إيحاءات تحريف تاريخ التعليم في مصر في قصة "علي مبارك"
(1)
كتبت كثيرا من المقالات التي تشرح النقود المختلفة على قصة "علي مبارك" المقررة على الصف السادس الابتدائي، واليوم أكتب عن أثر سلبي غير مباشر لعبارات أكدتها القصة تأكيدا قاطعا مما يصرف الأذهان عن التفكير فيه.
كيف؟
في الفصل السادس المعنون بـ"وزير التربية والتعليم" يحكي المؤلف خصائص "علي مبارك" التي جعلت الخديو عباس يسند إليه أكبر منصب في ميدان التعليم، ثم يقول المؤلف ص 84: " ... وأنعم عليه برتبة الأمير آلاي وعينه ناظرا للمدارس، فكان أول وزير مصري تولى هذا العمل، وكان من قبل ذلك في أيدي الأجانب يعبثون فيه كيف يشاؤون".
وفي الفصل الثامن الأخير المعنون بـ"أبو التعليم" يقول المؤلف ص105: "أسند إسماعيل إلى علي مبارك ديوان المدارس فيما أسند إليه من الأعمال الجليلة ...".
ما نتيجة هذين النقلين؟ نتيجتهما المباشرة أننا علمنا أن العبث بالتعليم المصري كان قبل "علي مبارك"، وأن "علي مبارك" صار أبا التعليم وأنه أصلحه. وتنتج هذه النتيجة المباشرة نتيجة أخرى غير مباشرة. ما هي؟ أن التعليم الموجود الآن متصل بما فعله "علي مبارك"، وهذا غير صحيح. كيف؟ لقد أتى العبث الحقيقي في التعليم المصري بعد "علي مبارك" لا قبله. كيف؟
لقد أتى الاحتلال الإنجليزي لمصر، وجاء معه بتغريب التعليم المصري كما يقول سيد حسين عبد الله العفاني في مقاله "القس دانلوب وتغريب التعليم في مصر": ولد "دانلوب" في اسكتلندا 1860 م، وتخرج من القسم اللاهوتي في إحدى كلياتها. وجاء إلى مصر مبشرًا 1889 م وعين مدرسًا في مدرسة "سانت أندرو" التابعة للمجتمع التبشيري باسكتلندا بمرتب فرنكات معدودات. وسعى لدى "كرومر" بمساعدة السير "فونكريف" وكيل الأشغال حتى عين مدرسًا للغة الإنجليزية في مدرسة المهندسخانة فالمعلمين الخديوية. ويعد "دانلوب" واضع المخطط الأساسي لتغريب التعليم والتربية وإقصاء الإسلام عن برامج التعليم في المدرسة المصرية.
وكانت أبرز أعمال دانلوب:العمل على محاربة اللغة العربية والإسلام والأزهر، لذلك عمل على اضطهاد معلمي اللغة العربية من الأزهريين، ونشر لواء اللغة الإنجليزية وتأهيلها للسيطرة الكاملة على كل شئون التعليم، وبذلك أمكنه القضاء على نفوذ اللغة العربية ولقد مضى في ذلك إلى حد أنّه جعل تعليم سائر العلوم كالرياضيات والتاريخ والكيمياء والجغرافيا والرسم باللغة الإنجليزية وضيق على اللغة العربية تضييقًا كبيرًا، وإبطال كتاب "علي مبارك" و"عبد الله فكري" (طرق الهجاء) عام 1888م.
(2)
إلى غير ذلك مما هو مسطور في تاريخ التعليم في مصر، فهل لم يعلم الكاتب ذلك؟ أم تراه علمه لكنه أهمله لأنه يعلي من "علي مبارك" كما يتوهم"؟
إن كان علمه فلم لم ينبه على ما حدث من محو جهود "علي مبارك" بعد تولي هذا القس أمر التعليم في مصر؟ وإن لم يعلم فلم يتحدث فيما يجهل؟
إن هذا تزييف للوعي إن لم ينتبه المعلمون إلى ذلك، وينبهوا إليه؛ فهل ينتبهون وينبهون؟