(1)
عندما نقرأ القرآن نجد الهدى بخلاف ما نجده عند علماء التاريخ وعلماء الإنسان؟
كيف؟
خلق الله تعالى الإنس والجن لعبادته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وخلق آدم وعلمه الأسماء، قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
ثم ابتلاه، قال تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} [البقرة: 35 - 37]، وقال: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)} [الأعراف: 20 - 22].
ثم أنزله، وأبان لنا أنه لم يتركه، قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38، 39].
(2)
وعلى الرغم من ذلك لا أجد ذكرا لآدم في التاريخ العام، بل يبدأ التاريخ بإنسان جاهل تعلم من الطبيعة وأخذ يتطور حسب خبرته فيها، وليس الأمر يقتصر على أبينا آدم فقط، بل يمتد إلى الأنبياء جميعهم.
وظل سؤال لماذا يلح عليّ، لماذا هذا التجاهل؟
وقرأت في كتاب الأستاذ محمد قطب "حول التفسير الإسلامي للتاريخ" دار الشروق، الطبعة الثانية- ما يمكن أن يكوّن بذرة الإجابة.
فماذا قال؟
قال الأستاذ محمد قطب ص25- 26: (الإنسان في التصور الدارويني الذي يحكم فكر أوروبا اليوم هو نهاية خط التطور الحيواني، وصل إلى وضعه الحالي دون قصد من أحد ولا غاية، وإنما بتأثير الظروف المادية البحتة التي جعلته ينتصب على قدميه ليقطف ثمار الأشجار، فاعتمد رأسه على جذعه بدلا من أن يكون معلقا في الهواء متدليا من عنقه فأتيح لمخه أن ينمو فتعلم الكلام وصار يفكر، ومن ثم صار إنسانا.
حين يكون هذا هو التصور عن الإنسان فهل يعقل أن يكون لحياة ذلك الإنسان غاية؟ وهل يعقل أن تكون الأخلاق جزءا من تكوينه الذاتي أو جزءا من مقومات حياته؟ وهل يكون الحكم الأخلاقي هو المرجع في الرؤية التاريخية التي تتابع وجوده على الأرض وتفسر مراحل ذلك الوجود؟
بل هل يتصور أن يكون لهذا المخلوق التزام نحو خالقه أيا كان تصورهم لخالقه؟ وهل يرد على الخاطر أن يرسل الله إن اعترفوا به رسلا لهدايته وكتبا لتعليمه، وأن يبعثه ذات يوم ليحاسبه على ما عمل في أثناء حياته؟ أم يكون تفسير الدين وهو واقع تاريخي لا سبيل إلى إنكاره أنه شيء صنعه الإنسان لنفسه بتأثير عوامل معينة مرت به في حياته، ويكون تفسير الأخلاق وهي كذلك واقع تاريخي لا سبيل إلى إنكاره أنها أمور تواضع الناس عليها لتيسير وجودهم المشترك على الأرض لحماية بعضهم من عدوان بعض؟ وفي الحالين يكون الدين والأخلاق صناعة بشرية بحتة يشكلها الإنسان حسب ظروفه وحاجاته، وهي رهن بمشيئته إن شاء أبقاها وإن شاء استغنى عنها، وقد عن له في آخر طور من أطواره على الأرض أن يلغي الدين جملة، وأن يعدل الأخلاق جملة).
ثم يرتب النتائج ص27 فيقول: (وحين نعيد قراءة التاريخ الذي تقدمه لنا أوروبا على ضوء ذلك لا نعجب حين نرى الإشادة الضخمة بالجاهليات الفرعوينة والرومانية والإغريقية وغيرها، ونرى في الوقت ذاته التعتيم على فترات الهدى في حياة البشرية.
إنه أمر لا يأتي جزافا، ولا هو هوى شخصي لهذا المؤرخ أو ذاك، إنما هو اتجاه عام له منشؤه في حياتهم، وله تفسيره في أفكارهم ومعتقداتهم، نابع كله من نظرتهم إلى الإنسان.
حقيقة إن النفور من الدين الذي أورثتهم إياه الكنيسة الأوروبية بفظاظتها وحماقاتها له تأثيره الخفي أو الواعي في إشادتهم بتلك الجاهليات الوثنية مكايدة للكنيسة وإلهها الذي استعبدت باسمه الناس. وله تأثيره كذلك في التعتيم على فترات الهدى، والتقليل من شأنها، ومحاولة إسقاطها من التاريخ؛ لذات الهدف وهو مكايدة الكنيسة، ومحاولة الإيهامك بأن المعنى الرئيس الذي كانت الكنيسة تقف من أجله وهو الدين أمر لا وزن له في تاريخ البشرية).
(3)
كشف لي ذلك بعضا من السبب.
كيف؟
إذا كان هذا موقف أوروبا فهو موقف تلاميذها السائدين عندنا في الجامعات والمعاهد العلمية المختلفة.
وأسأل: هل آن تغيير ذلك؟ وما وسائل ذلك التغيير؟
أنتظر التفاعل والإثراء لبيان ذلك النماء البشري المسلم بعيدا عن تأثير أوروبا التي تعمل لنفسها ويعمل لها كل من يدور في فلكها!