( الجزء الأول )
( أ ) مقدمة
يتكر ر مصطلح "الفصل والوصل" في بعض فروع اللغة العربية، وهو في كلٍّ يلائم ذلك الفرع اللغوي؛ مثل علم "الإملاء رسم الكلمات" حيث يعالج وصل الكلمات بعضها ببعض أو فصلها بعضها عن بعض؛ مثل فصل "لا" عن "إنْ" التفسيرية والمخففة من الثقيلة، ووصلهابـ"إنْ" غير المخففة من الثقيلة وغير التفسيرية.
ومثل علم "المعاني" – موضوع حديثنا- حيث يبحث العلاقات بين الجمل المتتالية التي لا محل لها من الإعراب من حيث العطف بينها بالواو خاصة أو ترك ذلك العطف بالواو خاصة.وقد اختلف علماء البلاغة في هذا المبحث كثيرا حول تحديد الموضوع؛ فمنهم من يرى موضوع "الفصل والوصل" يصلح للحروف والكلمات المفردة والجمل التي لها محل من الإعراب والتي ليس لها محل من الإعراب، لكن جمهور العلماء اجتمعوا على أن الموضوع يخص الجمل التي ليس لها محل من الإعراب. وهذا الرأي هو المعتمد هنا كما يظهر جليا من العنوان.
ورغم هذا الاتفاق التي تتبناه غالبية الكتب نجد اضطرابا في العرض يتمثل في إيراد أمثلة للجمل التي لها محل من الإعراب رغم نص هذه الكتب -في مقدمة هذا الفن- على أن موضوع "الفصل والوصل" يخص الجمل التي ليس لها محل من الإعراب. وليست هذه هي الملاحظة الوحيدة على هذه الكتب بل هناك ملاحظة عدم اعتماد صيغة إجرائية لهذا الفن تقترب من الاصطلاح الذي يلائم كل مباحث هذا الفن؛ إذ نجد الصيغة تقترب من تفسير المثال.
وهذا ما تمت محاولة تلافيه هنا؛ حيث تم تحري إيراد الأمثلة التي تحقق موضوع هذا الفن وهو الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وكذلك تمت مراعاة إيراد صيغة إجرائية تقترب من الصيغة الاصطلاحية لهذا الفن دون مزجها بالتفسير. ولم يكن من اهتمام هذا البحث الحرص على حشد الكثير من الأمثلة -التي تتفاوت كثرة وقلة في مباحث هذا الفن- بقدر ما كان الحرص على تحقيق السابق، وأيضا حرص البحث –بقدر الإمكان- على الخروج من مأزق إيراد أمثلة تصلح للانضواء تحت أكثر من مبحث من مباحث هذا الفن.
وقد اعتمد البحث التحليل والتقعيد عند عرض مبحث "شبه كمال الانقطاع" مما لم يتم في أيٍّ من كتب هذا الفن رغم ظهور القاعدة، هذا فضلا عن العنونة الواضحة القائمة على مبدأ أن تداخل علوم اللغة العربية يُفيد ويُوضح ويُزيد الفهم. وكذلك حرص البحث حرصا شديدا على تعميق الفهم الذي يوفر للمتذوق الآلة الإبداعية التي تجعله يتذوق باقتدار؛ لذلك لم يهتم بالحديث عن الأغراض الفنية لهذا الفن. كما حرص على تحديد الجمل تحديدا قاطعا.
وما فات هذا البحث-اضطرارا- هو تسمية الجمل التي ليس لها محل في كل مثال، وكان ذلك لغياب السياق المحدد نوع الجملة؛ لأن الأمثلة المتوافرة في الكتب أمثلة مجتزة من سياقها، مما يضيع تحديد أنواع جمل كثيرة. ولم يتم إيراد التصنيف في الجمل الواضحة لأن البحث يرغب التقعيد ولا يريد وصف البعض دون البعض؛ كما أن ضيق الوقت اضطرني إلى الالتجاء إلى أمثلة الكتب -المكررة عبر العصور- والتقيد بها ولم يفسح لي المجال لاستقراء النصوص العصرية لإيراد ما يندرج منها تحت مختلف أنواع هذا الفن.
والجمل التي لا محل لها من الإعراب –التي هي موضوع هذا الفن- يوضحها "النحو" فيذكر أنها: الابتدائية إذا كانت تعقب الصمت والاسئنافية إذا كانت تعقب معنى سابق، والاعتراضية ، وصلة الموصول، والتفسيرية، وجواب الشرط الجازم غير المقترنة بـ"الفاء" أو"إذا" الفجائية، وجواب الشرط غير الجازم، والتابعة لواحدة من التي سبقت.
وكذلك يوضح"النحو" التوابع فيذكر أنها: النعت،و العطف بنوعيه: عطف النسق وعطف البيان، والتوكيد بنوعيه: التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي، والبدل بأنواعه الثلاثة المعتمدة: بدل الكل وبدل البعض وبدل الاشتمال. ولأن الجملة لا تكون منعوتة فإن تابع "النعت" ليس له وجود في مبحث "الفصل والوصل"؛ فيتبقى التوابع الثلاثة الأخرى والتي سيتضح دورها في هذا المبحث من خلال مطلبيه -إن شاء الله تعالى- كالآتي:
المطلب الأول- الفصل وأسبابه .. تعانق النحو و المعاني

تم استبعاد تابع "النعت" قبل ذلك ، وهنا سيتم استبعاد تابع "العطف"؛ لأن "الفصل" يعني ترك عطف النسق بين الجمل المتتالية التي لا محل لها من الإعراب بالواو خاصة. إذن: سيبقى لنا: التوكيد بنوعيه، البدل بأنواعه المعتمدة في هذا المبحث، وعطف البيان. وستوضح هذه التوابع أسباب الفصل على النحو التالي:
سبب الفصل الأول- كمال الاتصال .. وتوابع التوكيد والبدل وعطف البيان
"كمال الاتصال" يعني اتحاد المعني والتوافق بين الجملتين من حيث الخبرية والإنشائية. واتحاد المعنى يتحقق من خلال التوابع الدالة على الارتباط الشديد بين المتبوع والتابع وهي تمثل ركائز كمال الاتصال على النحو التالي:
الركيزة الأولى – كمال الاتصال .. لعلاقة التوكيد
"التوكيد" هنا ليس كالتوكيد في "النحو" بصورة مطابقة بل يختلف اختلاف العلمين لكنه ينقسم إلى ذات القسمين المعروفين في النحو ، وهما:
1- التوكيد اللفظي
"التوكيد اللفظي" هنا يعني تكرار المعنى في الجملتين مع عدم الاتفاق اللفظي لهما؛ مثل قول الشاعر: [ أصون عرضي لا أدنسه ... ]؛ فقد فصل الشاعر جملة ( لا أدنسه ) عن جملة ( أصون عرضي ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية مقام التوكيد اللفظي للأولى. وقد يشتركان في الألفاظ؛ مثل [ فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا ]، حيث تم فصل جملة ( إن مع العسر يسرا ) عن جملة ( فإن مع العسر يسرا ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع التوكيد اللفظي من الأولى.
2- التوكيد المعنوي
التوكيد المعنوي هنا يتمثل جملتين مختلفتين لفظا ومعنى جزئيا لكنهما يؤكدان معنى واحدا عاما؛ مثل قول الشاعر:
[ حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار ]؛ حيث فصل الشاعر جملة ( ما هذه الدنيا ... ) عن جملة ( حكم المنية ... ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع التوكيد المعنوي للأولى.

الركيزة الثانية- كمال الاتصال .. لعلاقة البدلية
اتباعا لمن يسقطون البدل المطابق من هذا المبحث نقصر الحديث على النوعين الباقيين منه، وهما:
1- بدل البعض
بدل البعض يتمثل في كون الجملة الثانية تعالج بعض الجملة الأولى؛ مثل [ واتقوا الذي أمدكم بما تعملون. أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون ]؛ حيث فصل جملة ( أمدكم بأنعام ... ) عن جملة ( واتقوا الذي ... ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع بدل البعض من الأولى. ومثل قوله تعالى: [ يدبر الأمر يفصل الآيات ]؛ حيث فصل جملة ( يفصل الآيات ) عن جملة ( يدبر الأمر ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع بدل البعض من الأولى.

2- بدل الاشتمال
بدل الاشتمال يتمثل في كون الجملة الثانية أحد مستلزمات ومشتملات الجملة الأولى؛ مثل قوله تعالى:[ قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ]؛ حيث فصل جملة ( اتبعوا من لا ... ) عن جملة ( اتبعوا المرسلين ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع بدل الاشتمال من الأولى.
ومثل قول الشاعر:
[ رويد بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدا خيلي على صفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى إذا ما غدت في المأزق الداني ]
حيث فصل جملة ( تلاقوا جيادا ... ) عن جملة ( تلاقوا غدا ... ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع بدل الاشتمال من الأولى.

الركيزة الثالثة- كمال الاتصال .. لعلاقة عطف البيان
إذا كان في الجملة الأولى خفاء وإبهام وأزالت الجملة الثانية هذا الخفاء وأوضحت هذا الإبهام فإنها تكون عطف بيان للأولى؛ مثل قوله تعالى: [ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ]؛ حيث فصل جملة ( قال يا آدم ... ) عن جملة ( وسوس إليه الشيطان ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع عطف البيان من الأولى.
ومثل قول الشاعر:
[ كفى زاجرا للمرء أيام دهره تروح له بالواعظات وتغتدي ]؛ حيث فصل الشاعر جملة ( تروح له ... ) عن جملة ( كفى زاجرا ... ) لكمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع عطف البيان من الأولى.

سبب الفصل الثاني- شبه كمال الانقطاع .. وتابع العطف الغائب
إذا أدى عطف جملة على أخرى إلى غموض أو معنى غير مراد يُترك الوصل الذي هو العطف بالواو، ويُلجأ إلى الفصل الذي هو ترك العطف. متى يحدث ذلك؟ إذا وُجدت جملتان قبل الجملة المعطوفة وكان المراد عطف هذه الجملة على الجملة الأولى لمناسبة بينهما، لكن هذا العطف قد يوهم عطفها على الجملة الثانية لقربها منها، وهذا يكون غير مراد فيتحتم الفصل الذي هو ترك الوصل. متى يحدث ذلك؟ يحدث ذلك في الآتي:
1- الجمل الاسمية المنسوخة بناسخ ناصب لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر
النواسخ الفعلية التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر إذا كانت أخبارها جملا – أدى ذلك إلى تجاور ثلاثة جمل هي: جملة الناسخ وجملة الخبر والجملة المراد عطفها. علام يراد عطفها؟ على جملة الناسخ. ماذا يحدث لو تم العطف؟ أوهم ذلك العطف عطفها على جملة الخبر القريبة منها وهذا غير مراد؛ لذا يتحتم الفصل؛ مثل قول الشاعر:
[ وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الظلام تهيم ]؛ حيث فصل جملة ( أراها ... ) عن جملة ( وتظن سلمى ... ) لشبه كمال الانقطاع بينهما دفعا لوهم عطفها على جملة ( أبغي بها ) التي هي من مظنونات سلمى فتكون جملة ( أراها ... ) هي الأخرى من مظنوناته ، وهذا غير مراد لأن جملة ( أراها ... ) هي رد الشاعر على محبوبته.
2- الجملة التالية لجملة مقول القول
الفعل " قال" تتبعه جملة تكون في محل نصب مقول القول، وإذا جاء بعدها جملة يصح عطفها على جملة القول، وكان هذا العطف موهم العطف على جملة مقول القول للقرب بينهما تحتم الفصل؛ مثل الشاعر:
[ يقولون إني أحمل الضيم عندهم أعوذ بربي أن يضام نظيري ]؛ حيث فصل الشاعر جملة ( أعوذ بربي ... ) عن جملة ( يقولون ... ) لشبه كمال الانقطاع ودفعا لوهم عطفها على جملة ( إني أحمل ... ) للقرب بينهما، وهذا غير مراد لأن جملة ( أعوذ ... ) هي رد الشاعر على قولهم وليست من قولهم.

سبب الفصل الثالث- شبه كمال الاتصال.. والجملة الاستئنافية
إذا كانت الجملة الثانية متفقة مع الأولى في الخبرية والإنشائية وتصلح – بمعونة القرائن والسياق – أن تكون جوابا عن سؤال يُفهم من الأولى – وجب الفصل لشبه كمال الاتصال بينهما؛ مثل قول الشاعر:
[ السبف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب ]؛ حيث فصل الشاعر جملة ( في حده الحد ... ) عن جملة ( السيف أصدق ... ) لشبه كمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع جواب يُفهم من الأولى؛ وهو:كيف ذلك؟. ومثل قول الشاعر:
[ وما عفت الرياح له محلا عفاه من حدا بهم وساقا ]؛ حيث فصل جملة ( عفاه ... ) عن جملة ( وما عفت ... ) لشبه كمال الاتصال بينهما لوقوع الثانية موقع جواب يُفهم من الأولى؛ وهو: ومن عفاه؟ .
سبب الفصل الرابع-كمال الانقطاع بلا إيهام .. والاختلاف في الخبرية والإنشائية
إذا اختلفت الجملتان من حيث الخبرية والإنشائية تم الفصل – إذا كان غير موهم شيئا غير مراد- سواء أكانت الخبرية والإنشائية في اللفظ والمعنى معا أم في المعنى فقط دون اللفظ. وفي الإنشاء يسبق الكلام الحدث وفي الخبر يأتي الكلام بعد الحدث. والإنشاء ينقسم إلى: إنشاء طلبي حيث يُنتظر حصول شيء، ويتحقق ذلك في: النداء والاستفهام والنهي والأمر والتمني.
وإلى إنشاء غير طلبي حيث يكون المقصود منه إنشاء وإيجاد المعنى المراد بعد أن كان غير موجود فقط؛ فهو إنشاء تعبيري فقط. ويتحقق في: الشرط والذم والمدح والتعجب والإغراء والتحذير. فإذا جاءت جملة فيها شيء من السابق فهي إنشائية لفظا وإن كان معناها مقصودا فهي إنشائية معنى أيضا، أما إذا كان اللفظ كذلك والمعنى خبري كالتقرير مثلا كانت الجملة إنشائية لفظا خبرية معنى.
والجملة الخبرية هي الجملة الاسمية المثبتة والمؤكدة والمنفية والمنسوخة، والفعلية التي ليس فعلها فعل تعجب ولا فعل ذم ولا فعل مدح ولا فعل شرط ولا فعل إغراء ولا فعل تحذير. إذا جاءت على هذه الهيئة فهي خبرية لفظا، وإن كان معناها خبريا كانت خبرية لفظا ومعنى، وأما إذا كانت خبرية لفظا ومعناها إنشائي فهي خبرية لفظا إنشائية معنى كالجمل التي يُقصد منها الدعاء. ولاستعراض ذلك تفصيلا يتم مراجعة بابي الخبر والإنشاء في علم المعاني.
ويتم ذلك على النحو الآتي:
1- الخبرية والإنشائية متحققة في اللفظ والمعنى معا في الجملتين المفصولتين
إذا كانت الجملتان إحداهما خبرية لفظا ومعنى والأخرى إنشائية لفظا ومعنى يتم الفصل؛ مثل قوله تعالى: [ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن ]؛ حيث فصل جملة ( ادفع ... ) عن جملة ( ولا تستوي ... ) لكمال الانقطاع بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء.
2- الجملتان خبريتان لفظا وإحداهما خبرية معنى والأخرى إنشائية معنى
وذلك مثل قول الشاعر:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
فصل جملة ( لا بارك الله ... ) عن جملة ( أصون عرضي ... ) لكمال الانقطاع بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء.