تعليم الخط العربي في مدارسنا .. بين الطريقة الكلية والطريقة الجزئية
تشتهر الطريقة الكلية والطريقة الجزئية في تعليم القراءة، لكنها لا تقتصر عليها بل تمتد لتشمل فروع اللغة جميعها، بل تمتد لتشمل الحياة.
لماذا؟
لأن كلتا الطريقتين طريقة في التفكير يتناول بها المرء حياته وما فيها؛ فالأولى تنهض على الرؤية العامة، ومحاولة رؤية الأجزاء في الكل ومن خلاله. والأخرى تقوم على الرؤية الجزئية والامتداد بها نحو الكل.
وكلتا الطريقتين مطلوبة، والانفراد بإحداهما والاقتصار عليها قصور، والدمج بينهما هو الصحيح؛ فالتحليل والتركيب ضروريان في صناعة العلم، لكن البدء هو الذي يميز؛ فإن بدأنا بالجزء لنسير إلى الكل فطريقتنا جزئية، وإلا فكلية. والطريقة الجزئية هي التي تلائم تعليم خالي الذهن، والكلية تبلور الرؤية له بعد التعلم بجمع شتات الجزئيات وإظهارها في إطار واحد مُجمِّع.
هذا عن الطريقتين، وسبق أن تناولتهما في القراءة في مقال سابق، وسبق أن تناولتهما في الإملاء والنحو في مقال، وهأنذا أتناولهما في الخط في مقالي هذا.
لماذا؟
إن من يتابع تعليم الخط في مدارسنا يلحظ تضاربا وتناقضا وتذبذبا ينبئك بأشياء ليست طيبة تجاه هذه المهارة المهمة.
كيف؟
حينًا يبدأ تعليم الخط من الصف الثاني الابتدائي، وحينا يتأخر إلى الصف الرابع الابتدائي كما نحن عليه الآن. وحينا يصبح الخط مادة منفردة لها درجة نجاح كبرى ودرجة نجاح صغرى، ومن ثم تكون مادة نجاح ورسوب. وحينا يدمج الخط وتعليمه في فروع اللغة العربية، وترصد له درجات قليلة تدخل في مجموع درجة اللغة العربية كما نحن عليه الآن، ومن ثم يهمش فليست له درجة منفردة معلومة، وليس مادة نجاح ورسوب.
لماذا ذلك؟
لا أدري سر تغير نظرة القائمين على أمره، لكن الأستاذ إبراهيم عبد العليم أشار قديما في كتابه "الموجه الفني" إلى ربط خط اللغة العربية بخط اللغة الإنجليزية عند مسئولي تدريس الخط في الوزارة وتبعية الأول للآخر في تغير العهد به استقلالا وتبعية؛ فهل يكون الأمر مستمرا إلى الآن على وفق ذلك؟ أم يكون الأمر مرده إلى تغير المسئولين وتغير رؤاهم؟ لا أدري، لكن هذا هو واقع الخط العربي في مدارسنا.
وعلى الرغم من التغير المشار إليه آنفا فهناك شيء ثابت في تعليم الخط يستمر ويتتابع.
ما هو؟
إنه طريقة التدريس المستوحاة من أمشق الخط أي كراساته الوزارية التي يتسلمها التلميذ.
كيف؟
إنها الطريقة الكلية المبنية على النموذج لا الطريقة الجزئية المبنية على القاعدة والقانون.
أللخط قانون وقاعدة؟
نعم.
ومن وضعها؟
وضعها ابن مقلة الذي غيَّر الخط الكوفي إلى الخط المعروف الآن وهذبها ابن البواب بعده كما أشار إلى ذلك الأستاذ محمد طاهر بن عبد القادرالكردي المكي الخطاط في كتابه "تاريخ الخط العربي وآدابه" في طبعته الأولى الصادرة عن مكتبة الهلال 1358هـ الموافق 1939م، وكما أشار إليه أيضا الشيخ أبو الوفاء نصر بن نصر يونس الوفائي الهوريني في كتابه "المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية" الصادر عن مكتبة السنة بتحقيق الدكتور طه عبد المقصود، وكما أشار إليه مؤلفا كتاب "الخط المغربي .. تاريخ وواقع وآفاق" الصادر ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، وكما أشار إليه الشيخ حسين والي في كتابه "الإملاء"، وغير ذلك.
فما هذه القاعدة؟
إنها تقدير الحرف بالنقطة في امتداده وتقوسه واستدارته وغير ذلك، وهذا ما جعل مؤلفي كتاب "الخط المغربي .. تاريخ وواقع وآفاق" يطالبان بتقعيد الخطوط المغربية بقواعد تشبه الخطوط المشرقية؛ إذ إن جل الخطوط المغربية ما تزال تخضع للذوق الشخصي لا للقاعدة المطردة.
وهذه القاعدة هي أساس التعليم في مدارس تحسين الخط العربي التي يتخرج فيها الخطاطون، فكيف ننفذها في تعليم الخط في مراحل تعليم ما قبل الجامعة؟
إن بعض أمشق الخط في المرحلة الابتدائية تذكر قواعد رسم الحروف في المقدمة التي لا يقرؤها أحد، فإذا بدأت النماذج لا تشير إليها. وإن بعضها يجعل الحروف المفردة في سطر أعلى من سطري النموذج، لكن من دون إشارة إلى قاعدة النقط؛ لذلك فإن ما يطلبه هذا المقال لن يستلزم تغييرا جوهريا، بل إنه يجمع أشياء مفرقة في مكان التعلم أي مكان النموذج.
كيف؟
لنجعل تعليم الخط يبدأ من الصف الثاني كما كان منذ زمنٍ قريب في المدارس الابتدائية، لكن مَشْق هذا الصف سيقتصر العام كله على خط النسخ فقط، وسيذكر قواعد كتابة حرف واحد في حصة الأسبوع. وحروفنا ثمانية وعشرون حرفا وأسابيع دراستنا اثنان وثلاثون أسبوعا؛ لذا فسيكون هناك وقت متاح للمراجعة بعد الانتهاء من قواعد حروف العربية على وفق القواعد الخطية التي تضمن لنا كتابة صحيحة جيدة، أما الجمال فهو موهبة يقويها الدرس القاعدي السابق.
ألن يكون هذا شاقا على تلاميذ هذا الصف المتقدم؟
لا.
كيف؟
إنهم سيمارسون ذلك كأنهم يمارسون لعبة من ألعاب التخطيط والتلوين.
وليكن مقرر الصف الثالث خط الرقعة - بضم الراء المشددة- على وفق ما تم في خط النسخ في العام الذي قبله.
ثم تبدأ أمشق الخط منذ الصف الرابع الابتدائي إلى الثالث الإعدادي في ذكر النماذج، وتُصَدَّر صفحة النموذج بتذكيرٍ يُرسم فيه الحرف المقرر بقواعده التي سبق أن درسها التلميذ في السنة الثانية والثالثة.
بهذا نجمع الطريقتين، لكننا نبدأ بالجزئية لاستظهار القواعد والتمكن منها، ونُذَكِّر بها ونحن في أجواء الطريقة الكلية. وبهذا نعمل جادين على تحسين خطوط التلاميذ؛ لأن تعليم الخط سيكون تعليما حقيقيا؛ فلن يهمل معلم اللغة العربية حصة الخط، ولن يستثمرها في فروع اللغة الأخرى او في راحته، ولن يخبط التلميذ خبط عشواء.