1- من "أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية الآمل" لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني

واعلم أن الدلالة المطابقية هي دلالة اللفظ على كل معنى وذلك كدلالة لفظ إنسان على الحيوان الناطق فهذه مطابقية طابق اللفظ فيها المعنى أي ساواه، فلم ينقص اللفظ عن معناه ولا المعنى عنه وهذه دلالة اللفظ على حقيقة معناه، وهي المتبادرة عند إطلاق الدلالة وعند إطلاق اللفظ.
وقد يراد به الدلالة على جزء معناه كأن يطلق لفظ إنسان على حيوان فقط أو على ناطق فقط فهذه هي الدلالة التضمنية دلالة اللفظ على جزء ما وضع له وهي من أقسام المجاز؛ لأنه أطلق الكل وهو لفظ إنسان وأريد به جزؤه وهو أحد الجزئين.
وأهل الأصول يجعلون دلالة التضمن وضعية، وأهل المعاني والبيان يسمونها عقلية. وعلى كل تقدير فهو من المجاز، ولا بد له من العلاقة والقرينة فالعلاقة قد ذكرناها آنفا، وأما القرينة فأنواعها معروفة.
وقد يراد باللفظ الدلالة على لازم معناه كما إذا أطلق إنسان وأريد به ضاحك مثلا فإنه لازم له ودلالته عليه عقلية عند الفريقين، وهو مجاز أيضا من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم وتفاصيل هذه الأبحاث في علم المنطق.
2- "الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي" لعلي بن عبد الكافي السبكي

قال: الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام.
تقسيم دلالة اللفظ تقسيم للفظ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ، والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره، ومعناه كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر. وهي تنقسم إلى لفظية وغير اللفظية قد تكون وضعية كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط، وقد تكون عقلية كدلالة الأثر على المؤثر والعكس مثل دلالة الدخان على النار وبالعكس. وليس الكلام إلا في اللفظية. وللاحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله: دلالة اللفظ.
ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة: عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه، وطبيعية كدلالة أح أح على وجع الصدر، ووضعية وهي المرادة هنا. فلو أن المصنف قال: دلالة اللفظ الوضعية- لكان أحسن على أن الإمام قال: الوضعية هي دلالة المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلا فيه فهو التضمن أو خارجا فهو الالتزام، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وقال بعضهم: دلالة التضمن لفظية أيضا، وهو ضعيف؛ فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أن الجزء مفهوم من اللفظ ومتلقى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك، وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم، وإن كان لأجل دخول الجزء في المسمى وخروج اللازم عنه فهو تحكم محض ثم هذه الدلالة عبارة عن كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع. وإنما قلنا: إنها عبارة عن كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه ولم نقل: إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا؛ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها صفة تجعل اللفظ يفهم المعنى؛ ولهذا يصح تعليل فهم المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه والعلة غير المعلول، وإذا كانت الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به.
إذا عرفت ذلك فنقول: الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أو لا، والأول المطابقة كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف والجدار والأس. والثاني إما أن يكون على جزء مسماه أو لا، والأول دلالة التضمن كدلالة البيت على الجدار فقط، والثاني أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.
واعلم أن ذلك إنما يتصور في اللازم الذهني، وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير والارتفاع من الأرض؛ إذ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع أم لم يكن لازما في الخارج كالسواد إذا أخذ بقيد كونه ضدا للبياض فإن تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج بل متنافيين ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه.
وإذا عرفت هذا علمت أن قوله: وعلى لازمه الذهني- غير مستقيم لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم الخارجي وهو باطل وبهذا التقسيم تعرف حد كل واحد منها.
3- "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي
الفصل الثاني
في أقسام دلالته
وهو إما أن تكون دلالته لفظية أو غير لفظية واللفظية إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ أو إلى بعضه: فالأول دلالة المطابقة كدلالة لفظ الإنسان على معناه والثاني دلالة التضمن كدلالة لفظ الإنسان على ما في معناه من الحيوان أو الناطق والمطابقة أعم من التضمن لجواز أن يكون المدلول بسيطاً لا جزء له.
وأما غير اللفظية فهي دلالة الالتزام وهي أن يكون اللفظ له معنى وذلك المعنى له لازم من خارج فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم مفهوماً ودلالة الالتزام وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى نظر عقلي يعرف اللازم في الالتزام والجزء في دلالة التضمن غير أنه في التضمن لتعريف كون الجزء داخلاً في مدلول اللفظ وفي الالتزام لتعريف كونه خارجاً عن مدلول اللفظ فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية بخلاف دلالة الالتزام ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول اللفظ المطابق عن لازم وأعم من دلالة التضمن لجواز أن يكون اللازم لما لا جزء له.