التربية الإيجابية (من الطفولة حتى البلوغ)
********

مدخل
"إذا كان ثمة شيء نسعى لتغييره في الطفل، فينبغي أولاً أن نبحث عنه داخل انفسنا ثم نغيره"كارل جانج
الأمهات الفاضلات، الأباء الكرام، المعلمون والمربون الأعزاء؛
اصطحبكم بين طيات هذا الكتاب الى عالم اخر؛ عالم جديد استقى معلوماته وأفكاره من التكنولوجيا والدراسات والأبحاث العلمية الحديثة، نهل من الماضي صفة الجمال فحسب، وتحرر من الأخطاء الموروثة، التى حسبها الفرد صواب. إن كل دراسة جديدة في هذا الموضوع، تظهر لنا حتمية انحنائنا لتأثير تشكيل أهمية التربية الإيجابية على مستقبل الطفل. ارغب في هذا الكتاب ان اساهم في تربية اطفال المستقبل وتنشئتهم تنشئة سليمة، وإحلال الأمن والسلام الاجتماعي في ربوع المعمورة، وزيادة نجاح تركيا، والمساهمة في تحقيق السلام العالمي قدر المستطاع.
عزيزي القارئ، لكي اضع هذا الكتاب بين يديك، سبرتٌ أغوار ثقافات من شتى انحاء المعمورة، وحللتُ وجهات نظر اكاديمية مختلفة، ولم يفوتني أيضاً تصفح العديد من الكتب والمقالات المؤلفة حول هذا الموضوع. ولا غرو أن التربية الإجتماعية "تربية الطفل بالتعليم" موضوع في غاية الأهمية، ويجب أن يُدرج ضمن المتطلبات الأساسية للنمو المتكامل للطفل. ومن ثمّ، عقدت العزم على البحث والتدقيق بغية أن اقدم لكم آراء واقتراحات الأمريكيون واليابانيون والأوروبيون والأفريقيون المتعلقة بالتربية الإجتماعية، ونتائج منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بخصوص سلوكياتنا تجاه الأطفال, وآراء باحثين تنمية الطفل وعلماء النفس وأطباء النفس ووجهة نظر الدين الإسلامي في هذا الموضوع.
شاهدت وتابعت عن كثب خُطوات تطبيق التربية الإجتماعية في كل من تركيا، وأمريكا، واليابان وبلغاريا. كما استفدت من خبراتي الذاتية بإعتباري أم لطفلة صغيرة واخرى بالغة، وجربت بنفسي النصائح والاقتراحات التي اقدمها لكم. والحقت كل هذه الاقتراحات والتوصيات في جزء صغير من هذا الكتاب، واحسب إني إذ قدمتها بشكل مُبسط وغير مُسهب ستكون لها فائدة جمّة لدى القارئ الكريم.
حسب قراءاتي ومشاهاداتي وخبراتي من الحياة فثمة صيغة لتربية وتنشئة اطفالنا تنشئة صحيحة. أجل، إنها صيغة واحدة! وفي الحقيقة كل شخص يقول ذات الشيء، فحتى أبسط العبارت – وإن نساها الطفل - فلا تزال عالقة بذهنه؛ حيث ان اساءة المعاملة للطفل وتوبيخه وجرح مشاعره بكلمة أو بشكل ما، يؤثر سلباً على نموه ونجاحه. ولكن، إن قمتم بعمل كل ما يطلبه طفلكم منكم، فعندما يشب ويكبر فيجب ألا تنتظروا منه شيئاً. لكن محاولة التقرب من طفلكم ومعاملته بصبر ودعامة وإيجابية تؤثر على نموه ونجاحه لاحقاً بشكل إيجابي.
ومن ثمّ، فاقترح عليكم اطلاق فترة التربية الإجتماعية، فهي في ذات الوقت نمط من أنماط الحياة. وحينئذ يتيسر لكم فهم وإدراك سلوكيات طفلكم على النحو الصحيح. ودعوني في هذا المقام أن اطرح عليكم سؤالا: إن وجدتم زهرة قد أوشكت على الذبول، فهل يا تُرى تقطفون أوراقها أم تسقونها لتبادلكم الوفاء برائحتها العطرة؟ فعلى غرار هذا النهج لا بد أن نتبع هذا النمط، كما في المثال السابق، مع أطفالنا. أمّا إذا بدر منهم أية سلوكيات خاطئة، فقد يعني هذا أن ثمة رسالة لديهم يودون أن يوجههوها إليكم. إن ما أهدف إليه في هذا الكتاب هو المساهمة في تفهمكم لسلوكيات وتصرفات طفلكم جيداً وترسيخ العلاقة بينكم وتربيتهم وتنشئتهم نشئة سليمة.
في البداية عليكم أن تلاحظوا عاداتكم في العلاقة مع طفلكم ونمط الاتصال معه. وإن كنتم تتبعون مع طفلكم تصرف من التصرفات التالية، فرجاء الابتعاد عنها على الفور:
• الكذب عليه،
• تخويفه،
• الصراخ في وجهه،
• إساءة التصرف إليه،
• ضربه،
• جرح مشاعره،
• خداعه،
• معاقبته،
• محاولة تأكيله الطعام أو بلعه اجبارياً،
• اسكاته لمدة طويلة،
• تهديده بتركه أو طرده من المنزل،
• القيام بعمل ما يلزم أن يقوم بعمله،
• الباس وتغذية الطفل المتوسط الذكاء وغير معاق وبلغ 4 سنوات،
• اتخاذ القرار بدلاً منه،
• عدم قول "لا" عند اللزوم أو قيامكم بأي شيء يريده،
• قيامكم بعمل ما يريده الطفل الذي تخطى عمره السنتين بمجرد أن يبكي.
استطيع أن اخمن ردود أفعال البعض منكم تجاه ما قدمته من مقترحات. وقد ترددون الآن واحدة من تلك العبارات التي بتنا نسمعها من الجميع: "من الصعب أن اتعامل مع طفلي هكذا"، "إن لم افعل هكذا سيكون طفلي مُدلل"، "أمي وأبي كانا دائماً يضرباني". ولهذا لا اريد أبداً أن اوبخ طفلي بكلمة أو اسيئ إليه. افعل كل مايريده، أليس طفلاً صغيراً...
أعي جيداً كل ما قلتموه، لكن ثمة نقطة هامة ينبغي ذكرها ألا وهي إنكم كبرتم ونشئتم على سماع كلمات باتت تلوكها ألسنة أبائنا وأمهاتنا، فتجد من يقول إن كان لك طفل فحتماً سيكون عندك متاعب. الأمر الذي يجعلكم تواجهون مشكلات في التفكير الإيجابي في تربية الطفل. كما أود أن اخبركم بأن وراء المقترحات التي قدمتها مئات الأبحاث والمؤسسات. وعلى سبيل المثال لا الحصر:
تقرير منظمة الصحة العالمية: لقد اظهرت الدراسات أن نمو مخ الطفل يتغير فسيولوجيا لأنه دائما ما يكون تحت ضغط أو توتر عصبي. حيث أن سوء المعاملة للطفل، والحالات التي تتسبب في ضغط مفاجئ أو ضغط لفترات طويلة، تضر بنمو مخه، وتؤثر سلباً على نموه الجسدي والمعرفي والعاطفي والإجتماعي.
تقرير الأمم المتحدة: يأتي العنف على رأس أهم الأسباب التي تؤدي الى الفقر والجهل والوفاة في سن مبكر. حيث أن نتائج وأضرار العنف النفسية والعاطفية والجسدية تجعل الطفل عاجزاً عن القيام بممارسة طاقته الحقيقية. فضلاً عن ذلك فالعنف ضد الأطفال يمحي أمل تطور الدولة وتقدمها.
الأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال: لا شك أن العنف ضد الأطفال يؤلم أرواحهم ألماً شديداً، ويسفر عن إعتقاد خاطئ للذين يعتقدون أن حل المشكلات مع الطفل تكون بالغضب أو الإساءة اللفظية. والأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال ترفض تماماً ممارسة العنف ضد الأطفال، ولكي تعيق الأكاديمية مثل هذه التصرفات والسلوكيات البشعة، فهي توصي وتقترح على الأسر تعليم طرق التربية الإيجابية.
جامعة هارفارد: إن جميع الأطفال يخافون من الظلام والأجسام الكبيرة والأشخاص الغريبة عنهم. ومثل هذه المخاوف تعتبر جزء من مرحلة نمو الطفل، وهي فترة مؤقتة. ومن جهة اخرى فقد تتسبب الأسر في خلق مخاوف وحالات تهديد لدى الطفل التي تؤدي الى آثار سلبية تدوم لمدة سنوات طويلة. وعندئذ يصعب على الطفل التخلص من هذا التأثير بسهولة. وخير دليل على ذلك حالات سوء معاملة الأب والأم داخل البيت، أو العنف والتهديدات التي يشهدها الطفل في مجتمعه، وكل ذلك يؤثر سلباً على الأطفال لفترات طويلة في حياتهم.
إن محاولة تأكيله الطعام أو بلعه اجبارياً أو اسكاته لمدة طويلة تسبب لديه توتر. حيث أن الأطفال المصابون بالتوتر يمكن أن يصدر عنهم حالات سلبية مثل الأرق، والصياح بصوت عالٍ ونوبات غضب. وبدلاً من أن تنشئ الأسرة طفلا واعياً، فقد تجدها انشأت طفلاً غير مطيع لأوامرهم. وقد تجده يائس، ومكتئب وغير مطيع لهم.
معظم الأباء والأمهات يستقون من خبرات طفولتهم ليربون أطفالهم. ويطبقون النماذج التي شاهدوها من أبائهم وأمهاتهم ومن الأسر والأصدقاء الأخرين.وعادةً ما تختلف أشكال المواقف التي تتخذها الأسرة تجاه أفعال وسلوكيات أطفالهم من أعمال وأعباء يكلفونهم بها. والطفل دائماً يكتسب السلوكيات والتصرفات من الأشخاص البالغين، حيث أنه يشاهدهم فيقلد ما يفعلونه، ويستمع إليهم فيتكلم مثلهم. بالإضافة الى أن الطفل يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وبما حوله من اصدقاء.
وهذا ما يشكل حلقة مفرغة في تربية الأجيال الجديدة. ونظراً لأن البعض يظن أن هذه الطريقة هي الأفضل على الإطلاق ولم يتعرفوا على الطرق الاخرى، فتتسبب هذه الطريقة الخاطئة في اعادة تلك السلوكيات الخاطئة الموروثة منذ القدم.
ولهذا السبب فإن تعليم الأباء والأمهات وتلقينهم وغرسهم في طفلهم قيم إيجابية لا شكّ انها نقطة في غاية الأهمية. لذا فلكي نربي طفلنا تربية سليمة وننشئه نشئة قويمة فيجب ألا نحذو حذو أخطاء اجدادنا ونكررها، بل علينا أن نسفيد من الأبحاث العلمية. كل الأطفال يشعرون بحاجة الى الأجواء الآمنة اللطيفة، فالطفل الذي ينشأ على معاملة إنسانية طيبة، لا شك أن تصرفاته وسلوكياته ستكون إنسانية وعقلانية في الكبر. وهذا ليس من الضروري أن يعني إننا نكن مطعين وملبين لكل رغبات الطفل، بل على النقيض من ذلك فكل الأطفال الذين طاعت لأوامرهم اسرهم تتشكل لديهم مشاكل كثيرة في حياتهم مع مرور الزمن.
ستجدون بين طيات هذا الكتاب العديد من الطرق لتربية أطفالكم تربية إيجابية دون الإساة لهم بكلمات موبخة أو ضربهم أو اشعارهم بأنهم اشخاص تافهون وسيئون.
وللاستفادة من هذه الطرق على أكمل وجه ممكن، فينبغي أن يكون ثمة رابطاً قوياً بينكم وبين طفلكم. إذ إن الطفل الذي يحب والديه يرغب دائماً أن يسعدهما. والطفل الذي تجمعه بوالديه علاقة سيئة لا يكترث لمطلباتهما، ولا يستطيع السيطرة على ذاته. حيث يرى خبير ياباني أنه لا بد أن تتوافر في الأب والأم ثلاث صفات مهمة: يجب عليهما أن يسيرا أمام أطفالهم وخلفهم وبجوارهم، وأن يكونا مرشدا ودليلاً لهم، ودعامة يرتكزون عليها دائماً، وصديقاً وفيّا بجوارهم.
والأهم من ذلك، على الأسرة أن تلبي احتياجات اطفالها في كل مرحلة من أعمارهم. لأن وراء كل تصرف أو سلوكيات خاطئة طلب أو احتياج.

التربية والعقاب
التربية من أهم الوظائف التي تقع على عاتق الوالدين. فطريقة تربية الطفل تؤثر على شخصيته وعلاقاته ونجاحه في حياته على مدى بعيد. وقد يظن بعض الوالدين أن مفهوم التربية وعقاب الأطفال شيئا واحداً، يكمل كل منهما الآخر. ومن المحتمل أن تكون قد نشأت مثل هذه الأفكار من اعتقاد خاطئ كالذين يقولون لكي اكون أم ناجحة أو أب ناجح عليّ أن اخضع طفلي لمراقبة صارمة، وإن لم يطعني ويصغي الى كلامي لابد أن اعاقبه.
بيد أن مفهوم كلمة "التربية" يحمل في طياته مفهوم الإرشادات وكيفية تعليم الطفل عمل الشيء وتلقينه. والهدف من تربية الطفل هو تطويره لمهارات السيطرة على النفس ذاتياً، وغرس مبادئ الثقة في النفس والشعور بالمسؤولية وأداء واجبه.
والكلمات كالإنسان، تتغير بمرور الزمان وتكتسب معانٍ جديدة لتحمل في طياتها أبعاد اخرى. ومن المحتمل أن الخلط والمزج بين مفهوم التربية والعقاب قد نجم عن الفكرة السائدة قديماً "لا يتعلم الطفل إلا إذا عاقبته".
لقد مضت العصور المظلمة منذ قديم الأزل. والآن، في ظل عصر الاتصال، لدينا فرصة جيدة للتخلص من الأخطاء القديمة التي باتت في عقول بعض الناس صحيحة، ولكنها غير ذلك. واليوم، نعرف أن التربية المناسبة للطفل تساعده على معرفة اخطائه التي يرتكبها، وتركز على انتاجه حلول؛ إذ تمكنه من السيطرة على سلوكياته، وحل مشكلاته بذاته. ولا ريب أن التربية مُعاون هام لتحويل الأنماط السلوكية الصحيحة للتربية الى عادة دائمة لدى الطفل. وباختصار يمكن القول إن التربية هي تنشئة الطفل للسيطرة على انفعالاته وسلوكياته، وتلقينه أساليب التربية والتعليم.
إن التربية المناسبة للطفل تساعده على معرفة اخطائه التي يرتكبها، وتركز على انتاجه حلول جديدة عن طريق السيطرة على سلوكياته وحل مشكلاته بذاته.
عدم اعجاب طفل من سلوكيات وتصرفات شخص أكبر منه سناً واقوي منه جسماً يعامله بطريقة مؤلمة. فالعقاب أسلوب سيطرة على الذات.
ومن ناحية اخرى، نجد بعض الأباء يفرطون في التسامح تجاه سلوكيات أطفالهم، ويأذنون لهم بعمل كل ما يريدونه. الأمر الذي يضر بقدرة الطفل على السيطرة على تصرفاته وسلوكياته. فلو اصبح الطفل غير منظم في سلوكياته فلا يشعر بتاتاً بالثقة في النفس، وإذا لم يتمكن الوالدين من السيطرة على الطفل في سن مبكرة، فحينما يكبر، سيعرفون مدى خطورة ذلك، وحينئذ سيدركون عدم سيطرة طفلهم على الأحداث التي تطرأ عليه. ومع مرور الوقت يتحول هذا الخوف الى غضب.
العقاب
ارجعوا بالذاكرة الآن لمدة دقيقة لتذكر شئ فعلتموه وعوقبتم عليه. ما هو الشعور الذي سيطر عليكم بعد أن عوقبتم؟
أي من هذه الإختيارات بالأسفل يعبر بطريقة صحيحة عن مشاعركم في تلك اللحظة؟
1) أعلم أنني سئ وعديم القيمة, وأعرف أنني ليست جيدًا بالقدر الكاف, عليّ أن أحاول أكثر لإرضاء الناس.
2) سأكون حذرًا وأتحمل المشاق كي لا أضبط مجددًا.
3) أبتلك الطريقة تعاقبونني؟؟ حسنًا.. ربما لن أكرر هذا الفعل مجددًا لكنني سأجعلكم تدفعون الثمن!

يفكر الطفل - عامة - بعد أن يُعاقب بواحدة من تلك الإختيارات، وبناءًا عليها يتخذ القرار بشكل مناسب. لا يتعلم أي شئ عن السلوك الذي عوقب عليه. وعدم تكراره لهذا السلوك يكون نابعًا إما من الخوف أو من احساسه بعدم قيمته. وينتهز الوقت والمكان المناسب ليكرر هذا السلوك أو ليثائر من شيء ما دون أن ترونه.
واثبتت أبحاث عديدة هامة أن عقاب الطفل بالضرب يدفعه للهجوم على الآخرين من أصدقائه وضربهم. كما اكدت أن الأسرة التي تتدخل في تصرفات وسلوكيات طفلها، وتعامله بقسوة واستبداد فتكون سلوكيات طفلها أسوأ مقارنة بالطفل الذي ربته اسرته على الحبّ وغرست لديه قيم إيجابية. لكن الأسرة المستبدة القاسية في تربية طفلها، قد تظن أن عقاب الطفل شيء غير كافٍ، وتمارس مع طفلها عقابات أكثر شدة من. وحصيلة ذلك أنه تزداد لدى الطفل خطورة سلوك رد الفعل الذي تنمو لديه مع الوقت، وتدخل سلوكياته الخاطئة - الثأر لنفسه من الآخرين - في حلقة مفرغة.
لا تنتهي الآثار الضارة للسلوكيات العقابية لدى الأطفال عند هذا الحد فحسب؛ فحين يظن البعض من الناس أن تلك الحلقة المفرغة قد تحسنت، تجد هؤلاء الأولاد عندما يبلغون سن الشباب يعاقبون اسرهم ويضرون انفسهم، ويحاولون أن يثأرون لأنفسهم بتعاطي المخدرات، أو وقوع الفتاة في الخطيئة مع فتى فتحبل منه دون أن يتزوجها، أو هروب الفتى أو الفتاة من منزله. أمّا الأمر المؤلم في هذا الموضوع هو أن الشاب يظن أنه إذا فعل ذلك يثأر لنفسه لكنه بذلك يضر ويؤذي نفسه واسرته في الآن معاً.
إن أطفالنا الصغار الذين نصفهم بأنهم اشقياء تصدر عنهم تصرفات تبدو لنا غريبة وساذجة، لكنها تصدر ببراءة طاهرة، فالطفل يصدر عنه سلوك مثل ضربه للاخر أو عضه، ذلك لأنه لم يعرف كيف يعبر أو يعرب عما بداخله للاخر. وثمة وجه آخر لأسلوب العقاب يمكن تطبيقه في تربية الأطفال.
يتعلق الطفل بوالديه تعلقاً شديداً جداً، فيعتقد الطفل أنه والدته تسعد إذا ما صدر عنه حركات شقاوة، وإذا لم يفعل ذلك لم تهتم به، لأنه إذا عاقبته أمه على شقاوته فيشعر الطفل بسعادة بالغة من ذلك؛ حيث أن بعض الأباء والأمهات يهملون أولادهم ولا ينظرون إليهم حينما يقرؤن كتاب أو يلعبون بألعابهم، ويهتمون بأعمالهم الخاصة بهم. لكن إذا ما بدأ الطفل في الصراخ أو الجري داخل البيت، لا شكّ أن ذلك سيجذب اهتمام الاسرة، ولو فرضنا جدلاً أن اهتمام الوالدين للطفل مثل الخبز، فيفضل الطفل الخبز غير الطازج على أن يتضور جوعاً. وإذا ما فكرنا أننا عاقبناهم فيجب علينا أن لا يغيب عن عقولنا أننا كافئناهم باهتمامنا لهم.
اريد أن اخط لكم سيناريو كالتالي:
لنفرض أنك بدأت في وظيفة جديد، وكل ما عليك هو عمل الشاي وتقديمه لمدريك في العمل. فنظراً لأنها مهنة، كما نرى، بسيطة الى حد ما، فلا نجد شخص يعلمنا إيّاها. وذات يوم طلب منك مديرك في العمل كوب من الشاي، ولكنه بمجرد أن يحتسيه ويدرك أنك لست أهلا لعمل الشاي، وأنك لم تقم بعمله كما يحلو له، فألفيته يصرخ في وجهك غاضباً. وبعدها يسدي لك نصائح لطريقة عمل الشاي بشكل أفضل، لكنك حينها ستكون منفعلاً وقلقاً بسبب صريخه، وقد لا تلقى بالا لما يقوله. وفي اليوم التالي، قد يقول لك مديرك إنه إن لم تقم هذه المرة بعمل الشاي كما اريد سأطردك من العمل. مع أنه لا يوجد شخص يوجهك لطريقة عمل الشاي، فيتعسر عليك اجتياز الفرصة التي اتاحها لك مديرك. ويستشيط غضباً، معلنا لك فشلك في الوظيفة ثم يطردك من العمل. والسؤال الآن: ماذا تشعر في هذا الموقف؟ هل حينها ستكون قد تعلمت طريقة عمل الشاي؟ أم تشعر بالظلم ومعاملة الاخر لك بتفاهة، فتحاول أن تأخذ بثأرك منه؟
إن أطفالنا الصغار الذين نصفهم بأنهم أشقياء تصدر عنهم تصرفات تبدو لنا غريبة وساذجة، لكنها تصدر ببراءة طاهرة؛ فالطفل يصدر عنه سلوك مثل ضربه لغيره أو عضه، ذلك لأنه لم يعرف كيف يعبر أو يعرب عما بداخله للاخر. وإذا قمنا بالصراخ في وجههم وتوبيخهم والإساءة إليهم بغية أن نربيهم بدلاً من أن نعلمهم أخطائهم، ربما يعدلون عن شقاوتهم لأنهم حينها سيخافون من صريخكم، ولكنهم لا يتعلمون ما ينبغي عليهم فعله، وقد تسيء علاقاتهم معكم لفترة طويلة.
وإذا كنتم تفضلون أن تصرخون في وجوههم وتسيئون إليهم بألفاظ بذيئة فربما يثأرون لذلك مستقبلاً أو يداومون على ممارسة هذا السلوك سراً مع اشخاص آخرين. أو يقررون أن لا يفعلوه مرة اخرى خوفاً منكم ونظرتكم إليهم على أنهم تافهون.

لماذا يجب علينا أن نكون إيجابيين؟
إن الأشخاص الذين يغذون المشاعر الإيجابية بداخلهم أكثر نجاحًا وإجتماعية داخل محيط علاقاتهم, وينظرون لأنفسهم وللآخرين نظرة إيجابية. تساعدنا المشاعر الإيجابية في التعامل مع المواقف الصعبة وحل المشاكل وأيضًا في الإبداع!
لو كنتم ترون الإيجابية هي كونكم متفائلين دائمًا بداع أو بغير داع, أو إن كنتم فخورين بكونكم واقعيين, فإني أنصحكم أن تعيدوا التفكير, على الأقل لا تغرسوا في نفوس صغاركم مدى صعوبة حياتهم ومدي سوء الناس وعن مقدار كون الحياة مكان مخيف. لن تستطيعوا بهذه الطريقة السلبية والهدامة أن تجهزوا صغاركم للحياة, فقط تضمنون كونهم مرضى ومحبطين في المستقبل.
من أين أدري؟؟ لأني أطلع على أبحاث علمية! , في كونكم إيجابيين فوائد لا تعد ولا تحصى! فالأشخاص الإيجابيين والمتفائلين يكونون أكثر صحة وسعادة ويعيشون لفترة أطول. إنشأ مجال خبرة علمي متعلق بهذا الموضوع باسم "علم النفس الإيجابي".
بعض الأمثلة من الدراسات العلمية :
•معظم الأشخاص خاصة الصحيين منهم سعيدون بأنفسهم جدًا ويفكرون كيف يصبحون أكثر صحة! وكونهم أكثر صحة مرتبط بهذه التخيلات الإيجابية.
•وقد أثبتت في نتائج الفحوص الطبية لإشخاص أكثر إيجابية كونهم أكثر صحة, حتى أنهم أصحاب مناعة أكثر قوة. وضغط دمهم أكثر اتزانًا، وعندما يمرضون يتطور المرض ببطئ ويعيشون لفترة أطول.
•الأشخاص الإيجابيين عامة أكثر سعادة, وترتفع مستويات أكتفائهم بعلاقاتهم الخاصة, ويكونون أصحاب عزيمة قوية في عملهم, واصحاب سعة أكبر للتغلب على مشاكل العمل, حتى أنهم يعملون بإنتاجية أكبر.
الموضوع الأصلي: التربية الإيجابية || الكاتب: الدكتورة اسماء ||