(1)
ما أقسى شيء؟
إنه أن يأتيك الألم ممن يتوقع منه السعادة؛ فلا تملك البوح ولا الشكوى، وتظل مقهورا بمفاجأة المصدر وعدم القدرة على البوح حتى يحدث الانفجار.
وقبل الانفجار تحدث الغربة النفسية التي تجعل الشخص شخصين أو أكثر، يعيش زمنين: زمن العالم من حوله، وزمن شعوره اليائس المحبط.
فإذا أردنا تصوير هذا المعنى قصصا أدبية فما زاوية الحكي والسرد؟
إنها زاوية المتكلم.
لماذا؟
لأنها أضيق الزوايا رؤية ومساحة.
كيف؟
إنها لا تعلم عن الخارج إلا السطح، ولا يهمها الغوص في الخارج؛ لانشغالها بالغوص في ألمها لعلها تُحدث توافقا نفسيا بتلمس العذر للذات فيما تعانيه وتضخيمه خحتى تسوغ لنفسها الانفجار الذي يعيد لها بعض اتزانها بانتقامها ممن أحدث بها هذا القهر النفسي الخفي.
(2)
وهذا ما يميز الأديبة مريم الضاني في مجموعتها الجديدة.
كيف؟
إن نغْمتها هي نغمة القهر المؤدي إلى الغربة النفسية وعدم البوح إلا البوح الداخلي؛ لذا اختارات لها وجهة نظر المتكلم الذي تملأ ذاته لحظته فلا يهمه من الآخر القاهر إلا رد قهره مهما كان الآخر.
كيف؟
قد يكون الآخر أختا كما في قصة "ثمن"، وقد يكون رفيقة درب وصاحبة حياة كما في قصة "لحظة بوح"، وقد يكون أما كما في قصة "خادم"، وقد يكون حلم حياة كما في قصة "وظيفة سهلة"، وقد يكون زوجا كما في قصة "غبار"، وقد يكون خصلة ذميمة كما في قصة "حريق"، وقد يكون رجلا في وعد زواج لم يتم كما في قصة "لم يكن حلما"، وقد يكون خوف السلطة كما في قصة "خوف".
في ثماني القصص السابقة ظلت العلاقة علاقة عناد والسمة سمة تواز لا التقاء فيه، ولم ينكسر ذلك إلا في الاستثناء الوحيد المتمثل في قصة "قرار" التي صالح فيها الواقع الشخصية المقهورة فرضيت به ولم تستمر في محاولة مفارقته.
(3)
هكذا نجد ذلك النوع من الغربة هو السائد في هذه القصص القصيرة التي لم يزد أطولها عن 1512 كلمة.
ماذا يعني هذا؟
يعني الأزمة.
كيف؟
إن الأزمة تظهر واضحة في العناوين من وجهين.
ما هما؟
أولهما قصر العنوان فهو كلمة واحدة إلا في قصتين فقط هما "وظيفة سهلة، ولم يكن حلما"، وآخرهما مادة الكلمة.
كيف؟
تأمل العناوين الآتية " ثمن، وقرار، ولحظة بوح، وخادم، ووظيفة سهلة، وغبار، وحريق، وخوف، ولم يكن حلما".
ماذا يسترعي الاهتمام؟
إن أول ما يبدهك قارئا أنها كلها مشعرة بالمسئولية التي تعني نوعا من الحساب وإن كان عاجزا؛ فـ"ثمن" تحمل إليك نتيجة علاقة غير عادلة، و"وقرار" تُوقفك على مخاصمة الهزيمة، و"خادم" تُشعرك بغرابة العلاقة بين الابن الخادم والأم المخدومة، و"وظيفة سهلة" تنبئك نبأ ذلك المتعالي المنطوي، و"غبار" تُعلمك تراكم طبقات غير محبوبة على شيء محبوب فتطمسه، و"حريق" تجعلك تتمثل النار التي لا ترحم من يعترضها، و"خوف" تبرز ذلك الشعور الذي لا تخلو منه حياة لكنه عندما يصبح سمة الحياة فما أقساها من حياة، و"لم يكن حلما" ينقل إليك قسوة الواقع الصادم النازع.
وهكذا تتفاعل كلمات العناوين مع أحداث الموضوع لتجعلك تعيش مأساة تلك الشخصيات المغتربة ذلك النوع القاسي من الغربة.
كيف
(4)
يتبع