من "يسألونك في الدين والحياة" دار الجيل، المجلد الأول، ص336-337
السؤال: ما رأي فضيلتكم في روايات جرجي زيدان التي تتعرض للتاريخ الإسلامي وتصوره في قصص وحكايات، ويقبل عليها القراء بصورة واسعة؟
الجواب: إن هذه الروايات لا تليق بالمسلم قراءتها، لأنها وضعت لتشويه التاريخ الإسلامي وتحريف حوادثه وقلب أموره رأسا على عقب والنيل من جلاله وجماله، وكأنما كانت هذه الروايات نتيجة لخطة أريد بها مسخ التاريخ الإسلامي في أنظار أهليه حتى يفقدوا اعتزازهم بما فيه. ولسنا نرسل القول إرسالا بلا دليل، بل بين أيدينا أدلة وبراهين: فهذه الروايات أولا تشتمل في كثير من مواقفها على حوادث مصطنعة وأمور مختلقة، ولعل صاحبها يوهم قراءه بأن هذا من قواعد الفن القصصي، لجذب القراء وإثارة الاهتمام؛ ولكن هذا إذا صح في القصة الخيالية فإنه لا يصح بحال من الأحوال في القصة التاريخية، لأن التاريخ له حرمته وله مكانته، وهو تراث السابقين للاحقين، وصور الأجداد بين أيدي الأحفاد، ولو فرضنا ووجدنا من يتجرأ باسم الفن ويبيح هذا الاختلاق في القصة التاريخية، فإنه لا يجوز أن يكون في التاريخ الإسلامي، لأن تاريخ المسلمين وثيق الصلة بعقائدهم ومبادئهم، ومن هنا نراه يستظل بلون من الحرمة أو القداسة، فيجب أن يكون بمأمن من تحريف المبطلين وتشويه المغرضين.
ومن مكايد هذه الروايات أنها تصبغ حوادث الأبطال وأعمال الرجال بصبغة غرامية تتمثل في الهيام بالمرأة والخضوع لها والحرص عليها، وكأن العظماء من المسلمين في نظر هذا الكاتب لم يكونوا إلا مجانين تسيرهم العاطفة ويستبد بهم الهوى، مع أننا حين نراجع تاريخ هؤلاء الأبطال لا نجد في حياتهم متسعا للغرام الرخيص والهوى العابث، فقد شغلهم القرآن والدين والكفاح في ميادين الشهادة عن التفرغ لحياة اللهو واللعب، وبذلك خلفوا وراءهم صفحات مشرفات من البطولة، ولكن المؤلف أبى إلا أن يملأ حياة هؤلاء الغر الميامين بالصبوات والصبابات، فأبعد في الاختلاق والافتراء.
ونجد في هذه الروايات أن صاحبها يدس في كل واحدة منها راهبا من الرهبان يصوره بصورة البطولة ويظهره بمظهر البطل الذي يدافع عن الحريات أو يدعو إلى المكرمات أو يعاون في إتمام الجلائل من الأعمال، فإن لم يختلق راهبا اختلق ديرا يصوره على أنه معقل الجنود المسلمين الهاربين وحصن المجاهدين المطاردين المضطهدين، وكأن المؤلف يهدف من وراء ذلك إلى أن يجعل لغير المسلمين دورا في نصرة المجاهدين المسلمين أو معاونتهم في إتمام مهماتهم، وأحيانا يسرف المؤلف في تشويهه، فيرجع الفضل في فتح بعض الأقطار، كالأندلس مثلا، إلى جهود غير المسلمين ومن لف لفهم. والله تبارك وتعالى أعلم.

الموضوع الأصلي: جورجي زيدان والتاريخ الإسلامي || الكاتب: فريد البيدق ||