(1)
عندما تتصفح الكتب التربوية في مختلف العلوم التربوية من علم نفس تعلم ومناهج وطرق تدريس وتكنلوجيا تعليم وأصول تربية و ...- تجد إجماعا على أن صيغ التعليم التقدمية هي تلك التي تعتمد التعليم النشط بصوره المختلفة الكثيرة.
ما التعليم النشط؟
إنه ذلك النوع من التعليم المتمركز حول المتعلم وأنشطته وميوله واتجاهاته.
وتجد الجزء المكمل لذلك الإجماع الهجوم على الطريقة التقليدية للتعليم.
ما الطريقة التقليدية للتعليم؟
إنها تلك التي تتمركز حول المعلم والمنهج وتهمل المتعلم، وتجعل المعلم هو المصدر الوحيد للمعلومة المرسلة إلى الطالب.
تجد ذلك الإجماع بشقيه معلنا بحماسة من الأساتذة، وتجد تعبيراتهم تكاد تكون واحدة في كتبهم ومحاضراتهم.
هذا في الكتب والمحاضرات فقط!
ما معنى ذلك؟
معناه أنهم يعلنون ذلك في كتبهم فإذا ما أتوا إلى التطبيق وجدتهم يفكرون بالطريقة التقليدية التي لا تبني شخصية المتعلم ولا المعلم.
كيف؟
سأحصر التمثيل في هذا المقال في نصائحهم في علاج ذلك النوع من المواقف التعليمية التي يسأل فيها المتعلم المعلم سؤالا لا يعلمه المعلم.
ماذا يجب على المعلم في هذه الحالة؟
تجد هذا الموقف التعليمي موضوعا مهما عندهم، فبم ينصحون المعلمين؟
تجدهم يقولون: أعد السؤال إلى التلاميذ فلعل واحدا يعرفه، أو اجعل السؤال نشاطا يأتونك به الحصة القادمة التي تتيح لك وقتا تبحث فيه عن الجواب، أو أرجئ الإجابة إلى آخر الحصة التي ستنتهي من دون جواب، أو ... أو ... إلخ.
ستجد كل مقترحاتهم تدور في هذا المضمار، ولن تجدهم يقتربون من تلك الإجابة القصيرة الواضحة التي تتسق مع اتجاههم.
ما هي؟
إنها قول المعلم: لا أعلم، وسأبحث، وسآتيك بالجواب إن شاء الله تعالى الحصة القادمة.
إذا قلت ذلك صرخوا في وجهك إجماعا قائلين: يا لك من أبله معتوه!
ولئن سألتهم: لماذا أنا أبله معتوه- لقالوا: إن قولك هذا يضرّ بك عند التلميذ أو الطالب.
فإن سألتهم: كيف- فإنهم يقولون مطمئنين: إن صورتك الذهنية عنده عظيمة، وهو يظن أنك تعلم كل شيء، و....- فلا يجوز أن تصدمه.
فإن سمحوا لك أن تقول: لكنكم أفهمتمونا في كتبكم ومحاضراتكم أن التعليم النشط يكون المعلم فيه موجها ومرشدا ومصمما للمواقف التعليمية وليس ناقلا للمعرفة أو محتكرا لها، وقولي هذا يتسق مع كلامكم ولا يضرني في شيء- فإنهم يهمهمون ولا يبينون، لكنك تلمح منهم إصرارا على إجماعهم النظري الذي يتناقض مع معالجتهم المشكلات التعليمية العملية.
فإن تظاهروا بإفساح الصدر لك فقلت لهم: إن هذه التربية التي تجعل المعلم يتحايل ويهرب مما لا يعلمه تربية لا تنتج مواطنا يبني وطنه؛ لأن معلمه علَّمه أن يتركز جهده في الهرب مما لا يعرفه بدلا من العمل والاجتهاد في البحث عن جوابه، وأنها تربية تجعل المعلم إلها ينبغي له أن يعلم كل شيء، وأنها علاج من الطريقة التقليدية التي ترى المعلم مصدرا وحيدا للمعلومات، وأنها تخالف القول الحكيم: من قال: لا أعلم- فقد أفتى، و...إلخ.
وإنها تضر بالمعلم والمتعلم؛ لأن العلاقة بينهما ممتدة على مدار عام دراسي أو أكثر يمتلئ بالمواقف التعليمية التي يسبرون غور هذا المعلم فلا يرضون منه إلا بما اعتادوه ضعفا أو قوة، وإنها تخالف ما تقولونه وتكررونه من وجوب الإعداد الذهني للدرس قبل الإعداد الكتابي؛ لأن الطالب له مصادر علم كثيرة- لأنهوا الموضوع إنهاء ميتا لا يوضح الصورة وضوحا تاما.
(2)
وتخرج من كل السابق بصورة مؤداها أنهم ينقلون كلاما يخالف حقيقة الأمر ويضاد واقعهم، لكنه يوائم "المودة" التربوية المنتشرة هذه الأيام؛ فيأيها المعلم كن قويا وأجب إن حضرتك الإجابة، واعتذر إن جهلت وعِدْ بالبحث؛ لأن ذلك هو الوسيلة الصحيحة لبناء الإنسان المسلم الذي يُرجى منه النهوض بأمته!