الفصل السابع والخمسون بعد المئة
أوائل الشعراء
يقول علماء الشعر: "لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة". ثم تزايد عدد الأبيات وتنوعت طرق الشعراء في نظم الشعر بتقدم الزمان، وبازدياد الخبرة والمران، وبتقدم الفكر، فظهرت القصائد المقصدة الطويلة، التي توّجت بالمعلقات.
"قال الأصمعي: أول من يروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم ضمرة، رجل من بني كنانة، والأضبط بن قريع". فهؤلاء هم أوائل الشعراء الجاهليين في نظر "الأصمعي"، ممن نظم كلمة بلغ عدد أبياتها ثلاثين بيتاً فما بعدها.
"وقال ابن خالويه في كتاب ليس: أول من قال الشعر ابن خدام".
وذكر بعض العلماء أن القصائد إنما قصدت، والشعر إنما طول في عهد "عبد المطلب" أو " هاشم بن عبد مناف"، وذلك يدل على إسقاط عاد وثمود وحمير وتبع. ولم يذكروا اسم أول من قصد القصائد وطوّل الشعر، ولكن رأي معظم علماء الشعر أن "المهلهل، هو أول من قصد القصائد وأول من قال كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً من الشعر. وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي "أقدم من المهلهل، وهو أول من قصد القصيد. وإذا ذهبنا مذهب من يقول: إن القصائد إنما ظهرت في أيام "عبد المطلب" أو "هاشم"، فيكون ذلك قبل الهجرة بمائة سنة على الأكثر.
وزعمت بكر بن وائل أن أول من قال الشعر وقصد القصيد هو "عمرو بن قميئة"، وكان في عصر "مهلهل بن ربيعة"، وعُمِّر حتى جاوز التسعين. وكان "امرؤ القيس"، قد استصحبه لما شخص إلى قيصر، فمات في سفره ذلك.
وذكر "ابن قتيبة" أن من قديم الشعر قول "دُويد بن نهد القضاعي:
اليوم يبني لدويد بيته *لو كان للدهر بليّ أبليته
أو كان قرني واحداً كفيته *يا رب نهبٍ صالح حويته
وذكر من بعده اسم "أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان"، ثم الحارث بن كعب.
ولم يكن المذكورون أول من قصد القصيد، وتفنن في أبواب الشعر، وإنما هم أقدم من وصل اسمه إلى مسامع علماء الشعر، فصاروا من ثم أقدم شعراء الجاهلية. وقد نسب إلى "زهير بن أبي سلمى" قوله:
ما أرانا نقول إلا مُعارا أو معاداً من قولنا مكرورا
وإذا صح أن هذا البيت هو من شعره حقاً دلّ على اعتقاد الشاعر ومن كان في أيامه بقدم الشعر، وبتقدمه وبتطوره، وبتفنن الشعراء الذين عاشوا قبله، في طرق الشعر وذهابهم فيه كل مذهب، حتى صار من جاء بعدهم من الشعراء عالة عليهم فلا يقول إلا معاراً، أو معاداً من الشعر مكروراً.
وإلى هذا المعنى ذهب "عنترة" في قوله:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدارَ بعد توهم
فقد سبق الشعراء "عنترة" في قول الشعر، وفي الإبداع والتفنن به، حتى لم يتركوا له شيئاً جديداً ليقوله.
ونجد الشاعر "لبيد" يشير في شعره إلى الشعراء الذين تقدموا عليه، ويقول عنهم: إنهم سلكوا طريق مرقش ومهلهل، حيث يقول:
والشاعرون الناطقون أراهم سلكوا طريق مرقش ومهلهل
ولقد تعرض "الفرزدق" في قصيد له إلى من تقدم عليه من الشعراء، فقال:
وهب القصائدَ لي النوابغُ إذ مضوا وأبو يزيد وذو القروح وجرولُ
والفحل علقمةُ الذي كانت له حلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بني قيسٍ وهن قَتَلنَه ومهلهل الشعراء ذاك الأول
والأعشيان كلاهما ومرقش وأخو قضاعة قول يُتَمثَّل
وأخو بني أسدٍ عبيدُ إذ مضى وأبو دُؤادٍ قوله يتنخل
وابنا أبي سُلمى زهير وابنه وابن الفريعة حين جد المقول
والجعفريّث وكان بشر قبله لي من قصائده الكتابُ المجمل
ولقد ورثتُ لآل أوسٍ منطقاً كالسّمّ خالط جانبيه الحنظلُ والحارثي أخو الحماس ورثته صَدٌعاً كما صدع الصّفاة المعول

فهؤلاء هم من أقدم الشعراء العرب الذين وصل خبرهم إلينا على وفق هذه الأخبار والروايات. وهم ونفر آخر من أمثالهم قد عاشوا في أيام لا نستطيع أن نبتعد بها عن الإسلام بأكثر من قرن أو قرن ونصف قرن. وقد عسر على الذاكرة حفظ شيء عن أخبارهم وأيامهم، فلم تذكر عنهم غير أسمائهم وغير شيء يسير جداً عنهم، وخلا أبيات، لا ندري أهي من نظمهم حقاً، أم هي من نظم من تحدث عنهم ! وعلى موجب روايات أهل الأخبار تكون تلك الأبيات أقدم ما عندنا من شعر عربي.
وقد ولع بعض المحدثين على وضع سنين لتثبيت سنين مواليد ووفيات الشعراء، واكتفى بعضهم بوضع سنين لوفياتهم، وفعلهم هذا لا يستند إلى أساس علمي؛ لأننا لا نملك أدلة مقبولة صحيحة تخولنا حتى وضع مثل هذه الأرقام، ثم إن في الكثير من هذا المروي عن حياة الشعراء ما هو غير صحيح، ولهذا فليس من المعقول أبداً وضع سنين لتحديد مواليد ووفيات أولئك الشعراء، والشيء الوحيد الذي نستطيع فعله هذا اليوم هو أن نشير إلى زمان من عاصروهم من الملوك كملوك الحيرة والغساسنة، فنحن على شيء من العلم بأوقات حكمهم، وأن نربط بين أيامهم وبين الحوادث الجسام التي أدركوها أو ساهموا فيها.
ونحن لا نستطيع ترتيب الشعراء ترتيباً زمنياً يستند على سنوات الوفيات، فنقدم شاعراً على شاعر آخر استناداً إلى سنة الوفاة؛ لأنا لا نملك نصوصاً فيها سني الوفاة. ثم إن حياة أقدم شاعر جاهلي لا يمكن أن تتجاوز المائة والخمسين سنة عن الإسلام على أكثر تقدير، وإن أكثرهم قد كانوا متعاصرين، وإن بين حياة الشاعر القديم منهم وبين الشاعر المتأخر فترات غير طويلة، تتطاول على العشرة سنين أو العشرين، وهي أزمنة لا تعدّ شيئاً بالنسبة إلى تأريخ هذا الشعر القصير الأجل.
ويجب ألا تخدعنا بعض العبارات التي نقرأها في كتب الأدب مثل قولهم: "وهو شاعر جاهلي قديم"، أو " هو شاعر قديم"، أو "هما قديمان"، أو "وهو جاهلي قديم"، وأمثال ذلك من تعابير تشير إلى قدم الشاعر أو الشعراء، فنأخذها على الصحة، ونقول بقدم الشاعر أو الشاعرين أو الشعراء؛ فإن أكثر من ذكر أهل الأخبار أنهم من الشعراء القدماء هم من الذين كانوا في أيام حكم الملك "عمرو بن هند"، وقد كان حكم هذا الملك فيما بين السنة "554" والسنة "569" للميلاد. وإذا ما تذكرنا أن ميلاد الرسول كان في سنة "570" أو "571" للميلاد عرفنا إذن أي قدم هو هذا القدم الذي توهموه.
خذ مثلاً ما قاله "ابن قتيبة" مثلاً عن "زهير بن جناب" سيد "***" وهو في نظره من الشعراء المعمرين، تراه يقول: "وهو جاهلي قديم. ولما قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج زهير فلقي ملكهم، فأكرمه ووجهه إلى ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول في طاعته ... ". ولو جاريناه وأخذنا بصحة الخبر المزعوم نكون قد جعلناه حيا في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد؛ فقدوم الحبشة تريد هدم البيت كان في عام الفيل أي سنة "570" أو "571" للميلاد، أي العام الذي ولد فيه الرسول، فهل يعد "زهير بن جناب" إذن "جاهلي قديم" وقد أدرك على حد قول "ابن قتيبة" ميلاد الرسول?
ثم خذ ما قاله عن "ابني خذاق"، تراه يقول: "وهما قديمان، كانا في زمن عمرو بن هند"، ثم خذ ما قاله عن "سلامة بن جندل"، إذ قال عنه: "جاهلي قديم"، وجعل أيامه في عهد "عمرو بن هند"، وقد عرفنا أيام حكم "عمرو بن هند".
ثم خذ ما قاله عن "عبيد بن الأبرص"، تراه يقول: "وكان عبيد شاعراً جاهلياً قديماً من المعمرين، وشهد مقتل حجر أبي امرئ القيس". أو خذ ما ذكره عن "عمرو بن قميئة" حيث يقول: "وهو قديم جاهلي، كان مع حجر أبي امرئ القيس". بل خذ ما ذكره عن "امرئ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية" المعروف ب"ابن حمام" أو "ابن حزام"، أو "ابن خذام" الذي يقول عنه الشعراء: إنه أول من بكى الديار عند العرب، وإنه عاش قبل امرئ القيس- ترى أهل الأخبار يذكرون أنه كان معاصراً للشاعر "المهلهل"، خال "امرئ القيس" الكندي.
وإذا علمنا أن حكم ملوك كندة للحيرة كان ما بين السنة "525" والسنة "528" للميلاد، وأن وفاة "الحارث " والد "امرئ القيس" الشاعر الكندي، أي جد الشاعر، قد كانت في سنة "528" للميلاد، وأن قتل "حجر" قد وقع بعده- استطعنا الحكم بأن أولئك الشعراء المذكورين قد عاشوا في النصف الأول من القرن السادس للميلاد، وأن حياة أقدم واحد منهم لا يمكن أن تتجاوز قرناً واحداً قبل الإسلام، مهما بالغنا في التقدير.
وأما ما زعمه أهل الأخبار عن بعض أولئك الشعراء من أنهم كانوا من المعمرين، وأن منهم من عمّر أكثر من ثلثمائة سنة، وأن المعمر في نظرهم لا يعدّ معمراً إلا إذا زاد عمره على المائة والعشرين عاماً- فأترك أمر تصديقه إلى القارئ، إن شاء أخذ به متمنياً له أيضاً عمر المعمرين وزيادة، وإن شاء رفضه. أما أنا فلست من حزب الذين يعتقدون برأي أهل الأخبار في العمر وفي المعمرين، و لا أريد أبداً أن أكون من أولئك المعمرين.