياسة: قام به. ويقال: فلان مجرب قد ساس وسيس عليه ، أي أدب وأدب. وفي الصحاح: أي أمر وأمر عليه. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. ومحمد بن مسلم بن سس كالأمر منه أي من ساس يسوس: محدث، نقله الصاغاني.

وذكرها الأزهري في "تهذيب اللغة": وقال أبو زيد: عاس فلان مالَه عَوْساً، وساسه سياسة: إذا أحسن القيام عليه. وإنه لسائس مالٍ، وعائس مالٍ بمعنى واحد .

وذكرها ابن منظور في "لسان العرب": والسَّوْسُ الرِّياسَةُ، يقال: ساسوهم سَوْساً، وإِذا رَأَّسُوه قيل: سَوَّسُوه وأَساسوه، وسَاس الأَمرَ سِياسةً: قام به. ورجل ساسٌ من قوم ساسة وسُوَّاس، أَنشد ثعلب: سادَة قادة لكل جَمِيعٍ ساسَة للرجال يومَ القِتالِ. وسَوَّسَه القومُ: جَعَلوه يَسُوسُهم. ويقال: سُوِّسَ فلانٌ أَمرَ بني فلان أَي كُلِّف سِياستهم. الجوهري: سُسْتُ الرعية سِياسَة وسُوِّسَ الرجلُ أُمور الناس على ما لم يُسَمَّ فاعله: إِذا مُلِّكَ أَمرَهم. ويروى قول الحطيئة:
لقد سُوِّسْت أَمرَ بَنِيك حتى تركتهُم أَدقَّ من الطَّحِين
وقال الفراء سُوِّسْت خطأٌ وفلان مُجَرَّبٌ قد ساسَ وسِيسَ عليه أَي أَمَرَ وأُمِرَ عليه، وفي الحديث "كان بنو إِسرائيل يَسُوسُهم أَنبياؤهم" أَي تتولى أُمورَهم كما يفعل الأُمَراء والوُلاة بالرَّعِيَّة. والسِّياسةُ القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه. والسياسةُ فعل السائس يقال: هو يَسُوسُ الدوابَّ إِذا قام عليها وراضَها. والوالي يَسُوسُ رَعِيَّتَه. أَبو زيد: سَوَّسَ فلانٌ لفلان أَمراً فركبه كما يقول: سَوَّلَ له وزَيَّنَ له، وقال غيره: سَوَّسَ له أَمراً أَي رَوَّضَه وذلَّلَه.

الموضوع الأصلي: السياسة .. كلمة عربية || الكاتب: فريد البيدق ||