تلويث القيم في المخرج التعليمي في القصص التربوي
(1)
في حزمة المقالات النقدية التي جعلت القصة المقررة على الصف السادس الابتدائي في مادة التربية الإسلامية المعنونة بـ"السيدة خديجة" محور حديثها- وضّحت الزيف الفني والديني الذي أنتجه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصية أدبية، وهذا لا يجوز.
وكانت هذه الحزمة خمسة مقالات، هي:
1- نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية.
2- هل يكون رسول الله شخصية أدبية ثانية؟
3- هل يكون رسول الله شخصية أدبية؟
4- الطفل .. بين أدب الإسلام وأدب الإسلام.
5- الأدب أو التاريخ .. أيهما السيد عند الأديب؟
ونشرت هذه المقالات في أماكن نشر شتى إلكترونية في مجموعات على موقع الـ facebook والمنتديات الأدبية و... إلخ، وورقية في جريدة "صوت بلدي" وجريدة "الفتح".
(2)
وهأنذا أبدأ مقالا أدعو الله تعالى أن يؤتي ثماره عن القصة الأخرى المقررة على الصف السادس الابتدائي نفسه لكن في مادة اللغة العربية.
اختارت هذه القصة "علي مبارك" شخصية لها، وحاولت من خلاله بث ما يراه المؤلف من قيم، لا سيما أن هذه الشخصية ارتبطت بالتعليم في تاريخ التعليم في مصر.
ومن يتصفح هذه القصة، ويقرؤها ببعض تأمل يجد الخلل الأدبي الذي يفرز تسويئا للقيم داخل أذهان هذا النشء المقصود تعليمه إياها.
كيف ذلك؟
اختار الكاتب لقصته وجهة نظر الغائب التي تروي الأحداث على ألسنة شخصيات العمل.
وفي هذه الرؤية ينبغي للمؤلف أن يخفي ذاته، ويجعل الشخصيات تتحدث عن نفسها؛ لأنه لو لم يفعل لانقلب العمل الفني إلى عمل عقلي أو وعظي أو فكري ... إلخ وخلا من الفنية والأدبية.
وهذا ما وقع فيه الكاتب؛ مما جعل قصته أدبيا غير جيدة، وتربويا سيئة.
كيف؟
في الفصل الثاني نراه يقحم صوته ورأيه ووجهة نظره في الحوار والسرد.
كيف؟
(3)
عُنون الفصل الثاني بـ" عزة نفس، وطموح مبكر"، وهذا عنوان فيه مغالطة كبيرة، لكنني لن أقف معها فربما يكون العنوان مِن وضع معد القصة إعدادا تربويا إن كان هناك معدا.
ماذا سأفعل؟
سأقف مع عبارات الكاتب التي تنقل لنا عداء مع أهل القرآن، وتذكرنا بموقف طه حسين من شيوخه في الأزهر في قصته "الأيام".
كيف؟
قال الكاتب في ص21 واصفا شيخ الكتاب الذي ذهب إليه علي مبارك: "عندما ذهب الصبي إلى الشيخ أبي خضر في كتابه وجده كاشر الوجه، قاسي الطبع، بجانبه عصا غليظة".
ولن أكرر أن ذلك يعيدك إلى وصف طه حسين لشيوخه.
ثم يمضي الكاتب فيُظهر لنا "علي مبارك" فيلسوفا تربويا على الرغم من أن عمره ثماني سنوات حسب ترتيب الأحداث الذي اختاره المؤلف.
كيف؟
يقول على لسان علي مبارك بعد أن مهد شر تمهيد بقوله: "فكره الشيخ"، فيجعل ذهن التلميذ مستعد لتقبل موقف الصبي وكره الطرف الآخر الذي يكرهه الصبي.
يقول: "وقال لنفسه في ألم شديد: هل يليق بالمعلم أن يكون بمثل هذه القسوة؟ وهل جئنا إلى هنا لنتعلم الجبن والخوف؟".
من يتكلم هنا؟ أهو علي مبارك؟ أم هو المؤلف الذي يبارك ما قررته وزارة التربية والتعليم من تجريم العقاب البدني تأثرا بما قرره الغرب؟
إنه هنا بوق دعائي لقرار الوزارة التي اختارت كتابه لتدريسه لنشء مصر، إنه بوق دعائي لا يعرف ألف باء التربية التي تقول: "مَنْ أمِن العقوبة أساء الأدب". والتي تقرر الثواب والعقاب كليهما لا واحدا منهما فقط حتى تستقيم التربية، ووجود الثواب والعقاب أمر لازم لا للتربية فقط بل للحياة نفسها.
ما يلائم سياق القصة فنيا وتاريخيا أن يخاف الصبي، وأن يحاول تفادي الضرب بالاجتهاد كما قرر في ذيل الصفحة ذاتها. أما أن يفلسف خوفه في سنة 1831 حسب ما يفيده ترتيب الأحداث التي اختارها المؤلف- فهذا ما لا يكون فنيا وأدبيا صحيحا؟
لماذا؟
لأن هذه الفلسفة لو قالها طفل الآن لقلنا: إنه تأثر بالتلفزيون وأفلامه ومسلسلاته وغير ذلك من وسائل الإعلام. أما في هذا التاريخ المبكر الذي لم يكن فيه إلا الكتاتيب ومن بعدها الأزهر الذي لا يتاح للكثيرين- فإن الأمر بعيد بعيد.
(4)
وفي حمأة حماسة المؤلف لقرار الوزارة نسي أمرا لا ينبغي له أن ينساه.
ما هو؟
أن الضرب لا يكون عنوان إهانة ومذلة هكذا قولا واحدا، إنما الضرب قسمان: أحدهما مهين، والآخر تأديب وتعليم. ومن النوع الثاني ضرب الوالد ولده وضرب المعلم تلميذه.
نسي المؤلف تلك الحقيقة فاستمر يذيع آراءه على لسان الصبي.
أين كان ذلك؟
في حوار الصبي مع أبيه الذي يحاول رده إلى الكُتَّاب مرة أخرى لتثبيت الحفظ ص23.
كيف؟
يقول في سردٍ منحازٍ إلى ما يراه هو: "فانفجر الصبي صائحا في قوة وعزم".
هكذا يكتسب الطفل ذو ثمانية الأعوام القوة والعزم والانفجار مع أبيه الذي يوجهه؛ لتثبيت حفظ كتاب الله!
أهذا قوة وعزم؟ أم هذا قلة تهذيب وانعدام أدب؟
أترك الجواب للمؤلف ومن يقرأ القصة!
وبعد هذه القوة والعزيمة جعل الكاتب الصبي يقول: "وأعود مرة أخرى إلى العصا الغليظة والمعاملة القاسية، وأتعلم الخضوع والمذلة والجبن؟ لا، لن أعود أبدا إلى ذلك الشيخ".
لا أدري المسوغ الفني لإعلان هذا الرأي الفج؛ فإن ضرب المعلم ليس مذلة ولا يعلم الجبن إلا في الأفلام والروايات التي تجعل من الكبت النفسي حبكة لها تأثرا بفرويد، فهل تأثر بها المؤلف؟ قد يكون.
(5)
ويستمر التلويث بالألفاظ الحكمية التي يستعملها الكاتب في سرده.
كيف؟
بعد هذه الثورة الفلسفية يصف الكاتب رد فعل الأب قائلا ص24: "لكن الأب العاقل الحكيم أدرك ما في نفس الصبي، وقرأ ما في وجهه من علامات التمرد، فخاف أن تلجئه الشدة إلى الهروب".
هكذا كانت الأسر المصرية عام 1831 كما يتصور الكاتب المتأثر بالأفلام الأمريكية!
ولا يدع المشهد حتى يضفي على سوء أدب الصبي حسنا وجمالا عندما جعل سرده على هذا النمط "وتنبه أحد إخوة الصبي إلى تفتحه، وقوة نفسه".
إن ما فعله الصبي من تفلّت تفتح وقوة نفس!
يا لسوء المخرج التعليمي لمن يتأثرون بهذه الشخصية!
(6)
واستمر ذلك الموقف المنحاز لمواقف الصبي "علي مبارك" مع تجربته الثانية مع الكاتب الذي لم يكن حظه معه أفضل من حظ الشيخ السابق؛ فقد شكاه، وتحدث عنه حديثا لا يليق بمتعلم عن معلمه.
وعندما نهره الأب جعله الكاتب مخطئا في ص 29 عندما قال: "وفات الشيخ مبارك أن يقرأ ما في وجه صغيره كما قرأه في المرة السابقة".
ولا يقتصر خطأ الأب على الغباء فقط بل امتد إلى العناد.
كيف؟
يقول الكاتب في الصفحة ذاتها: "ولم يسرع الشيخ مبارك إلى ترضية صغيره وتهدئة نفسه".
هكذا يصبح كل من حول الصبي أصحاب خطأ وتقصير، أما الصبي فلا!
(7)
بعد هذه النماذج من الفصل الثاني الذي يمتد بين ص17 وص32، والذي يمتلئ بنماذج أخرى تجعل الصبي فيلسوفا وحكيما، ومَن حوله أغبياء معاندين.
بعد هذه العينة من النماذج أسأل: ما القيمة التربوية من تعليم نشء مصر هذه القصة؟
إن الشخصية تستحق أن يعلم عنها النشء وغير النشء، لكن ليس بهذا الأسلوب، ولا بهذا الفكر- فهل تستجيب الوزارة وتعدل؟ وهل ينتبه المعلمون وينبهون تلاميذهم إلى هذه الثغرات التربوية؟
أدعو الله تعالى أن يحدث ذلك!