توطئة:
أبتدئ بهذا المدخل من خلال النقاط الآتية:
1- الموسيقى: اختار الشاعر "سعد الشريف" لمشاعره قالب"الكامل" المتميز بموسيقيته الظاهرة الراقصة التي تبلغ من ظهورها حدًّا يزيد احتمال ترقيص من ليس له إلمام بالعروض أو معرفة بالإيقاع. وتلاءم هذا الاختيار مع المعجم اللفظي الموجود في الأبيات؛ لهذا كان الظل إيجابيا.
2- الخيال: رسم الشاعر من خلال الأبيات لوحة كلية وصورة فنية احتوت داخلها الصور الجزئية موضوع علوم البلاغة، وملامح هذه اللوحة ستتضح تباعاً في أثناء التناول.
3- تحقق النصية: النص أي نص كيما يكون نصًّا لا بد له من وضوح في الرؤية، وتسلسل في الأفكار، وتماسك في الأجزاء والأوصال. ووجود هذا العنصر الذي هو "تحقق نصية النص" سيتحدث عليه نهاية الحديث التحليلي.
4- منهج التناول: المنهج التحليلي الذي يرفع شعار "اللغة العربية.. تداخلُ علومٍ للجمال"؛ فالمتذوق للعلوم اللغوية التحتية [أصوات وصرف ونحو ومعجم]، والملم بالعلوم الفوقية التي هي فنون أكثر من كونها علوما [بلاغة وفقه لغة وعلم نص وعلم الحركة الجسمية و...]- يكون ذَوْبَ اللغة، ويمتلك التذوق التحليلي الفني الممتع.
والآن، أجدني مضطراً إلى قطع هذا المدخل الذي لم تتم كل عناصره؛ لأجول في أجواء هذه الأبيات؛ ولنبدأ من حيث بدأ الشاعر!
الصوت الساري
سحر الجميع بصوته الفتان ... طربًا يرتل أعذب الألحـان
بـترنم ذهل الكثير لحسنه ... فكأنه طيـف من الألـوان
قمة الحدث بدء الأبيات، ولنستعير أجواء القصة القصيرة. بدأت الأبيات من ذروة الحدث. ما الحدث؟ تأثير صوته. وما صوته؟ عماد الحديث وأساسه. ماذا عن صوته؟ سلب لب الجميع، واستولى على قلوب كل من يستمعه. لماذا؟ لأنه يجعل الجميع مستمالين."سحر" ذلك الفعل المذخور بالتهاويم والتصاوير والنتائج غير المنطقية، "سحر" ذلك الفعل الذي يصنع لنفسه عالما مملوءا بما يخصه، ولا ينتمي لغيره. إنه السحر الذي ينفرد بمنطقه وقوانينه. هذا السحر المتمرد سيطر عليه الشيخ القارئ، وامتلك زمامه واستخدمه؛ فلم يملك الجميع إزاءه إلا الانفعال الآخذ المستولي الذي يترك صاحبه جذوة انتشاء وانسجام.
"سحر" ذلك الفعل الماضي الذي يجعل الأسلوب خبريًا يفيد التحقق والثبوت، ولقد جاء به خاليا من المؤكدات بكل أنواعها لتأكيد بداهة التأثير الأخاذ الذي يجعل الجميع لا يجول بخاطرهم مثقال ذرة من شك أو رفض أو اعتراض. بم امتلك كل هذا التأثير المهيمن؟! بصوته. صوته الموهوب من ربه الذي يختص من يشاء بما يشاء، صوته تلك القناة الاتصالية مع الآخرين، صوته ذلك الشيء الاجتماعي الذي يجعل صاحبه مركزًا للعيون والقلوب.
"بصوته الفتان" الباء سببية تجعل صوته آلة سيطرته وهمينته، والنعت الحقيقي هنا يوضح برمية واحدة قوة صاحبه وتأثيره، وانفعال الآخرين وتأثرهم. "الفتان" ليس فاتنا؛إنما هو فتان. من كثرة من فتنهم صار فتانًا، ومن تكرار تأثر الشخص الواحد صار فتانًا، وهكذا نجد أوجه الفتنة كثيرة ومحاورها متعددة.
ويمكن أن تكون الباء زائدة –على الرأي المرجوح الذي يدعمه السياق- فتكون زيادتها لفظيا ذات دلالة تأكيدية، وتكون كلمة "صوت" عمدة؛ إذ تصير فاعلاً، وهذا أقوى. لماذا؟ لأن الصوت هو أساس الانتشار وسبب السحر، فيلائمه أن يكون فاعلا لفظًا ومعنىً؛ حتى يكون الموقع النحوي دالاًّبلاغيًّا ودلاليًّا. أما أن تكون الباء أصلية - لعدم وجود مسوغ للزيادة حسب الرأي الراجح- فيتعلق الجار والمجرور "بصوته" بـ"سحر"؛ فهذا غير متوافق مع ما يرمى إليه الشاعر من إثبات سحر الصوت وعبقريته. وهذا هو المستوى الدلالي النحوي الذي يضع المواقع الإعرابية علامة بارزة على الدلالة المدعمة أو الناقضة رؤية الشاعر، وهذا ما معناه " عبدالقاهر في نظرية النظم".
"سحر الجميع"؛ كم مسحورا؟ إنهم غير محصورين، غير معدودين. صار السحر خاصة ذاتية للصوت الذي يسحر أينما حل. إنهم "الجميع"، هكذا أضاف"أل" الدالة على العموم إلى "جميع" الدالة على العموم أيضًا؛ ليُحدث الأثر المطلوب. إنه يسخر كل خصائص اللغة لتأكيد انفرادية الصوت وتميزه على ما عداه."طربًا"، ويعود الموقع الإعرابي ليدلي بدلوه. كيف؟ "طربًا" تصلح أن تكون مفعولاً لأجله فتجيب عن السؤال: لماذا يُسْحَر الجميع بصوته الفتان؟! ويكون الشاعر بذلك قد استوفى عناصره المنطقية؛ إذ هناك ساحر، ومسحور، وعلة.
وهذه العلة ليست علة صامتة؛ إنها علة تجعل صاحبها في غير عادته؛ إذ الطرب خفة تصيب الإنسان لفرح أو حزن. هنا الخفة سببها الفرح والانسجام والانتشاء. هذا الاحتمال الإعرابي يضعنا في هذه المنطقة التعبيرية التي تعلل سر سحر الصوت وانسجام المستمع، ويكون ضبط الكلمة بهذا الوجه "طَرَبًا". أما إذا تغير الضبط فصار "طَرِبًا" فتكون الصيغة مبالغة أو صفة مشبهة–وهما من المشتقات الدالة على المبالغة إما بالمبالغة أو الثبوت-، فيكون الموقع الإعرابي حالاً يبين هيئة الصوت. هل هذا الصوت صوت مألوف؟ لا. إنه صوت يسري ومعه الطرب، إنه صوت يصل محمولاً على بساط الطرب.
وبهذا تتعاضد ألفاظ الدلالة "سحر – الفتان – طرباً"، وتتآلف وتتحد في اتجاهها نحو المركز الدلالي المعنون بـ"عبقرية الصوت". وكلها ألفاظ تمثيلية تجعلنا نتمثل المسحورين وهم مأخوذين أينما وُجِدوا من الفتنة والطرب. "سحر الجميع بصوته الفتان ... طربًا". متى؟ متى يحدث ذلك؟ وعلى أي وجه يكون؟ ينشأ السؤال وتأتي الإجابة سريعًا وبدون فاصل مكاني. لماذا؟ لأن هذا الصوت "يرتل" يجود ويحسن. ماذا؟ القرآن الكريم. كيف؟ بأفضل طرق الأداء "بأعذب الألحان".
إذًا: هذا الصوت العبقري شاكر لربه. لماذا؟ لأنه يسخر عبقريته لخدمة قرآنه، وليس لشيء آخر. وهذا منحى آخر من مناحي السيطرة والهيمنة له. لماذا؟ لأن المستسلم له لن يتحرج من الاستماع، ولن يتأثم به. لماذا؟ لأنه يستمع شيئًا يجعل الاستماع والطرب عبادة. إذن؛ فليترك المستمع زمامه؛ فهو في عبادة كلها متعة!! "أعذب الألحان" إنه ليس لحنًا واحدًا، ليس أسلوبًا أدائيًّا واحدًا؛ إنما هي أساليب متعددة تتعدد لتتلاءم مع القراءات المتعددة، ولتتوافق مع المواقف القرآنية المتعددة، تنبع من الحالات النفسية المتعددة.
"سحر الجميع بصوته الفتان ... طرباً يرتل أعذب الألحان" ويأتي الضمير هنا علامة ربط كلمات البيت بعضها بالبعض الآخر، وربطها كلها بالعنوان؛ فيتحقق تماسك نص البيت. لماذا؟ لأن الضمير الغائب المقدر بـ"هو" المستتر في "سحر (هوالقارىء) " -إذا اعتبرنا "بصوته..." متعلقاً بالفعل- يجعل القارئ الشعر يعود مكانيًّا إلى العنوان؛ حيث مرجع الضمير. ثم يأتي الضمير البارز في "صوته"، والضمير المستكن في صيغة المبالغة "الفتان( هو)"، والضمير المستتر في "يرتل( هو)" –تأتي كل هذه الضمائر لتربط كلمات البيت بمرجعها في العنوان. ويؤدي تكرار حركة العين أماماً ووراء إلى أن القارئ الشعر يروح ويغدو، ويكرر المرور الذهني والدلالي؛ فيزداد إثراء دلاليًّا، وتزداد حيوية اتصاله بالنص موضوع المرور.
إذا تأملنا قاموس البيت وجدناه قاموسًا مرحًا مشعًّا للحيوية، تتسق كلماته مع الحالة النفسية المقبلة الراغبة في "بترنم ذهل الكثير لحسنه ... فكأنه طيف من الألوان". وتستمر السيمفونية الجمالية!! كان البيت السابق يتحدث على الصوت، ثم تحدث على الأداء. وهنا يبدأ بهما معًا، الصوت في حالة أدائه الخاصة "بترنم". الباء سببية، "وترنم" نكرة للتعظيم، بسبب الترنم يغيب المستمعون عما حولهم، ينسون دنياهم وهمومهم، ينسون أنفسهم. ماذا يتذكرون؟ فيم يعيشون؟ يعيشون في أجواء هذا الصوت الشجي، يتذكرون تلك الأجواء الروحية التي تسمو بهم فوق لحظتهم، ويجعلهم يحلقون عاليًّافي سماوات العلو والسمو. وليس هو "ترنم" فقط؛ بل هو "ترنم حسن"، وليس هو ترنم أحادي النغم؛ بل هو متعدد النغم متداخله كالطيف اللوني الذي تتداخل فيه الألون، وتتضح إذا تعرضت للمنشور الزجاجي.
وهنا ماذا يجعل الترنم يتحلل إلى نغماته؟ إنها النفسية التي تعيش بحبوحة السعادة والارتياح. وإذا حاولنا إجراء التشبيه هنا فسيكون بالصيغة الآتية: تشبيه تمثيلي؛ حيث شبة الشاعر نغمات الأداء، وتنغيم الصوت باللون الذي يحتوي داخله بقية الألون في احتواء الشيء المفرد ظاهرًا أشياء باطنًا لتأكيد ثراء الصوت.
هكذا يؤكد هذان البيتان صفة عبقرية الصوت من خلال صورتين: أولاهما كنائية تنتظم البيت الأول الذي يكنى فيه عن صفة عبقرية الصوت من خلال الدليل المادي الملموس في تلك الحالة التي يعيشها المستمعون مسلوبو الإرادة كالمسحور مثلاً بمثل. وأخراهما أخرى الصورتي التشبيه الذي انتظم البيت الآخر؛ ليؤكد ذات الصفة. ولم يقلل من ذلك الانسجام إلا التعارض الذي لا يصل حد التناقض بين لفظي العموم الموجودين في الشطر الأول من البيت الأول والشطر الأول من البيت الآخر.
في الشطر الأول من البيت الأول يقول الشاعر: "سحر الجميع بصوته الفتان". هنا نجد المبالغة وصلت حد عدم الاستثناء، فدل ذلك على العموم المطابق كل المستمعين، وهذا ينسجم مع فن المديح الذي يقوم على رؤية القارئ موضوع التجربة الشعرية جديرًا ببناء شعري يختص به. وفي الشطر الأول من البيت الآخر يقول: "بترنم ذهل الكثير محسنه". تراجع الشاعر هنا عن تعميمه المطابق كل المستمعين؛ وذلك باستثناء القليل الذي جعل "الجميع" "الكثيرة"، وذلك رغم أن "الذهول"المصاحب للكثير أخف من "السحر"المصاحب للجميع؛ فكيف يكون الصوت العادي ساحرًا للجميع، ويكون الصوت المترنم مذهلاً للكثير؟
إن هذا يدفعنا إلى مساحة دلالية غير مقصودة من الشاعر تأكيدًا. ما هي؟ هي أن صوت الشيخ القارىء الخام الذي منحه الله إياه ساحرا؛ لكنه إذا بدأ يلون ذلك الصوت ويتدخل في طبقاته ونغماته أفسد ذلك السحر وقلل الأثر. والمعهود والطبيعي أن تكمل الدراسة الصاقلة الخامة الجيدة؛ فلا بد أن يكون الأداء مدعما للصوت وحاملاً إياه إلى أقصى قم الوصول. إن هذا خلل معنوي لم يفطن إليه الشاعر لعدم وقوفه تحليليًّا أمام الرؤية العامة التي يكونها مجموع كلماته.