(1)
قد تقرر في علم التجويد أن العلاقة بين الحروف أربعة أنواع.
ما هي؟
إنها:
1- التماثل: والمتمثاثلان هما الحرفان اللذان بينهما اتفاق في المخرج والصفة، أي تكرار الحرف نفسه كالميمين أو الدالين أو ....
2- التجانس: والمتجانسان هما الحرفان اللذان اتحدا مخرجا لا صفة، مثل الدال والتاء.
3- التقارب: والمتقاربان هما الحرفان اللذان تقاربا مخرجا لا صفة مثل الدال والسين، أو تقاربا صفة لا مخرجا مثل السين والشين، أو مخرجا وصفة مثل اللام والراء على الرأي الذي يجعل (اللام والراء والنون) مختلفة المخارج لا متحدته.
4- التباعد: والمتباعدان هما الحرفان اللذان فصل بين مخرجيهما مخرج أو أكثر، مثل الهمزة والهاء من مخرج أقصى الحلق والخاء والغين من أدنى الحلق.
وعلاقة التماثل هي أساس الجناس التام، أما الجناس غير التام فينطبق على بقية الأنواع. ولقد استعار علم البلاغة في مبحث الجناس غير التام في صورته الثانية المختلفة في نوع الحروف هذه المصطلحات من علم التجويد، فكان يجب أن يلتزم بها كما قررها التجويد، لكنه لم يفعل ذلك في كتاب البلاغة العربية المقرر على الصف الثالث الثانوي الأزهري لا سيما في الجناس الناقص المختلف في حرفين في نوع الحروف الممتد من 197 إلى ص201. كيف؟إن قرأت كثيرا من الأمثلة في نوعي هذه الصورة الثانية من الجناس غير التام اللذين هما الجناس المضارع والجناس اللاحق- وجدت اضطرابات ثلاثة.ما هي؟الاضطراب الأول: تسمية التجانس تقاربا في المخرج، وعدم ذكر التجانس ألبتة. الاضطراب الثاني: تسمية التباعد تقاربا.الاضطراب الثالث: تسمية التقارب تباعدا.وقد يقول قائل: إن هذه الأمثلة موجودة في كتب البلاغة، وغير مقتصرة على كتاب الثالث الثانوي الأزهري!وأجيبه بأن هذا ليس عذرا.وقد يستمر القائل قائلا: يمكن أن البلاغيين قد أخذوا أصل المصطلحات، ثم تصرفوا فيها بعد ذلك عندهم!وأجيبه مرة أخرى: لو حدث هذا لكان يجب أن ينصوا على ذلك، لا سيما كتاب الثالث الثانوي الأزهري الذي قدم مقدمة نظرية ذكر فيها المخارج كما يوردها علم التجويد وعلم الأصوات، فكان يجب النص على الاصطلاح الجديد الذي تبناه الكتاب ما دام قد اختلف عن الاصطلاح في العلم المستعار منه الذي هو علم التجويد وعلم الأصوات- في هذه المقدمة.ماذا قال الكتاب؟قال الكتاب آخر ص197 وأول ص198: (الصورة الثانية: وهي التي اختلف فيها اللفظان في نوع الحروف، ويشترط في هذا النوع من الجناس غير التام أن لا يقع الاختلاف في أكثر من حرف. ومعلوم لأبنائنا الطلاب أن حروف اللغة العربية تخرج من مخارج محددة؛ فهناك حروف شفوية ... وحروف تخرج من طرف اللسان ... وحروف حلقية ...، وهكذا. وعلى هذا فهناك حروف تكون متقاربة في المخرج، وحروف تكون متباعدة في المخرج. وحينما نظر البلاغيون في نوع الحرفين المختلفين نظروا إليهما من هذه الجهة، أي من حيث تقارب مخرجيهما أو تباعدهما، وأطلقوا على كل نوع المصطلح البلاغي الذي يميزه عن غيره).هكذا قدم الكتاب لأمثلة هذا النوع بما يؤكد أنه مبحث تابع لمبحث مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد، ولم يكتف بذلك بل أكده مرتين في تعريفه نوعي هذه الصورة الثانية من الجناس غير التام.كيف؟قال الكتاب ص198 معرفا النوع الأول من الصورة الثانية من الجناس غير التام: (1- الجناس المضارع:وهو ما اختلف فيه اللّفظانِ المتشابهان في نوع الحروف، وكان الحرفان متقاربين في المخرج).هكذا حدد الكتاب الشرط في التقارب في المخرج، وليته حذف المخرج ليوجِد لنفسه موطئ قدم في الصحة حيث التقارب كما سلف يكون في المخرج أو الصفة أو كليهما معا.وقال ص 199 معرفا النوع الآخر من الصورة الثانية من الجناس غير التام: (2- الجناس اللاحق: و وهو ما اختلف فيه اللّفظانِ المتشابهان في نوع الحروف، وكان الحرفان متباعدين في المخرج).هكذا كرر الكتاب أن التباعد والتقارب في المخرج هما المحور، فهل التزم بما قرره علم التجويد بشأنهما؟
لا، لم يلتزم لا نظريا ولا تطبيقيا كما قلت آنفا.
كيف؟
نظريا حصر الأمر على التقارب والتباعد وأهمل التجانس على الرغم من أن علم التجويد جعله مرتبة من علاقات الحروف تلي التماثل، وعلى الرغم من أن التطبيق سينْحَلِ التقارب علاقة التجانس على الرغم من اختلافهما كما سبق. ثم خلط بين التقارب والتباعد، كما قلت غير مرة سابقا.
لكن، هل اضطرد الاضطراب؟
لا، فليس الاضطراب في كل الأمثلة؛ فهناك أمثلة موافقة، وأخرى غير ذلك ونسبتها غير قليلة.
وسأكتفي هنا بغير الموافقة المبرزة الاضطراب المفاهيمي في التقارب والتباعد والمهملة التجانس بتسميته تقاربا لعل هذه الأمثلة تُحذف أو يُعدّل وصفها.
(2)
ما هذه الأمثلة؟أما عن أمثلة الاضطراب الأول الذي هو تجاهل التجانس وتسميته تقاربا، فهي متعددة.مثل ماذا؟مثل ما ورد ص198: (كقول الحريري في إحدى مقاماته: بيني وبين كنى ليل دامس وطريق طامس. فالاختلاف بين الدال والطاء في أول كل كلمة، وهما متقاربان في المخرج). والصحيح أن الطاء والدال ليسا متقاربين، بل هما متجانسان لاتحادهما مخرجا واختلافهما صفة. ومثل: (وإما أن يكون في وسط الكلمة، مثل قول بعضهم: البرايا أهداف البلايا. فالاختلاف بين الراء واللام في وسط كل كلمة، وهما متقاربان في المخرج).
وهذا صحيح على رأي جماعة من العلماء، أما على رأي آخرين هما متجانسان. وينطبق هذا على المثال الحديثيالذي يرد الحرفان في نهاية كل كلمة، وهما اللام والراء: (الخيل معقود في نواصيها الخير)؛ فكان يجب توضيح هذا التفصيل.
ومثل: (ومثله قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26]، فالاختلاف بين الهاء والهمزة في وسط كل كلمة، وهما متقاربان في المخرج).
والصحيح أن الهاء والهمزة ليسا متقاربين، بل هما متجانسان لاتحادهما مخرجا واختلافهما صفة.
وأما عن مثال الاضطراب الثاني الذي هو تسمية التباعد تقاربا، فقد جاء نهاية ص198: (وقال آخر: مطاعين في الهيجا .. مطاعيم في القرى. فالاختلاف واقع في آخر كل كلمة، وهما متقاربان في المخرج).
والصحيح أن النون والميم متباعدان في المخرج لا متقاربان؛ فالنون من طرف اللسان واللثة، والميم من الشفتين، وبينهما مخارج. ولو قال: بينهما تقارب فقط لصح حملا على التقارب الصفاتي، لكنه حدد التقارب في المخرج.
والعجيب أنه في ص199 أتى بحرفين يشارك كل منهما حرفا مما سبق، وسمى العلاقة بينهما متباعدين؛ فقد قال معرفا النوع الآخر من الصورة الثانية من الجناس غير التام: (وهذا الاختلاف إما أن يكون في أول الكلمة، مثل قول بعضهم: رب وضي غير رضي... فالاختلاف بين الواو والراء في أول كل كلمة، وهما متباعدان في المخرج).والواو أخت الميم في المخرج والراء أخت النون في المخرج على رأي الجمهور، أو مقاربتها على رأي آخر؛ فلماذا جعل النون والميم متقاربين في المخرج، وجعل الواو والراء متباعدين في المخرج؟
لا أدري.
(3)
هذا عن الاضطرابين الأول والثاني، فماذا عن الاضطراب الثالث الذي هو تسمية المتقاربين متباعدين؟
في ص199 و ص200 حيث ورد: (ومنه قول الحريري: لا أعطي زمامي لمن يخفر ذمامي... فالاختلاف بين الزاي والذال وقع في أول كل كلمة، وهما متباعدان في المخرج... ومثله قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} [النجم: 48]، فالاختلاف بين الغين والقاف وقع في أول كل كلمة، وهما متباعدان في المخرج...وإما أن يكون في آخر الكلمة نحو قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } [النساء: 83]، فالاختلاف بين الراء والنون وقع في آخر كل كلمة، وهما متباعدان في المخرج).والصحيح أن العلاقة بين الزاي والذال تقارب في المخرج، وكذلك بين الغين والقاف بل إن يعقوبا الحضرمي أحد القراء العشرة جعل الغين من حروف أقصى اللسان لا من حروف الحلق؛ لذا يخفي النون عندها. والراء والنون إما متجانسان أو متقاربان على اختلاف رأي العلماء.(4)هذا تفصيل مخالفة المصطلحات المستعارة، فهل تغير في الكتاب وعلم البلاغة؟ أرجو، بل أدعو!