وهم الخلط بين تقطيع الكلمة إلى مقاطعها، وتحليل المقاطع إلى مكوناتها(1)قبل لقائي بالقرائية بزمن قدَّر الله تعالى لي تجربة تعليم ضعاف، ولما كان العزم فيها منعقدا على بذل الجهد في إيصال الإفادة بدأ الدرب تتضح معالمه شيئا فشيئا، وكان المَعْلَم الأصل الذي أدى إلى ما تلاه هو توخي الدقة العلمية اللغوية في مجال تعليم القراءة والكتابة وعدم الحيد عنها.كيف؟عندما تتأمل تجارب التعليم القرائي والكتابي الأوليِّ في الكتاتيب تجد خطأ شائعا ينبع من غياب هذه الدقة العلمية اللغوية نتيجة لعدم دراسة شيوخ هذه الكتاتيب اللغة العربية دراسة أكاديمية بمستوياتها المختلفة خصوصا الصوتي والصرفي.ما هو هذا الخطأ؟إنه تسمية بعض الحروف بأصواتها لا بأسمائها كما نبهتُ على ذلك تفصيلا في مقالي "أخطاء تسمية الحروف بأصواتها لا بأسمائها عند تعليمها". وقد تلافت "الطريقة النورانية" في تعليم القراءة والكتابة ذلك، لكنها تلاقت مع طريقة الكتاتيب في التهجي نتيجة لعدم حسمها وجود معيار ثابت للتهجي كما بينتُ ذلك تفصيلا في مقالي "اعتماد المقطع أساسا للتهجي قانون لا ينخرم ويزيد الوعي بالصوت والمقطع".ثم أدت التجربة بي إلى أن أرى أن المقطع له وظيفة كتابية إضافة إلى وظيفته الشفوية، وذلك في مقالي" المقاطع الصوتية التعليمية .. وسيلة من وسائل تعليم الكتابة والهجاء". وبعد مقالات جزئية متعددة جاء المقال الذي اكتملت به تجربتي هذه مُعنْوَنًا بـ"القراءة بالنسبة إلى الضعفاء والمبتدئين هي معرفة أصوات الحروف الثلاثة عشرة"، التي هي الحركات القصار الثلاثة "الفتحة والضمة والكسرة"، والسكون التي هي علامة وليست حركة، والحركات الطوال الثلاثة "الألف والواو والياء"، والتناوين الثلاثة؛ لأنها تئول إلى حركات قصار لكنها تختلف في نوع المقطع، والتضعيف مع الحركات القصار الذي ينتهي بالحركات القصار لكنه يختلف في التقطيع.ثم تلت هذا المقال مقالات تفصيلية له كان هو لها متنا وكانت هي له شروحا حللتُ فيها هذه الأصوات في جداول تبين للقارئ كيفية التهجي والتقطيع تبيينا تحليليا تفصيليا، ولو أجادها المتعلم لمهر في الإحساس باللغة التعليمية العلمية.ومضت التجربة بمراحلها، وصاحب كل ذلك مقالات تؤصل مدى الوعي المرحلي بتعليم القراءة والكتابة، وكلها منشورة على صفحتي في "الألوكة"، وعلى منتديات الشبكة العنكبويتة ومجموعات الفيس، وأتهيأ قريبا لجمعها في كتاب إن شاء الله بعد أن نشرت منها شيئا يسيرا في كتابي الأخير "في النقد التعليمي" الذي صدر منذ أكثر من عام.(2)ثم جاءت تجربة القرائية، وبدأت رحلة معرفتها سماعا متكررا وقراءة متعددة، فوجدت أنها تتفق وتجربتي السابقة في الفلسفة والتنفيذ؛ لذا بدأتُ رصد معالم تنفيذها بالمدى الذي أستطيعه، وتحليل تنظيرها في أدلتها الإرشادية - في مقالات قاربت الثلاثة عشرة مقالا كان آخرها متمحورا حول التقطيع الصوتي للكلمات المحلاة باللام الشمسية، وكان عنوانه "وهم بعض معلمي اللغة العربية وبعض مدربي القرائية في التحليل الصوتي للكلمات المحلاة باللام الشمسية".ويأتي هذا المقال أيضا في التقطيع الصوتي ليضيف شيئا إلى الوعي الصوتي.لماذا؟لأن الوعي الصوتي محور من محاور القرائية، والوعي الصوتي بمستوياته الخمسة يكاد ينحصر في التقطيع بصور مختلفة. كيف؟إن مستويات الوعي الصوتي تشمل: تقطيع الكلمة إلى أصوات، والوعي بالمقاطع التي تتكون منها الكلمة، ودمج الأصوات، والتلاعب بالأصوات، والوعي بالكلمات المتشابهة في الوزن والقافية أو في الوزن فقط أو في البداية أو في النهاية.ولو اكتسب التلميذ من معلمه مهارات هذه المستويات اكتسابا واضحا دقيقا لما كان لهذا المقال سببا للوجود، لكن الأمر يتم على وفق ما كان يحدث في الكتاتيب عند تلاميذ بعض المعلمين نتيجة عدم الدقة العلمية المستوجبة التفريق بين مستويين في الصيغ الإجرائية للتقطيع والتحليل.ما هما؟إنهما: تقطيع الكلمة إلى مقاطع، ثم تحليل المقاطع إلى مكوناتها الصوتية.هذان مستويان مختلفان ومتمايزان، لكن هذا التمايز غير واضح عند البعض.كيف؟إن سألت تلميذا من تلاميذ هذا البعض عن تقطيع كلمة "طَلَعَ"، فسيقول لك: "الطه وحدها، واللام وحدها، والعين وحدها". وإن سألته عن تقطيع كلمة "مِصْرَ" فسيقول لك: "الميم والصاد وحدهما، والراء وحدها"، وهكذا.ولك أن تسأل: ماذا في هذا؟ وأجيبك: لقد احتوى كلام هذا التلميذ الخطأ ذاته الذي يبرز في تعليم الكتاتيب، وزاد عليه خطأ جديدا.ما الخطأ المكرر؟ وما الخطأ الزائد؟الخطأ المكرر هو الخلط بين أسماء الحروف وأصواتها، والزائد أنه خلط بين تقطيع الكلمة إلى مقاطعها وبين تحليل المقطاع إلى مكوناتها الصوتية.كيف؟إن الدقة العلمية تقتضي في تقطيع الكلمة السابقة "طَلَعَ" أن يمر التلميذ بمرحلتين إجرائيتين، هما:المرحلة الأولى: يقسم فيها التلميذ الكلمة إلى مقاطعها فيقول: المقاطع هي: " طً، لَ، عَ"، وله أن يضيف هاء السكت كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي إن شئنا مزيدا من الدقة العلمية اللغوية، لكننا يمكن أن نغض الطرف عنها حتى حين.المرحلة الأخرى: يحلل فيها التلميذ المقاطع إلى مكوناتها الصوتية فيقول: المقطع "طَ" يتكون من الطاء والفتحة، والمقطع "لَ" يتكون من اللام والفتحة، والمقطع "عَ" يتكون من العين والفتحة.إن وَعَى التلميذ ذلك آتت القرائية في مستوى الوعي الصوتي ثمارها، ودل ذلك على أن معلمه على وعي علمي دقيق بالمستوى الصوتي في اللغة العربية، وأثبت ذلك عدم وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ. لكن الأمر لا يتم على هذا النحو عند البعض الذي أظنه كثيرا وغالبا، والذي قد يعد مراعاة هذه الدقة العلمية التي تقرر الواقع اللغوي وتؤكده غلوا وتشددا لا داعي لهما، ولا يرى في خطئه عدم مجافاة للغة. وإن أردنا أن يعي التلميذ وحدات بناء الكلام بدءا من الصوت مرورا بالمقطع ووصولا إلى الكلمة فافلقرة فالموضوع- فلا بد أن نحسن مرحلة التأسيس والبدء، ولن يكون ذلك إلا بمراعاة الدقة العلمية اللغوية في التفريق بين ما يجب التفريق بينه وترك وهم الجمع بين ما لا يجب أن يجتمع.