(1)
إن كنت مدرس مادة غير اللغة العربية، ورمَتْ بك أقدارُك في لجنة تصحيح أوراق اختبار اللغة العربية - فإنك ستَجِد أن نموذج تصحيح الإملاء يحتوي ضابط حساب الأخطاء كالآتي: "الخطأ بنصف درجة".

وإن كنت مُعلِّم لغة عربية فإنك ستكون عالمًا بهذا الضابط بالتعود؛ لذا لن تَستغرِب ولن تسأل، لكنك إن كنت معلم مادة أخرى ستَستغرِب.
لماذا؟
لأنك ستَحسِب حسابًا صغيرًا سيَجعلك تُصدَم.

ما هو؟
إن كانت قطعة الإملاء تتكوَّن من 28 كلمة، وأخطأ التلميذ فيها عشر كلمات، فستكون نتيجته: صفر من خمس (0/5) درجات، هي درجة الإملاء في المرحلة الابتدائية.

ما معنى ذلك؟
معناه أننا راعينا الأخطاءَ العشرة، وتركنا ثماني عشرة كلمة صحيحة من دون اعتبار ولا تقدير، فهل هذا عَدْل؟ وهل هذا تربية وتعليم؟ بل هل هذا منطق؟
لا، لا، لا.

لماذا؟
لأن علماء التربية نَصُّوا على خطأ ذلك.

ماذا قالوا؟
قال الدكتور فتحي علي يونس، أستاذ المناهج بكلية التربية بجامعة عين شمس في كتابه "إستراتيجيات تعليم اللغة العربية في المرحلة الثانوية" ص: 491- 492 تحت عنوان (كيف يُقوَّم موضوع الإملاء؟): "عادة ما يُقوِّم المدرسون موضوعَ الإملاء بوضع خط تحت الخطأ الهجائي، ويجمعون هذه الأخطاء وتُطرَح من الرقم 10؛ لتكون الأخطاء بسط الكسر ورقم 10 مقام الكسر، فلو فرضنا أن تلميذًا أخطأ في 9 كلمات تكون درجته 1/10، إن هذا الإجراء ليس له أساس علمي؛ لذا يلجأ المدرِّبون حديثًا إلى أحد الأسلوبين الآتيين في التقويم:
1- يُملَّى التلميذ القطعة الإملائية التي بها مثلاً 10 كلمات يُراد اختباره فيها، فإذا أخطأ التلميذ في واحدة من هذه الكلمات تُطرَح من الرقم 10، وهي عدد الكلمات الإملائية.

2- يُحسَب عدد كلمات القطعة، وليكن 100 كلمة، فإذا أخطأ التلميذ في كلمة تُخصَم من 100؛ لذا يكون مقام البسط 100، والبسط هو عدد الكلمات التي لم يُخطئ فيها التلميذ".

(2)
وإن سألنا عن سبب ذلك أجابنا الدكتور حسن شحاتة في أكثر من كتاب من كُتُبه، لكنني سأقتَبِس الآن من كتابه (تعليم اللغة العربية بين النظرية والتطبيق) في مَعرِض حديثه عن أسباب الأخطاء الإملائية (ص: 330) قائلاً: عوامل تَرجِع إلى طريقة التدريس، وتتمثَّل هذه العوامل في أن تدريس الإملاء يقوم على أساس أنه طريقة اختبارية تقوم على اختبار التلميذ".

ثم يُتابِع (ص: 334) عند اقتراح الحلول قائلاً: "تعليم الإملاء لا يتم بحسب فلسفة اختبارية تقوم على الخطأ وإعطاء علامات للتلميذ تَعتمِد على عدد أخطائه، وإنما يجب أن يكون تعليم الإملاء بحسب فلسفة تعليمية تتَّجِه إلى إفهام التلميذ ما يَكتُب قبل الإملاء، وتَشرَح وتُناقِش قاعدة إملائية واحدة في درس واحد أو مجموعة دروس".

(3)
ويجعلك ذلك تسأل: كيف تُعلَّم الإملاء؟
سيُخبِرك الجواب أن طريقة تدريس الإملاء من عوامل إضعاف تَعلُّم الكتابة.

كيف؟
مَن يُراقِب سير الإملاء في مراحل تعليم ما قبل الجامعة يجد أن أساسها في المرحلة الابتدائية، ثم تكون الإعدادية مراجعة لما سبقت دراسته، ثم في الثانوية تختفي الإملاء.

إذًا؛ الابتدائية هي الأساس، فكيف تَتِم حصة الإملاء فيها؟
إن للإملاء مُقرِّرها القاعدي كالنحو؛ فلا يختلف الإملاء عن النحو في ذلك، لكن طريقة تدريسهما جِدُّ مختلفة.

كيف؟
إن للإملاء قواعد كما أن للنحو قواعد، وللنحو زمن يُعادِل زمن الإملاء، لكن النحو يُدرَّس دراسة مقصودة مباشرة، أما الإملاء فلا تُدرَّس كذلك؟

كيف؟
في النحو تُتَّبع الطريقة القياسية التي تبدأ من القاعدة، ثم تُنفَّذ على الأمثلة، أو الطريقة الاستنتاجية التي تبدأ من الأمثلة، وتنتهي إلى القاعدة، أو بالدمج بينهما؛ أي: إن القاعدة تكون واضحة سواء أجاءت قبلاً أم بعدًا، وتَتَّضِح وتتكرَّر من خلال الأمثلة والتطبيق والحل والتدريبات.

فهل يَحدُث مع الإملاء ذلك؟
لا.

كيف؟
يدخل المعلم فيُملي القطعةَ التي اقتبسها من أي كتاب، والتي تحتوي على تطبيق القاعدة التي لم يشرحها، ثم يَنشغِل بالتصحيح.

فقط؟
نعم، فقط.

فماذا تكون النتيجة؟
تكون ضعفًا؛ لغياب القاعدة، وعدم معرفة الطالب بها، وتكون سأم المعلم لطول وقت الفراغ.

(4)
فمتى تدرس الإملاء كالنحو للاتفاق بينهما طبيعة وكُنْهًا بإحدى الطرق السابقة؟ ومتى تُقوَّم تقويمًا صحيحًا؟
إذا حدث ذلك فستكون النتيجة استمتاع الطالب والمعلم بالإملاء، وتتَّضِح القوة في الكتابة عند الطالب، ويكون التقويم عادلاً.