إن الشائع والمنتشر عن اللغات أنها كالكائنات الحية تنمو وتتطور وتتغير.
هكذا بدأ الأمر في الغرب وجاء إلينا، فتبنيناه وانحزنا إليه وطبقناه على لغتنا، فتخيلنا أنها كالإنجليزية والإيطالية وغيرها من لهجات متفرعة عن اللاتينية صارت لغات. وبتنا نرى وجوب مسايرة اللغة العربية في مظاهرها المختلفة للحظة الآنية كهذه اللغات التي تتطور تطورا يجعل لها ماض منبت الصلة بحاضرها في القواعد والمعجم وغيرهما.
بات هذا مسلمة من المسلمات، فأصبح الناس يستعملون الشائع في اللغة وإن خالف الوارد عن العرب، وزاد الأمر خطورة تبني مجمع القاهرة اللغوي ذلك الاتجاه استجابة للضغط، وزاد الأمر تمتينا اعتماد المعجم الوسيط ذلك وإلغائه الحَجْر الزمني والمكاني المضروب منذ القدم لضمان الفصاحة، وصار من يرى ذلك متشددا لغويا ويمكن أن يمتد وصف الإرهابي إليه.
وكان من نتائج ذلك أن صار للعاميات مكانة في الدرس اللغوي الحديث، وباتت المحاولات تترى لإثبات فصاحة بعضها فيما يعرف بتفصيح العامية، وأصبح الدرس اللهجي الحديث شعبة كبيرة من شعب الدراسات اللغوية العلا.
بل وصل التطرف إلى الحد الذي أدى بأحد أعضاء مجمع اللغة العربية في أربعينيات القرن الماضي أن يدعو إلى استعمال الحرف اللاتيني بدلا من الحرف العربي تيسيرا كما ذهب وهمه.
والسؤال: ما انعكاس ذلك على لغة فروع اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة؟
والجواب واضح جلي.
ما هو؟
إنه تشابه اللغة التي تُنشَأ بها الموضوعات في فروع اللغة العربية مع لغة الصحافة التي لا تتبنى إلا الشائع المنتشر عقدا للصلة بينها وبين قارئها كما تتوهم، فإذا ذهبت تتصفح كتابا في مرحلة ما وجدت اللحن بكل صوره القريبة والبعيدة.
كيف؟
في العروض تجد توزيع التفاعيل على شطري البيت غير منضبط، وفي الأساليب تجد صدى الترجمة ظاهرا فيما لا تعرفه اللغة العربية الفصحى، وفي المفردات غير الاصطلاحية تجد ذلك بارزا إلى حد الابتذال غير اللائق، وفي المجال الدلالي تجد عدم الالتزام بما ورد عن العرب، و... و... إلخ مما يراه متبع الغرب شيئا غير مستغرب لكن يراه محب اللغة ابتعادا عن اللغة العربية التي ترتبط بالقرآن الكريم الذي يستوجب المحافظة على الفصيح والمُوَلَّد كما تقوله كتب النقد اللغوي قديمها وحديثها.
وهذه إشارة خالية من التمثيل والاستشهاد بعثا للغيرة اللغوية، وتدليلا على ظهور ذلك لمن يرغب معرفته، ودعوة للمعلمين إلى وضع مباحث النقد اللغوي في اهتماماتهم عند مدارستهم اللغة مع طلابهم؛ فهل ...؟